بيان الكتب: بمناسبة صدور الترجمة العربية لكتاب خالد وعمر «بيان الكتب» أجرى الحوار التالي عن بحثه المهم وعن أبحاثه الأخرى وأبعاد رؤياه الجديدة ومدى تأثيرها في فهم أفضل للتاريخ العربي ـ الإسلامي المبكر. ـ لماذا قررت اختيار دراسة هذه المادة؟ ـ كلاوس كلير: منذ بدايات دراستي التاريخ الإسلامي، تحيرت في أمر الكمية الكبيرة من المواد المتوافرة وكذلك في كمية التناقضات التي تحويها. قبل بعض السنوات، كنت أحضر دراسة عن الإمام العبادي أبو الخطيب الذي تمكن من تأسيس سلطة قصيرة بمنطقة طرابلس في الدولة الليبية الحديثة ما بين الأعوام «761 ـ 758م». وقد قصرت هذه الدراسة على تتبع تواتر أخبار محددة، لكن تبين لي أن هذا الأمر غير مرض وقررت البدء من جديد في موضوع مختلف. ـ لماذا قررت الكتابة عن موضوع خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب؟ ـ ما كنت أحاول العثور عليه، من أجل البدء بمقاربة جديدة لسياق تاريخي: ومناسب للتقصي الدقيق؛ وموثق بشكل جيد؛ ويثير اهتمام مجموعة واسعة من الناس. وبما أن حقل دراستي كان بشكل رئيسي المرحلة المشكّلة للإسلام، فقد قفز إلى ذهني وبشكل فوري تقريباً شخص خالد بن الوليد نظراً لتوافر معلومات كثيرة عنه، ولأنه كان أحد أعظم أبطال الإسلام المبكر، ولكنه في الوقت نفسه لم يلق سوى اهتمام قليل من المؤرخين الغربيين. وعندما قمت باستعراض مواد التراجم الشخصية المتوافرة عن خالد بن الوليد، عثرت على كم هائل من التقارير كان واضحاً كل الوضوح أنها سلبية ومنحازة ضده تماماً، على الرغم من أنه كان يعتبر صحابياً جليلاً للرسول. وتبين لي على الفور بأنه من غير الممكن التعامل مع سيرة خالد دون التقصي عن عمر بن الخطاب عن كثب، والذي بدا أنه مرتبط تماماً بالتقارير المتناقضة عن خالد. وفي نهاية المطاف كان علي اختيار مقاطع من سير خالد حتى أتمكن من التعامل مع برنامج عملي. هنا قررت اختيار أربعة أحداث تنتمي إلى مراحل مختلفة: تقرير جذيمة الذي يعود إلى عهد الرسول؛ تقرير مالك العائد إلى مرحلة حروب «الردة»؛ فتح العراق، وطرد عمر خالداً إبان الحملة السورية. ـ متى تبين لك أن موضوع العلاقة بين خالد وعمر يحتاج إلى إعادة نظر جذرية؟ ـ في البداية، اعتقدت، مثل غيري من الناس، بأن كراهية متجذرة كانت بين خالد وعمر. ولكن كلما تعمقت أكثر في المراجع ازدادت قناعتي بوجود غلط ما، تماماً في الاعتقاد السائد بوجود كراهية متبادلة بين الرجلين. وبما أن استقامة عمر ليست محط تشكيك، فكان لابد من إلقاء اللوم على خالد. ولكن في الوقت نفسه كان علي السؤال: كيف يمكن لشخص يعتبر أحد أعظم أبطال الإسلام، حظي برضى النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته أن يكون في الوقت نفسه أحد كبار الآثمين ومرتكبي الشرور وبشكل مستمر ودائم؟ لذا كان أول هدف لدراستي هو إلقاء الضوء ما أمكن على هذه المفارقة. ـ كيف تمكنت من تعرف طريقك عبر هذه المتاهة من المراجع؟ ـ لم أشعر يوماً ما بالخوف من الكتب، كما توافرت لي أفضلية العيش في مدينة توافر في مكتباتها العامة الكثيرة أي كتاب تقريباً، مهما كان قديماً أو نادراً. وفي النهاية كانت المسألة مسألة وقت ومثابرة. ـ هل كانت نتيجة البحث واضحة لك وقت البدء فيه؟ أم أنك لم تكن متأكداً من النتيجة؟ ـ من المؤكد أن الإجابة كانت غير معروفة. ولكن عندما تمكنت من العثور على مفاتيح فهم الآلية الداخلية العاملة في جمع المصادر، كنت واثقاً من أنني سأصل إلى استنتاجات إيجابية. ـ هل استشرت علماء آخرين، بالإضافة إلى الدكتور زهير شنار الذي أشرت إليه في مقدمة العمل؟ ـ لقد مرت أوقات شعرت فيها بالرغبة في استشارة علماء آخرين، ولكن كانت دراستي، كما تعلم، ستقدم على أنها رسالة دكتوراة وذلك يعني استبعاد استشارة علماء آخرين. لذا فإن امتناني يذهب إلى المؤلفين الكثيرين الذين شكلوا خلفية دراساتي الكثيرة ومحفزاً لعبور أراض جديدة. ـ لماذا تعتقد أن المؤرخين تفادوا التعامل مع موضوع العلاقة بين خالد وعمر؟ ـ أنا سأصوغ ذلك بطريقة أخرى. بالرغم من أن العديد من العلماء، مثل دي جويه أو تلمن ناجل، على سبيل المثال، تعرفوا المشكل، لم يبذل أي منهم مجهوداً للوصول إلى أي حل كان. بدا لي أن معظمهم كان قادراً على التعايش مع مفارقة «وجهي خالد». وقد لاحظت أمراً ثانياً: في الكتابات الغربية، حظي خالد بتقدير أقل بكثير مما حظي به في الكتابات المشرقية؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من المؤرخين لا يكترثون كثيراً لـ «الجنرالات». لكن في التأريخ العربي، الوضع مختلف. لقد تولد لدي انطباع، من خلال المراجع التي استشرتها، بأن المؤلفين يقبلون المراجع بشكل عام، ولا ينتقدون الكتاب (الكلاسيكيين) إلا بعد تردد كبير. ـ أرجو أن تشرح لنا المنهجية التي اتبعتها؟ ـ إن المنهجيات والمقاربات كثيرة، لكنني سأحاول تقديم أوضح صورة ممكنة. إن الرابطة التي جمعت بينها كانت التقويم النصي النقدي للمراجع. الخطوة الأولى كانت جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن موضوع معين، وبغض النظر عن مصدرها، بما في ذلك الكتابات الأدبية أو المراجع الجغرافية التي حوت النصوص. الخطوة الثانية كانت إمكانية الوصول إلى تلك المعلومات. لذا قمت بتصفية الروايات إلى أصولها الصغرى وترتيب النتائج في جداول. عملية التقصي المثابرة هذه جعلت من الممكن ثم حصر المصادر التي وظفها كل مؤلف؛ ثم توضيح العلاقة التي ربطت بين مؤلفين ينتمون إلى عهود مختلفة؛ ثم تتبع الموضوعات المتحولة والمتنامية. التحليل المجهري الذي جاء بعد ذلك ألقى بالضوء على التناقضات الكثيرة في المصادر التي يسهل على قارئ مصدر واحد إهمالها. فإذا توافر لديك تقريران متناقضان عن حادث واحد فهناك احتمالات ثلاثة: إما أن يكون أحدهما صحيحاً، أو أن كلاهما غير صحيح. على سبيل المثال مصير مالك بن نويرة. هل كان مسلماً؟ هل كان مرتداً، أم هل كان كافراً أصلاً؟ كيف يمكنك أن تقرر الإجابة؟ عند هذا المنعطف كان لا بد من إدخال أدوات منهجية إضافية في العمل: تحليل السياق والبحث عن المنطقية الداخلية لحادثة معينة أو لعملية محددة. إذا حاولت تحصيل صورة واضحة للأحداث ذات العلاقة ببني تميم خلال «الردة»، فعليك البحث عن تلميحات إلى المادة موضوع البحث من خارج المصادر تلك. الخطوة الأخيرة: عندما تكون قد تمكنت من الكشف عن الحقيقة بدرجة مرضية من اليقين، يمكنك حينئذ طرح السؤال: لماذا تم تلفيق وتناقل التقارير الزائفة أو المشوهة؟ ـ ما السبب، بنظرك، الذي قاد إلى هذا الفهم المغلوط أو التلفيق لحقائق المادة موضوع كتابك؟ ـ دعني أقول بأنني لا أرحب بفكرة إلقاء اللوم على من أختلف معهم في الرأي. لكن بإمكاني محاولة تقديم شرح سبب نشر هذا العدد الكبير من التقارير المضللة. العذر الجيد لكثير من المؤلفين هو حقيقة عدم توافر كثير من التقارير في أيامهم، وكان عليهم، بالتالي، الاعتماد على كم محدود جداً من المعلومات مما عنى عدم تمكنهم من الوصول إلى نتائج أفضل. أود أن أطلق على هذا: عقبة المراجع المحدودة. هذا هو الوضع فيما يخص موضوع بحثي المنشور قبل القرن العشرين. لكن هناك أيضاً: عقبة المراجع الكثيرة. فإذا ألقيت نظرة على سجل السير في المراجع العلمية، سيتبين لك أن عدد المؤلفات المذكورة كان يتضاعف كل عقد أو عقدين. لذا كان على أي اقتراب جديد من موضوع معين أن يتعامل مع الكم المتنامي من المؤلفات، ويبدو لي أن المؤلفين كانوا أحياناً يعتمدون على بعضهم بعضاً دون الحذر الضروري: فما أسهل أن تتحول فقرة تحوي بعض الـ إذا أو الافتراضات إلى إفادات محسومة ودون أي إذا، وإذا وظف أحدهم الإفادة تلك إلى بداية تأويل جديد، فمن الممكن أن يصل المرء إلى استنتاجات على