بيان الكتب: مؤلفة هذا الكتاب من مواليد عام 1950 في قرية «كوينسلاند» الصغيرة. أحبت الترحال والصحراء منذ سنوات شبابها الأولى وقدّمت العديد من الدراسات والكتب فيا يمكن تصنيفه بـ«أدب الرحلات». ومن بين أعمالها ، «مسالك» الذي تروي فيه ملحمة رحلتها عبر الصحراء الاسترالية مع أربعة جمال: هذا الكتاب الذي حاز عام 1980 على جائزة «كوك لكتب الرحلات». ولها أيضا كتاب آخر ضمّ مجموعة من الدراسات تحت عنوان «الترحال دون أحمال ـ الترحال خفيفاً». كما نشرت أعمالا أخرى حول قصص رحلاتها في مختلف الصحارى الاسترالية، وخاصة مع القبائل الهندية من الرحّل. لقد سافرت إلى أصقاع شتى في العالم وعبرت الكثير من الصحارى، وأمضت فترة من حياتها في انجلترا والهند واستراليا، بلادها الأصلية. في هذا الكتاب الجديد «رحلات» تحكي المؤلفة قصتها مع الرحلات وبالتحديد أكثر مع «أدب الرحلات» الذي اكتشفته بـ«الصدفة» دون أن تكون قد فكرت أبداً بأنها ستكون ذات يوم أحد رموزه. وهي تبدأ كتابها بالحديث عن مدى الدهشة التي انتباتها أمام النجاح الكبير الذي حققه كتابها الأول الذي ألفته عن رحلة طويلة قامت بها في صحراء بلادها على متن أربعة جمال، لقد اجتازت الصحراء الاسترالية من طرف إلى آخر وكتبت نصا عن رحلتها تلك لتكتشف بعد نشره بأن النقاد قد أجمعوا على وصفه بأنه من «أدب الرحلات». وهو الأمر الذي لم يخطر على بالها أبدا عندما ألفته، كما تؤكد بل انها ذهبت آنذاك إلى الاعتقاد بأن جميع أولئك النقاد قد «أخطاؤا في فهم مرادها الحقيقي من عملها». لكن مفاجأة أخرى كانت تنتظرها. إذ انهالت عليها العروض من دور النشر والمجلات المتخصصة والأوساط السياحية، وكلها تطلب منها القيام برحلات إلى هذه المنطقة أو تلك من العالم لحسابها. وذلك من أجل زيارة أمكنة قد تكون صالحة لجذب الزائرين إليها ولكنهم يحجمون عن ذلك بسبب جهلهم الكامل بها. كذلك طلب منها عدد من الناشرين تأليف كتاب آخر على غرار كتابها الأول ـ الذي حقق أرقاما عالية في مبيعاته ـ وهو ما رفضته بشكل قاطع في البداية وجنّدت كل طاقاتها لعدم الانزلاق في هذا الاتجاه. لكنها وجدت نفسها وبعد عشر سنوات من المقاومة تشرع في اعداد الكتاب المطلوب، كتاب «رحلات». وهذا الكتاب هو بصيغة ما، بحث في تجربة تأليفه التي تصفها روبين دافيدسون بأنها كانت «تجربة فريدة» إذ انها سافرت إلى الهند واختارت أن تعيش بين مجموعة من القبائل الرحل التي كانت لا تستقر إلا فترات قليلة في أي مكان «تخيم» فيه. وأخذت تسجل بقلمها وبشكل مباشر من موقع المراقب إلى حد ما المشارك، دقائق وتفاصيل نمط معيشتهم ولحظات الشقاء والسعادة التي يمرون بها. ولكنها حاولت باستمرار أن تتقمص جلد البشر الذين تراقبهم و«تخرج» بالتالي من جلدها كي تسرد مغامرة حياتهم. ان هذه «المعركة» مع نفسها أخذت تتغلغل أكثر فأكثر في نسيج النص الذي تكتبه إذ انها لم تستطع أن تسلخ نفسها عن