بيان الكتب: جان هثلر هو مؤرخ فرنسي اختص بالقرن الثامن عشر او قرن التنوير كما شاعت التسمية، ونشر العديد من الدراسات والمقالات في الدوريات المختصة، وله العديد من المؤلفات عن تاريخ فرنسا في تلك الحقبة. هذا الكتاب «حكم النساء 1715 ـ 1793» يخص ايضا عصر التنوير الفرنسي الذي شهد الثورة الكبرى لعام 1789 .. لكنه يخص هذه الفترة «الذهبية» كما ينظر اليها مؤرخو الافكار، من زاوية «النساء» ويكشف لنا المؤلف بانه كان للنساء وفي القرن الثامن عشر دورا راجحا في الدوائر العليا للسلطة السياسية ولكن ايضا للسلطة الكنسية، وانهن وبفضل «طموحهن واشعاعهن الشخصي سيطرن على قرن التنوير وقد تفوقن على الرجال بتربية وثقافة اعلى». وينقل المؤلف عن الاب الكنسي «كاستيل» قوله للفيلسوف المفكر الفرنسي الكبير صاحب «العقد الاجتماعي» جان جاك روسو قوله: «لا يمكننا ان نفعل اي شيء في باريس بدون النساء» وكان هذا القول يعكس الى حد كبير ما كانت قد قالته السيدة «تانسيان» الاديبة الفرنسية التي كانت تمتلك آنذاك صالونا ادبيا، يلتقي فيه الادباء والفلاسفة، لجان فرانسوا مارمونتيل، الاديب وأحد اصدقاء فولتير، قبل سنوات وجاء في قولها له: «بواسطة النساء يمكن فعل كل ما نريد بالرجال (...) لكن بالنسبة للمرأة التي تعتقدون بأنها مفيدة لكم، احذروا ان تكونوا اي شيء آخر سوى الصديق، لانه في حالة العلاقات العاطفية يمكن ان يضيع كل شيء عندما تظهر الغيوم في سماء علاقتهما او في حالات سوء التفاهم والقطيعة كونوا اذن لطفاء ظرفاء اذا راق لكم ذلك وليس اكثر، اسمع جيدا ما اقوله لكم». وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان السيدة تانسيان المعروفة بـ «المركيزة دو تانسيان» كانت الى جانب سيدة اخرى هي «المركيزة دولامبير» كانت دائما في طليعة الناس الذين يحتفى بهم اثناء حكم لويس الخامس عشر. ويمكن لهذه الاخيرة، «المركيزة دو لامبير» ان تتفاخر بانها مؤسسة أول «صالون ادبي» كان يلتقي فيه الارستقراطيون والفنانون والكتاب لتدور بينهم نقاشات متنوعة قائمة على حق الاختلاف في الرأي، وكان من بين هؤلاء شخصيات ادبية وفكرية لا يزال حتى الآن يشار لها بالبنان من امثال «مونتسكيو» و «ماريفو» و«فينيلون» وغيرهم ويعود لهذه المركيزة «آن دو لامبير» الفضل في انتخاب «مونتسكيو» نفسه كعضو في الاكاديمية الفرنسية عام 1727 وكانت هذه المؤسسة الاستثنائية في «سطوتها» الادبية والتي يطلق على اعضائها صفة «الخالدين» قد رفضت ان تقبل مونتيسكيو مؤلف كتاب «الرسائل الاعجمية» و «روح الشرائع»، الكتاب، المرجع الذي كان رفاعة رافع الطهطاوي، قد نقله الى اللغة العربية في اوائل القرن العشرين، وكانت «الركيزة دو لامبير» قد ألفت هي نفسها عددا من المؤلفات التي ركزت فيها على المسائل الاخلاقية. ان النظرية الاساسية التي يطورها المؤلف في هذا الكتاب حول تفسير اسباب «صعود» سلطة النساء خلال القرن الثامن عشر مقارنة مع الرجال بالقول إن الأمر لا يعود الى مسيرتهن النضالية لاكتساب الحقوق و «انتزاعها» من الجنس الآخر، وانما يعود بالاحرى الى انه كانت توجد «مساحة فارغة»، «مكان