بيان الكتب: دافيد ج. فكتورهو عضو رئيسي في جمعية العلوم والتكنولوجيا بمجلس العلاقات الخارجية في ولاية نيويورك يساهم بشكل منتظم بالكتابة في العديد من الدوريات المختصة مثل «السياسة الخارجية ـ فورينج افير» «الطبيعة ـ ناتشور» و «العلوم الامريكية ـ سيانتيفك امريكان» وهو احد الاخصائيين الامريكيين المعروفين عالميا في الدراسات المختصة بالبيئة. يتزامن اصدار هذا الكتاب الجديد «انهيار اتفاق كيوتو والصراع من اجل ابطاء ارتفاع حرارة الارض» مع الضجة المثارة حول هذا الاتفاق واصرار الرئيس الامريكي جورج بوش والادارة الامريكية على عدم التصديق على مثل هذا الاتفاق؟ الامر الذي يشكل احد نقاط الخلاف مع معظم قادة العالم في الشرق والغرب .. ومن الملفت للانتباه ان الرئيس جورج بوش لا يأبه لكل مايقوله القادة الاوروبيون انفسهم الذين اصروا على محاولة ثنيه اثناء زياراته مؤخرا لعدد من البلدان الاوروبية ويتفق الجميع ايضا بأن الاخطار التي تهدد الكون الذي نعيش فيه قد تكون مدمرة اذا لم يتم العمل جديا ومنذ الآن من اجل مواجهتها. المطلوب اذن هو التصديق على هذا الاتفاق تجنبا لتدهور الاحوال المناخية والآثار الضارة المترتبة على البيئة بسبب الانبعاثات الصادرة عن مداخن آلاف المصانع والتي توجد نسبة كبيرة منها في الولايات المتحدة الامريكية .. اضف الى هذا مصادر اخرى لانبعاث الغازات الضارة مثل البيوت الزجاجية. يبدأ المؤلف كتابه بالحديث عن حقيقة المشكلة التي يواجهها الكون وآثارها الضارة التي لابد وان يكون لها نتائجها على الاقتصاد العالمي باسره، الامر الذي دفع العديد من بلدان العالم وخاصة المتقدمة منها، الى وضع هذه المشكلة على رأس اولوياتها وكرست الكثير من الاهتمام والجهد من اجل البحث عن حل لها. ويؤكد المؤلف بان هناك اجماعا كبيرا على ضرورة ايجاد مثل هذا الحل والتصدي لـ «التحدي المصيري» الذي تواجهه الانسانية وحيث ان الرهان قد يكون على المدى الطويل هو «تكون اولا تكون» والبحث عن حل يقتضي بالضرورة تعاونا دوليا وثيقا بسبب التكلفة العالية المترتبة على مواجهة مشكلة بهذا الحجم والخطورة ولا يمكن تصور ان تقوم دول او مؤسسات صناعية خاصة في تحمل الاعباء المالية المطلوبة هذا اذا لم تكن على ثقة كاملة بان دولا اخرى او ربما مؤسسات اخرى يمكن ان تنضم الى مثل هذا المشروع، وضمن هذا السياق يؤكد المؤلف بان تحولا كبيرا قد اصاب صلب المشكلة اذ ومنذ عقد مضى كان الاهتمام يتركز على توعية الرأي العام وقادة العالم واصحاب القرار. بحجم المشكلة وخطورتها بينما اصبحت المعضلة الحقيقية الآن هي البحث عن سياسة سليمة تحشد امكانيات التعاون العالمي لمجابهة اخطار ملموسة اصبحت تلوح في الافق. ويحلل المؤلف في احد فصول هذا الكتاب الجهود الدولية التي تم بذلها منذ سنوات لمكافحة اخطار التلوث الصناعي على المستوى العالمي. وحيث بدا بأن بعض الحكومات قد بدأت ومنذ ثماني سنوات بانشاء بعض الاطر والبنى للوصول الى بعض الاتفاقيات ورسم منظور مستقبلي للتحرك، وهكذا مثلا تم تجسيد هذا التحرك في «اتفاقية التغيرات المناخية» التي تم اقرارها من قبل «قمة الارض» من عام 1992، وقد وضعت هذه الاتفاقية انظمة لتحديد مصادر انبعاث الغازات الضارة الا انها لم تحسم الامر حول المسألة المستعصية والتي افشلت، بل ادت الى انهيار اتفاق كيوتو اي الوصول الى ايجاد السبل للحد من الغازات الصادرة عن المصانع .. وكان اتفاق كيوتو الذي تم التوصل اليه بعد ذلك بخمس سنوات