احكامها وعن تكوينها الشخصي وخبرتها التي اكتسبتها عبر مسيرة حياتها وضمن الشروط التي حكمت تلك المسيرة، لقد تأمّلتهم وتأمّلت طريقة عيشهم، لكن فهمت بأن تلك التجربة ما كان لها أن تكون صادقة وأمينة إذا ما فصلت نفسها عما يدور حولها. هكذا تحوّل اهتمامها شيئا فشيئا نحو الكتابة عن تجربتها الشخصية وعن آرائها في الحياة والأدب والكتابة. وتشير في هذا السياق إلى أن عددا كبيرا من المؤلفين الذين يكتبون في الصنف الأدبي الذي تطلق عليه تسمية «أدب الرحلات»، انما يرفضون دمغهم وحصر تصنيفهم في هذا النوع من الكتابة. وهذا أمر تعده المؤلفة غريبا بل وفريدا، حيث ان مثل هذا الرفض لا يوجد، حسب رأيها، في أي صنف آخر من صنوف الأدب. وإذا كانت في الوقت نفسه لا تخفي غبطتها بقراءة كتب أدب الرحلات وما قدّمته لها هذه الكتب من متعة طيلة عشرات السنوات، فإنها ترفض مبدأ تصنيف المؤلفين إلى زمر وتخصصات أو حتى تصنيف الكتب ذاتها. وتؤكد بالمقابل على ضرورة عدم إقامة حواجز وفواصل بين الأعمال الأدبية وحتى لو كانت هناك مقاومة شديدة لذلك نابعة من قوانين السوق التجارية. وضمن النسق نفسه من التفكير تؤكد المؤلفة بأن أغلبية الذين خاضوا تجربة كتابة «أدب الرحلات» انما فعلوا ذلك بدوافع بعيدة تماما عن غرض مجرد تقديم سرد وصفي للأماكن التي زاروها. ان أسبابا ودوافع أخرى أكثر عمقا تشكل، كما ترى، الخلفية الحقيقية لدواعي الترحال بالنسبة لأولئك الذين ليسوا من الرحّل أصلا. وانها تضرب عددا من الأمثلة على ذلك مثل أولئك المنفيين إلى سيبيريا كعقوبة سياسية أو غيرها وقدّموا فيما بعد أعمالاً جميلة عنها.. أو مثل حالة زوجة الموسيقي الكبير شومان التي طافت أنحاء العالم كي تعزف مؤلفات زوجها الموسيقية ثم أخرجت فيما بعد ما كتبته عن مشاهداتها. وتتحدث المؤلفة في هذا الكتاب أيضا عن المسار التطويري الكبير الذي عرفه عالم الرحلات والترحال إذ أن لكل عصر وسائله وأسبابه وراء الرغبة في الترحال واكتشاف أنماط أخرى من الحياة. وكان القرن الثامن عشر مثلا قد عرف الرحلات المنظمة التي كانت تقتصر على الشرائح العليا من الطبقات الميسورة ثم جاء فيما بعد عصر الرحلات التي تنظمها مؤسسات سياحية متخصصة ويشارك فيها عدد كبير من الناس الذين ينتمون إلى مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية. وتناقش «روبين دافيدسون» أيضا مسألة «أدب الرحلات النسائي» الذي ترى بأن بداياته تعود إلى القرن التاسع عشر، إذ كان من المتعذر عمليا على المرأة في الاطار المجتمعي الذي كان سائدا من قبل السفر، وحتى لو انها كانت قد سافرت برفقة آخرين، فإن ثقافتها المحدودة في مجتمع «رجّالي» كانت لا توفر لها قدرة التعبير إذ كانت تنقصها مباديء التعليم الأساسية التي تتيح لها ذلك. بالطبع كانت هناك بعض الاستثناءات القليلة التي تثبت القاعدة ولا تنفيها. وضمن هذا الاطار تتساءل المؤلفة عن مدى الاختلاف في كتابات المرأة والرجل بميدان «أدب الرحلات». وقالت بأن «المرأة تأتي إلى عالم صنعه الرجال» فكيف يمكن لها أن تدّعي امتلاكها لحرية الحركة وهي تعلم سلفاً إنها الضحية؟ وتشير المؤلفة بهذا الصدد إلى مثال له دلالاته الكبيرة ويتمثل في الكاتبة «ايزابيل ايبرهارت» التي حلّت المشكلة بارتداء «الزي الرجّالي» بينما انتظرت أخريات إلى بلوغهن السن الذي يفقدن فيه الاهتمام بـ«نظرا الرجال».. وهناك صنف ثالث هل المسألة بـ«رفقة رجل». لكن بكل الحالات بقيت المرأة أسيرة الخوف. «ذلك الخوف الذي لابد وأن يترك آثاره السيئة على التلقائية والعفوية التي يجب أن يتمتع بهما الكاتب». ثم لماذا يكتب المعنيون أدب الرحلات؟ إن المؤلفة تبحث في الأسباب التي تدعو كاتباً ما إلى الكتابة في أدب الرحلات وترى ان السبب الحقيقي يعود في أحيان كثيرة إلى الرغبة في الهروب من عالم الواقع أكثر مما هي محاولة فهمه بصورة أفضل. كما ان هذا النوع من الكتابة قد عكس باستمرار حركة تاريخ العالم انطلاقا من رؤية مركزية هي رؤية «الأنا» التي تبحث عن اكتشاف «الآخر». وتستشهد المؤلفة على ذلك بواقع أن الأقسام الخاصة في المكتبات الكبرى في شتى أنحاء العالم بأدب الرحلات تكون مكتظة غالبا تمّت كتابتها من موقع يعتبر صاحبه انه في «المركز» الذي يحاول أن يقدم عملية توصيف لما هو موجود في الجهة المقابلة لهذا المركز. الجهة المقابلة بكل ما فيها من أنماط المعيشة وبكل مكوناتها البشرية والجغرافية. ومن هنا أكدّت المؤلفة بأنه من المستحيل تقريبا أن يفصل الكاتب تاريخيته وثقافته الخاصة عما يعتقد انه مجرد «مراقب» له. وفي أغلب الأحيان أيضا يقوم «محيط الدائرة في وصف نفسه لنفسه دون الاشارة إلى المركز». وفي المحصلة تنتهي المؤلفة إلى القول بأن هذا النوع من الكتابة «أدب الرحلات»، ومهما كان المصير الذي سوف يؤول إليه ومهما استطاع الاستمرار كصنف أدبي متماسك له هويته وأو مهما بلغت بالمقابل درجة تراجعه وانطوائه فإنه سيكون هناك باستمرار حاجة لإيجاد الوسائل الحقيقية التي تتيح للبشر أن يخبروا بعضهم البعض في بما اكتشفوه على الجانب «الآخر» بالقياس إلى المكان الذي يعيشون فيه. وفي النهاية ان جميع البشر رحّالة في هذا العالم. ان المؤلفة تفرد العديد من صفحات كتابها، بعد التحليلات المتنوعة التي قدمتها حول تجربتها الفريدة في تقديم هذا العمل وحول أدب الرحلات وذهنية الرحّالة، لمّا كتبه عدد من الرجال والنساء عن تجاربهم في هذا الميدان وانطباعاتهم عن البلدان التي زاروها وعن أنماط الحياة الاجتماعية فيها. وتتضمن هذه النصوص المقدمة مقتطفات من الكتابات عن بلدان أوروبية وافريقية وآسيوية مثل فرنسا واسبانيا وبريطانيا والسويد وايسلندا وروسيا وتشيكوسلوفاكيا (السابقة) ويوغسلافيا (السابقة) وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا واليابان والهند وشمالي افريقيا وافريقيا السوداء.