شاغر» ويرى بأن النساء عرفن كيف ينتهزن فرصة استثنائية «وحيدة» اتيحت لهن غداة موت لويس الرابع عشر يقول: «في تلك اللحظة كان الرجال من طبقة النبلاء قد فقدوا الكثير من مواقعهم واصبحوا يعيشون على امتيازاتهم القديمة اذ استسهلوا الحياة وتحولوا نحو المتع وابتعدوا عن كل ما يتطلب تقديم الجهد وفقدوا كل طموح، باختصار اصبحت النبالة الحقيقية مجرد ذكرى». وفي نفس الفترة ايضا شهدت فترة حكم لويس الخامس عشر انفتاحا لم يكن مألوفا من قبل، لا سيما وان الملك نفسه اشتهر بانه رجل متحرر، وقد كان «تحرره» موضوع العديد من اعمال المؤرخين الذين اهتموا بتلك الحقبة من الزمن، ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بان فترة حكم لويس الخامس عشر قد فتحت الباب على مصراعيه امام جميع اشكال التراخي في العادات الاجتماعية الصارمة. وضمن هذا السياق استخدمت النساء كل الوسائل المتاحة وتجاوزن الحدود التي كانت مرسومة لهن قبل ذلك وفضلا عن تنامي دور المرأة في علاقتها داخل الاسرة مع الرجل وتمتعها بسلطة اكبر عليه تعددت المبادرات النسائية بفتح «صالونات أدبية وفنية» وتشكيل نوع من الحلقات الدراسية التي كانت تشهد نقاشات حرّة مفتوحة حول مختلف القضايا الاجتماعية المطروحة. وكانت الأغلبية الساحقة من هذه «المنتديات» في العاصمة باريس. باختصار أصبحت المرأة تتدخل بكل شيء خاص أو عام.. وهنا لا يتردد المؤلف مرّة أخرى في التأكيد بأن النساء كن قد أصبحن آنذاك بمثابة المحرك الأساسي لآليات السلطة إذ كان لهن دور أساسي في جميع التعيينات والتسميات في المناصب الرسمية والعامة مثل تعيين الوزراء أو رؤساء الكنائس أو أيضا تعيين الأعضاء الذين سيتم «انتخابهم» في الأكاديمية الفرنسية أو في البرلمان. وقد سادت في الفترة نفسها أيضا ظاهرة وجود عدد من النساء على رأس السلطة في بلدان أوروبية أخرى مثل كاترين الثانية في روسيا التي كانت امبراطورة في بلادها والتي كانت «أميرة المانية» في الأصل ثم اعتنقت الارثوذكسية وتزوجت القيصر «بطرس الثالث» ثم خلفته حيث أرادت أن تحكم كـ«مستبدة مستنيرة» وجمعت حولها الكثير من رجال الأدب والفن. وكانت «ماري تيريز» امبراطورة للنمسا وتخضع لها هنجاريا وبوهميا بعد أن ورثت والدها شارل السادس الذي لم يكن بين ذريته ابن ذكر. كذلك يسوق المؤلف أمثلة أخرى مثل «ايلريك اليونور» في السويد والملكة «آن» في بريطانيا. ان مؤلف هذا الكتاب يرسم ملامح شخصية العديد من النساء الرائدات في تلك الفترة، لكنه يتوقف طويلا عند بعضها مثل السيدة «انييس دو بري» زوجة «المركيز دوبري» التي كانت بالأصل ابنة أحد الأثرياء الاقطاعيين قبل أن تتزوج.، لكنها أصبحت خليلة «لويس هنري دو بوربون» الذي كان يشغل آنذاك منصبا يوازي منصب «رئيس الوزراء» حاليا. وقد حكمت هذه السيدة فرنسا عمليا من خلاله طيلة وجوده في السلطة. وكانت لفترة من الزمن بين المقربين للويس الخامس عشر لكنها أقصيت اثر خلاف مع بعض المتنفذين، وعلى رأسهم والدتها، وحُكم عليها بالنفي، فما كان منها سوى أن انتحرت «احتجاجا» على ذلك. كذلك يتوقف المؤلف طويلا عند شخصية نسائية أخرى كان لها سطوتها