هو المكمل للاتفاقية الاولى، وقد وضع هذا الاتفاق ـ البروتوكول ـ الاهداف والجداول الزمنية التي وافق عليها ممثلو 38 دولة للسيطرة على انبعاث الغازات من البيوت الزجاجية والتي تراوحت نسبة الانخفاض المقرر لانبعاثها مابين 6% و 8% وابتداء من خريف عام 2000 بدأ المسئولون في الدول المشاركة باتفاق كيوتو في وضع قواعد وضوابط محددة مع محاولة معالجة القضايا التي تركها الاتفاق عالقة وغامضة وذلك في افق التوصل الى اتفاق نهائي بين الدول المعنية لاعتماده. ويرى المؤلف ـ اعتمادا على العديد من الوقائع والاحصائيات، بان الوقت قد فات بالنسبة الى العديد من الدول مثل كندا واليابان والولايات المتحدة حيث ازدادت نسبة الغازات الصادرة من مصانعها قياسا الى معدلات سنوات التسعينيات ويبدو ان المشكوك فيه لجوء هذه البلدان المعنية الى تخفيض معدلات الانبعاث الغازي فيها كي تتماشى مع اتفاق كيوتو لان مثل هذا التخفيض يتطلب اموالا طائلة ليس مؤكدا بأن هذه الدول مستعدة لها .. وضمن هذا المنظور ايضا يبدو بأن الحد الزمني الاقصى الذي حدده اتفاق كيوتو في افق عام 2008 لن يستطيع «الصمود» وذلك دائما بسبب الاعباء الاقتصادية والمالية المترتبة على ذلك. لكن بالمقابل يشيد المؤلف بالجهود الاوروبية المبذولة في هذا الاطار ويعتبرها جهودا صادقة وتقوم على ارادة سياسية ترمي الى الحد من انبعاث الغازات الضارة .. لكن حجر العقبة الكبرى تبقى مسألة تطبيق اتفاق كيوتو. من جهة اخرى يرى المؤلف بأن الهوة الشاسعة التي تفصل بين المستوى الفعلي للانبعاثات الغازية الضارة وبين الاهداف التي وضعها اتفاق كيوتو لاترجع فقط الى الطموح المفرط والزائد عن الممكن الذي اعتمدته الحكومات ووعودها باشياء تتجاوز قدراتها على تحقيقها وانما ترجع ايضا الى خلل بنيوي في القواعد والضوابط التي تضمنها اتفاق كيوتو نفسه الذي يقوم بتحليله بكل بنوده وآفاته. ان نسبة الغازات المنبعثة تختلف وفق النمو الاقتصادي والتغيرات التكنولوجية التي لا تخضع ابدا لاية رقابة فعلية ولا تستطيع الحكومات حساب كميتها بشكل دقيق وخاصة بالنسبة للمستقبل وبالتالي لن يكون في وسعها الالتزام باهداف واضحة بالنسبة للمستويات التي حددها اتفاق كيوتو. ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى الحل المقترح لهذه المشكلة والمعروف بـ «مقايضة الانبعاثات» بحيث تبيع الحكومات والشركات التي لديها فائض للدول الاخرى التي تشكو من العجز مما يساعد الجميع على تنفيذ التزاماته حيال اتفاق كيوتو وتخفيف العبء المالي بالنسبة لجميع الاطراف. ويرى المؤلف بان مبدأ «المقايضة» هذا قد يشكل المحور الاساسي الذي ستدور حوله الحوارات في المستقبل حول امكانية تنفيذ الاتفاق. لكن المؤلف يثير بنفس الوقت مشكلة اخرى تتعلق بمبدأ «المقايضة» نفسه اذ ان تنفيذه يتطلب قبول الدول المشاركة كلها الالتزام الكامل بعدم الانسحاب منه خاصة فيما يتعلق بمسائل «اذون» التصدير والقيام بعمليات تبلغ كلفتها عشرات المليارات من الدولارات. وما يزيد المشكلة تعقيدا هو التزايد الكبير في نسبة انبعاث الغازات الضارة والسامة في البلدان النامية في وقت تتم فيه محاولات كثيرة لضم مختلف بلدان العالم الثالث الى اتفاق كيوتو. وتشير التوقعات الى ان تزايد نسبة هذه الغازات سيتضاعف ثلاث مرات اكثر مما ستفرضه البلدان الصناعية المتقدمة خلال العقود الثلاثة المقبلة ونظرا لتعارض المصالح بين الدول الصناعية المتقدمة المعنية وبين بلدان العالم الثالث