بيان الكتب: نعوم شومسكي هو بدون شك أحد أشهر الشخصيات الفكرية في القرن العشرين وخاصة في ميداني التحليل السياسي والفلسفي. وهو مشهور بمواقفه الواضحة التي لا لبس فيها في نقده الشديد للسياسة الاسرائيلية وللاطروحات الصهيونية بشكل عام، هذا على الرغم من انه يهودي. له العديد من المؤلفات السياسية ذات الشهرة الواسعة، كان «بيان الكتب» قد قدّم عدداً منها في أعداده السابقة. ومن أعماله الأخيرة: «النزعة الإنسانية العسكرية الجديدة: دروس من كوسوفو» و«الدول المارقة»... الخ. يعمل شومسكي أستاذاً في معهد ماسا شوستا للتكنولوجيات.. ويشارك في العديد من برامج البث الإذاعي والتلفزيوني وفي الندوات، خاصة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والأقليات. ودافيد بيرسميان هو صحفي أمريكي يعمل في إذاعات وقنوات تلفزيونية عدة ويساهم بالكتابة في دوريات شهيرة مثل «بروجرسيسيف» و«زد ماجازين». وقد تخصص في إصدار عدد من الكتب ـ المقابلات مع مشاهير العالم، ومن بين أعماله: «أحمد اقبال: امبراطورية التحدي» و«مستقبل التاريخ: أحاديث مع هوارد زن» و«الخير العام: أحاديث مع نعوم شومسكي». يعود الصحفي بيرسميان في هذا الكتاب إلى لقاءاته الصحفية مع المفكر والكاتب السياسي نعوم شومسكي والتي بدأت عام 1980 عندما أرسل بالبريد خطابا لشومسكي يطلب فيها اجراء حوار معه وكانت دهشته كبيرة عندما تلقى وبسرعة رداً إيجابياً منه. لكن لم يتم تنفيذ الحديث الأول سوى بعد أربع سنوات لتتالى بعد ذلك ولتنتشر بعد ذلك على نطاق واسع حيث تمّ بيع الآلاف منها رغم عدم توفر الدعاية الكافية لها.. وها هو اليوم يجمعها في كتاب. وفي مقدمة هذا العمل يرسم «دافيد بيرسميان» صورة فيها الكثير من الاعجاب والاحترام لشخصية نعوم شومسكي الذي يصفه بأنه يتميز باتزان وشجاعة كبيرين إلى جانب تواضعه الشديد، ذلك «أن المتحدث إليه لا يحس بنبرة الاستعلاء التي يضفيها على أنفسهم أولئك الذين هم بمكانة شومسكي». ويرى بيرسميان بأن هذا التواضع الجم هو الذي يفسر واقع ورود عشرات الطلبات إليه سنويا لدعوته للمشاركة في ندوات أو مؤتمرات أو لإلقاء محاضرات يتم تنظيمها حول اسمه ويحضرها الآلاف من البشر. ولا ينس «بيرسميان» أن يقول عن نفسه ضمن هذا السياق بأنه لا يسعى أبداً إلى اقناع مستمعيه بأفكاره وانما يبحث عن مساعدتهم كي يقوموا باقناع أنفسهم.. وبأنه يؤمن بمبدأ مهم يقوم على ضرورة قول الحقيقة أيا كانت. ويرى شومسكي، وهذا هو أحد الدروس التي قررها باستمرار، بأنه على المثقفين واجب طرح الحقائق دائما، وطرحها أمام الكبار قبل الصغار وانه لا يتردد في كشف الاكاذيب مهما كان مصدرها. ان هذا الكتاب وبالصيغة الحوارية التي جاء فيها يطرح أسئلة مقتضبة حولها فيجيب عليها شومسكي بردود طويلة ومستفيضة.. وتشمل هذه الحوارات مسائل متنوعة ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية. ونظرا لهذا التفرع والتنوع الذي تعبر عنه مواضيع هذا الكتاب الذي وضع قسم كبير منه للأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية؟ فإنه قد يكون من المفيد الدلالة على الذهنية التي تحدث بها نعوم شومسكي من خلال حوارين يثيران قضايا تهم العالم العربي والقاريء العربي وهما القضية العراقية والصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. بالنسبة للمسألة العراقية يبدو شومسكي شديد الانتقاد للادارات الأمريكية في سياساتها حيال العراق. إذ وبعد التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة ونظام الرئيس العراقي صدام حسين أثناء الحرب العراقية ـ الايرانية انقلبت الأوضاع تماما بعد حرب الخليج الأخيرة لعام 1991. ويعيد شومسكي إلى الأذهان واقع قصف بعض القرى الكردية عام 1988 ـ قرية جلجا خاصة ـ بالغازات السامة، مما أدى إلى مقتل العشرات دون أن يثير ذلك اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا اللتين كانتا تمثلان بعض مصادر تزويد العراق بالأسلحة وخلافها؟ وكانت قد قامت بدعمه أثناء حربه مع إيران.. لكن بعد أن تغير الوضع وخرج العراق بقيادة الرئيس صدام حسين من دائرة الرضا الأمريكي والبريطاني تمّ توجيه مختلف أنواع الاتهامات له والتي كان يجب أن يضاف لها، كما يعبر شومسكي نفسه، ما يؤكد بأن ذلك الاستخدام لأسلحة محرّمة انما كان قد تمّ بمعونة من الأمريكيين والبريطانيين. بالمقابل يؤكد شومسكي أيضا إلى وجود نوع من «التواطؤ» الغربي في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، إذ أن الأمريكيين، وبمساعدة البريطانيين، لا يتحركون إلا تبعا لحساباتهم الخاصة بعيدا عن مسائل حماية الأكراد أو غيرهم، ويشير شومسكي بهذا الصدد إلى شهادة المسئول العسكري الأمريكي عن العمليات العسكرية في العراق، أما الكونجرس الأمريكي حيث أعلن بأنه ليس من مصلحة الغرب الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين لأن الذي يخلفه «سيكون أسوأ منه»، حسب تعبير المسئول العسكري الأمريكي. ويستنكر شومسكي بالمقابل قصف العراق بسبب عدم تنفيذه القرارات الدولية وباسم عدم احترام القانون الدولي، مشيراً في الوقت نفسه إلى واقع أن الشعب العراقي هو الذي يعاني من الحصار الدولي المضروب على العراق منذ عام 1991. ولا يتردد شومسكي، وهو الأمريكي اليهودي، في أن يتساءل عن الأسباب التي منعت اللجوء إلى اجراءات مماثلة ضد دول أخرى لم تنصع أبداً لقرارات كانت منظمة الأمم المتحدة قد أصدرتها بحقها. واستشهد شومسكي على ذلك باحتلال اسرائيل لجزء من الجنوب اللبناني وقيام القوات الاسرائيلية بعمليات ارهابية ضد اللبنانيين وتعذيب المساجين الفلسطينيين واللبنانيين في سجونها. هذا فضلا عن اغتصابها لأراضي عدد كبير من الفلسطينيين وقيامها بممارسات قمعية في الأراضي المحتلة. انه يتساءل: «لماذا إذن لم يتم قصف تل أبيب لحمل اسرائيل على الانصياع للقرارات الدولية؟». ويواصل شومسكي المنطق نفسه الذي انتهجه منذ سنوات طويلة في انتقاد واقع وجود سياسة «معيارين ومكيالين» في تعاملها بميدان المساعدات، حيث ان قائمة الدول التي تتلقى معونات أمريكية تتضمن عدداً كبيراً من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. وهذا ما تفصح عنه بوضوح تقارير المنظمات الدولية العاملة في هذا الميدان في نشراتها الدورية الشهرية أو السنوية» وغير ذلك. وهكذا يمكن اعتبار هذه المعونات غير شرعية وذلك وفقا للقوانين الأمريكية النافذة نفسها. لكن الادارات الأمريكية المتعاقبة تغمض عيونها عن كل هذه الحقائق لأن المصالح الأمريكية تتطلب تجاهل مثل هذه الممارسات المتعلقة. وضمن السياق نفسه تطرق شومسكي في حديثه إلى ليبيا التي قام الطيران الأمريكي بقصفها في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رينالد ريجان. ويرى شومسكي بأن تلك العملية لابد وأن تندرج تحت خانة «الارهاب» الذي مارسته دولة تقول بأن همها الأول هو الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الحريات. ذلك ان القصف الأمريكي لليبيا لم يكن له ما يبرره والأسباب التي قدّمتها الإدارة الأمريكية آنذاك لم تكن مقنعة بل انها كانت «غير صحيحة»، ولا يتردد شومسكي في القول بأنها، أي الأسباب، ولو «صحت «وكانت واقعية» فإنها لا تبرر قتل العشرات ومنهم ابنة القذافي «بالتبني». وبالتالي اعتبر تلك العملية بمثابة «جريمة حرب» صريحة تمّ الإعداد لها وتنفيذها عن «سابق تصميم واصرار». وما يلفت الانتباه اليه هو أن تلك العملية قد بدأت «تزامنت» مع موعد بث النشرات الاخبارية المسائية في المحطات التلفزيونية الأمريكية الكبرى، أي في تمام الساعة السابعة مساء! الأمر الذي «لم يكن مجرد صدفة». إذ تمّ تحديد ذلك التوقيت لتنفيذ ما أسمته الإدارة الأمريكية بـ«غارة الدفاع عن النفس». هذه «الغارة» التي يصفها شومسكي، بأنها «أول جريمة حرب في التاريخ يتم توقيتها لتتزامن مع لحظة ذروة مشاهدة التلفزة وبالاتفاق مع شبكات التلفزيون التي كانت متأهبة هناك في ليبيا لتنفيذ التعليمات التي كانت الإدارة الأمريكية قد زودتها بها. وضمن الاطار نفسه أيضا يعرّج نعوم شومسكي على عملية ارهابية أخرى قامت بها الإدارة الأمريكية السابقة ضد السودان عندما قامت الطائرات الأمريكية المقاتلة بقصف أحد المصانع السودانية تحت ذريعة انه ينتج مواد سامة محرمة دوليا وانه يتم استخدامها من قبل المجموعات التابعة لأسامة بن لادن. لكن بعد قيام الطائرات بعمليات القصف ووقوع عدد من الضحايا اعترفت مصادر وزارة الدفاع الأمريكي «البنتاجون» بأن تلك الطائرات ربما انها قد أخطأت هدفها. يتساءل شومسكي: «أليس هذا ارهابا»!؟ ان النقطة الأساسية التي يركز عليها شومسكي في حديثه عن المسألة العراقية تتمثل في تنديده بـ «ازدراء الولايات المتحدة للقوانين الدولية في مواصلتها هي وبريطانيا قصف العراق». ويرى في ذلك استهانة بمجلس الأمن الذي ينبغي أن يكون هو صاحب القرار. لكن المسئولين الأمريكيين لهم وجهة نظر أخرى تتلخص بالقول انه لا يحق لمجلس الأمن الاعتراض على السياسة الأمريكية. وضمن هذا السياق أيضا يرى شومسكي بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى إدارة العالم وتنفيذ سياساتها ومخططاتها عبر منظمتين أساسيتين هما حلف شمال الأطلسي والمنظمة العالمية للتجارة. وطالما ان هاتين المنظمتين تذعنان لأوامر واشنطن وتوجيهاتها، فإن الادارة الأمريكية ترى بهما وسيلة فعّالة بيدها ولذلك توليهما كل وسائل الدعم والقوة. وهذا لا ينطبق تماما على حالة الأمم المتحدة التي لاتزال خارج نطاق الهيمنة الأمريكية الكاملة» وذلك من حيث انها يمكن أن تقوم ببعض التدخلات في الشئون العالمية «شريطة» عدم التعارض مع المصالح الأمريكية. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك عدم مناقشة الأمم المتحدة للحرب في فييتنام التي كانت الولايات المتحدة قد تورطت بها حيث ان الغزو السوفييتي لأفغانستان قد شكل مناسبة لمناقشات مستفيضة وللادانات العنيفة والعديدة للاتحاد السوفييتي (السابق) من قبل مجلس الأمن والمنظمة الدولية. وفيما يخص الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي فإن شومسكي يثبت بعض المواقف المعروفة عنه والتي أثارت ضده المنظمات الصهيونية الأمريكية التي اعتبرته مارقا يستحق أن «يباح دمه». ولقد بدا في حواره الذي يتضمنه هذا الكتاب شديد الانتقاد لاسرائيل مع استنكاره في الوقت نفسه لموقف العديد من المفكرين الغربيين عندما يعتبرون اسرائيل بمثابة «واحة الديمقراطية في المنطقة والشعاع المضيء فيها». وذلك في حين أن ممارسة القوات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تشهد على عكس ذلك. ويشير بهذا الصدد إلى القوانين الاسرائيلية النافذة التي تحرّم على غير اليهود تملك الأراضي وحتى لو كانوا مقيمين فيها، بينما يستطيع اليهود المتواجدون خارج اسرائيل القيام بذلك. ويعيد شومسكي إلى الأذهان بعض الأمثلة من شراسة سلوكية اسرائيل منذ نشوئها مثل المذابح التي تعرض لها أهل قرية كفر قاسم الفلسطينية أثناء حرب 1956 الذين لم يكونوا قد علموا بحظر التجول الذي كانت اسرائيل قد فرضته.. لقد تم قتل 45 فلسطينيا بينما اسفرت محاكمة الضابط المسئول عن المذبحة واخلاء سبيله.. لكن هذا كله لم يمنع مواصلة الاعتداء على الفلسطينيين وبممارسة الارهاب الحقيقي ضدهم دون أن تعطي اسرائيل أي انتباه حقيقي للقرارات الدولية «الشكلية» والتي لم تحظ أبداً بالتأييد الأمريكي. ويرى شومسكي بأن تغيرا طفيفا قد عرفه الخط السياسي للإدارات الأمريكية منذ عقد السبعينيات إذ تراجعت عن رفضها الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقبلت مبدأ العودة إلى حدود عام 1967. لكن هذا التغير واتفاقات مدريد ثم أوسلو لم تأت بالحل للنزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. بل على العكس ازدادت أحوال الفلسطينيين سوءا بعد ابرام هذه الاتفاقات. ومن هنا يخرج نعوم شومسكي بنتيجة مفادها بأنه «ليس من المستغرب أن تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الشعب الفلسطيني تؤيد استمرار عمليات العنف ضد اسرائيل».