في القرن الثامن عشر وهي «السيدة دومونتيسبان» التي تزوجت «المركيز دو مونيسبان». وكانت معروفة بثقافتها وجمالها في الوقت نفسه وأصبحت خليلة للويس الرابع عشر حيث احتلت منصبا رسميا في القصر وأنجبت من الملك ثمانية أطفال بقي ستة منهم على قيد الحياة اعترف لويس الرابع عشر بأبوتهم ومن بينهم «دوق دو مين» الذي لعب دورا سياسيا كبيرا في بلاده. وكانت «السيدة دومونتيسبان» قد تخلّت عن السكن في قصر «فرساي»، مقر لويس الرابع عشر، كي تسكن في قصر «سو» بالقرب من باريس أيضا. وقد بررت انتقالها إلى القصر الجديد بأنها سئمت «فرساي» حيث يخيم الضجر، ولذلك جعلت من المقر الجديد «مكانا للاحتفالات وللتسالي المسرحية والألعاب الأدبية المنظمة»، كما تشير «جاكلين هيلجوارش» في كتاب لها عن «الحلقات والصالونات الباريسية في القرن الثامن عشر». وفي الفصول الأخيرة من الكتاب يتحدث المؤلف عن «الثورة الفرنسية الكبرى والنساء». ويرى بأن هذه الثورة كانت بمثابة الاعلان عن «نهاية حكم النساء» وذلك بعد أن كانت «الصالونات الأدبية والفنية» النسائية قد بدأت تفقد بريقها شيئا فشيئا، اذ وبعد أن كان يلتقي فيها المئات كما في حالة صالون السيدة «دو تانسيان» أصبح عدد الحضور يتضاءل تدريجيا مع ظهور اهتمامات فكرية واجتماعية جديدة. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد على وجود استثنائيين مهمين في العلاقة مع الصالونات النسائية التي سادت خلال القرن الثامن عشر. وهذان الاستثناءان يخصان «فولتير» الذي كان وعلى رغم اهتمام السيدة «دوتانسيان» به إلا انه كان يفضل دائما الابتعاد عن «لقاءاتها» مفضلا الذهاب إلى مناطق جبلية منزوية. أما الاستثناء الثاني فإنه يخص «دالامبير»، الفيلسوف والكاتب وعالم الرياضيات والذين كان أحد المساهمين الأساسيين في الموسوعة الشاملة مع ديدرو.. وكان «دالامبير» ابنا للسيدة دوتانسيان من أحد الفرسان «لويس كامو ديستوش»، وكانت والدته قد تركته ذات يوم من عام 1717 عند مدرّج أحد الكنائس. وكان دخول ماري انطوانيت إلى «مجلس» لويس السادس عشر أحد آخر مؤشرات صعود سلطة النساء في القرن الثامن عشر، فإن جموع النساء البورجوازيات ـ أي بنات الطبقة البورجوازية الصاعدة آنذاك ـ كن قد بدأن الانخراط في حركة مطلبية كبيرة وأخذن يؤكدن على ضرورة اصدار تشريعات جديدة تخص حقوق المرأة الفرنسية. هكذا ابتعدت النساء عن «الصالونات» وانما كي يتوجهن نحو المغابر في مختلف المجالس التمثيلية. وأخذت بعض المنتديات النسائية ذات الطابع السياسي، مثل ذلك الذي أسسته السيدة «تيروان دو موريكور» وغيرها. لكن حياة هذه المنتديات لم تستمر طويلا. إذ وفي شهر ابريل من عام 1793، أي بعد أربع سنوات فقط من قيام الثورة الفرنسية ـ البورجوازية ـ الكبرى، اعتبرت «الجمعية التأسيسية» الفرنسية الحاكمة آنذاك النساء كـ«متخلفات عقليا» وبالتالي لا يملكن الوضعية القانونية لـ«المواطنة» ليتم في شهر اكتوبر من السنة نفسها إغلاق جميع المنتديات النسائية. كتاب عن النساء في القرن الثاني عشر.. وعلاقتهن بمراكز القرار.. وحيث كن في فترات وحالات كثيرة «محركها« الرئيسي.