يصبح الوصول الى اتفاق بين الطرفين بهذا الشأن بمثابة امر شبه مستحيل .. بل ويؤكد المؤلف بانه وحتى اذا تم التوصل ـ جدلا ـ الى هذا الاتفاق فإنه لن يدوم مع ذلك طويلا. اما المشاكل الاساسية التي يواجهها اتفاق كيوتو فيعيدها «دافيد فكتور» الى غياب أية سياسة عامة شاملة لمواجهة مشاكل البيئة، واكتفت هذه السياسة «بصورتها المتوفرة» على الأخذ بحكمة تقليدية تقول بان الوسيلة المثلى للسيطرة على التلوث هي وضع اهداف نبيلة وجداول زمنية للسيطرة على اصدار ـ انبعاث ـ الغازات الضارة ذات المنشأ الصناعي اساسا. لكن هذه الحكمة تم تجميدها مع نجاح اتفاق ـ بروتوكول ـ مونتريال في كندا عام 1987 والخاص بالحد من المواد التي تقضي على طبقة الاوزون في الغلاف الجوي. ان قلة قليلة من المراقبين اعطوا اهمية لدراسة امكانية تطبيق اتفاق مونتريال على مشاكل الكون الاخرى. لكن ظاهرة ارتفاع حرارة الارض ـ الكون ـ هي ذات طبيعة مغايرة لمسألة «طبقة الاوزون» وبالتالي لابد من البحث عن حلول مغايرة ايضا. ولكن يبقى من المطلوب دائما الاستفادة مما تم التوصل اليه في جميع الحلول والاتفاقات السابقة، وخاصة اتفاق ـ بروتوكول ـ مونتريال لعام 1987 وتبقى مسألة التكاليف المادية الباهظة في اية خطط مستقبليه هي حجر الزاوية في امكانية ترجمة «النوايا الحسنة» الى اعمال في الواقع الملموس. ولعل اسباب الحذر الاساسية التي تعيق، الى هذه الدرجة او تلك تطبيق الاتفاقات التي يتم التوصل اليها، بما في ذلك وربما قبل اي اتفاق آخر هي ذات طبيعة اقتصادية ولها علاقة بالامكانيات المالية المتوفرة، اذ ان خشية الدول في ان تزيد تكاليف مشاريع الحد المختلفة من مصادر تهديد البيئة والكون عن المبالغ التي تخصصها لمثل هذه المشاريع، انما تدفعها الى تجنب الخوض فيها. وفي مقدمة المشاكل الاساسية التي يعاني منها اتفاق كيوتو هناك وجود قدر كبير من التباين بين مصالح مختلف الدول المشاركة فيه وصعوبة عملية تطبيق بنوده على المستوى العالمي. وفي المحصلة يرى المؤلف بان اتفاق كيوتو يحتوي على العديد من المصاعب ونقاط الضعف البنيوية .. بل ويكاد يقول بانه «معيب» في معظمه .. لكنه بالمقابل يشير الى بعض الجانب الايجابية فيه وخاصة تلك المتعلقة بمواصلة الجهود الرامية الى حث الدول على توفير بيانات واحصائيات دقيقة ومفيدة حول مايتعلق بنسبة الغازات الضارة والسامة التي تنطلق من مصانعها ومصادر الانبعاث الآخر فيها، هذا مع التأكيد على توفير كل المعلومات الخاصة بالسياسات المتبعة من اجل الحد من هذه الظاهرة ومكافحة الآثار المترتبة عليها. ويحتوي اتفاق كيوتو في احد جوانبه الايجابية تحديد بعض الآليات الاساسية لتحقيق تنمية اقتصادية وصناعية «نظيفة» وبحيث يتم اشراك بلدان العالم الثالث ـ البلدان النامية ـ في مثل هذا الجهد لا سيما في سبيل ايجاد منظومات وشبكات للطاقة اكثر نظافة وفعالية من تلك السائدة منذ عصر الثورة الصناعية وحتى الوقت الراهن. وفي المحصلة العامة، وبعد القيام بنوع من المقارنة بين السلبية والاوجه الايجابية لاتفاق كيوتو يرى مؤلف هذا الكتاب بان امكانيات نجاحه وتنفيذ مختلف البنود التي ينص عليها قليلة الاحتمال وبأنه من شبه المستحيل تنفيذ مثل هذا الاتفاق على الصعيد الدولي العام. لكن الفشل في هذا الاتفاق لا ينبغي ان يكون سوى حافز للبحث عن انطلاق جديد في البحث عن حل آخر بديل وقابل للتنفيذ. انه «كتاب فريد من نوعه» كما علق عليه وليام نوردوس من جامعة «يال» الامريكية