جانب كبير من الغرابة. لكن المسألة المختلفة هي كتب الأدب عن أحداث تاريخية. فالمؤلف العامل في هذا المجال لا يكترث في المقام الأول بالمصداقية التاريخية وإنما بتسلية جيدة. فإذا توافرت حكاية تحوي كراهية وسفك دماء ومعاشرة محرمة، فإن الكاتب سيحاول إضافة ألوانه الخاصة إليها. وفي بعض الأحيان يكون من الصعب الفصل الواضح بين المؤلفات شبه العلمية والأبحاث العميقة. من ناحية أخرى، هناك عدد كبير من «الكتيبات»، أي المعاينات ذات المجال الواسع حيث لا تحظى حادثة معينة إلا باهتمام جانبي. وتعتمد قيمة هذه الكتيبات على النظرة الشمولية للحوادث التاريخية التي يتقدم بها المؤلف، وليس على صحة تصريح ما أو حقيقة ما. والمشكلة هي أن بعض هذه الكتب أضحت مراجع قياسية، على الرغم من احتمال احتوائها على أحكام مغلوطة. وفي حالة ظهور فكرة عامة تقول بوجود «كراهية متجذرة بين خالد وعمر» في مرجع قياسي، فسيكون من الصعب تصحيحها، بل على العكس من ذلك، فإنها تنتشر بسرعة. آخر مجموعة من المؤلفات التي أود الإشارة إليها هنا هي التي أطلق عليها اسم كراسات أي كتب ذات تركيز منحاز بشكل راديكالي: إنها كتب منحازة من جذورها. فهي لا تحوي أي شيء جيد عن العدو ولا أي ذكر لمساوئ البطل، كل شيء إما أبيض أو أسود. وفي العادة فإن هذه الكتب لا تؤثر على العلم، لكنها لسوء الحظ توضع على مكاتبنا مرتدية قناع المواد التي يعتمد عليها. ـ في كتابك، لم يقتصر نقدك على البحاثة العرب الذي تعاملوا مع المادة فحسب بل امتد ليشمل المستشرقين أيضاً. ما السبب برأيك الذي منع كلا الطرفين من رؤية الحقائق التي رأيتها أنت، على الرغم من أنك وظفت المراجع ذاتها التي استخدموها؟ ـ لقد تمت الإجابة عن جزء من هذا السؤال في المقطع السابق، لكن دعني أضيف هنا ملاحظات أخرى. كما قلت لك، لقد قمت بقصر مجال بحثي على أحداث معينة. على الرغم من ذلك، لقد تطلب الأمر200 صفحة للكشف أخيراً عن جزء من الحقيقة على الأقل. أنت توحي بعدم إمكاني عمل ذلك بالعلاقة مع موضوع أكثر تعقيداً، ومن ذلك على سبيل المثال قصص الفتوحات الإسلامية أو حروب الردة. دعني أعيد صياغة المسألة: إذا كانت منهجيتي تنطبق على موضوع حروب الردة، فوجب إنجاز على الأقل عشرون دراسة من نمط خالد وعمر قبل الحصول على صورة عامة. من بإمكانه أن يقوم بمثل هذا العمل منفرداً؟ والنتيجة ستكون تغير ما في صورة أحداث سنة واحدة من التاريخ الإسلامي المبكر. ففي عام 1972م فقط ظهرت أول دراسة عن حروب الردة بلغة أوروبية. وعلى الرغم من أنها لعبت دوراً مساعداً، فإنها تحوي الكثير من التصريحات «اللينة» حيث من الواضح أن المؤلف لم يتمكن من الوصول إلى تأويلات أكثر حسماً. ماذا يمكننا الاستنتاج من ذلك؟ أعتقد باننا ما زلنا غاية في البعد قبل تمكننا من رسم صورة يمكن الاعتماد عليها إلى حد ما عن الأحداث التاريخية لصدر الإسلام. ـ كيف تقوّم دور إسهامك في فهم جوانب محددة من تاريخ صدر الإسلام؟ ـ عند مقارنته بالأعمال الكبرى عن تاريخ الإسلام، يبقى عملي إسهام ثانوي وغاية في التخصص. وبما إنني قصدت تقديم دفعة جديدة للحث التأريخي، فإن تقويمه سيعتمد على كيفية استقبال مقترحاتي. والزمن فقط سيوضح إن كانت تصوراتي المنهجية سيتم تبنيها من علماء آخرين، وفيما إذا كانت النتائج تستحق ما ستثمر فيها من جهد. فما دامت الدراسة لم تنشر إلا باللغة الألمانية ولم تنشر إلا من قبل ناشر متخصص، فإنني لم أكن أحلم بوصولها إلى الجمهور المسلم. لكن نشر الترجمة العربية غيّر من الوضع تماماً، حتى وإن بؤرة الاهتمام انتقلت من المسألة التقنية إلى المادة نفسها. ـ هل تعتقد بإمكانية اكتشاف حقائق جديدة متعلقة بتاريخ صدر الإسلام؟ ـ إن المهمة التي تنتظرنا ليست اكتشاف حقائق جديدة ولكن الوصول إلى فهم أفضل للتقارير التي بحوزتنا. إن المهمة الأولى التي تنتظرنا هي حذف ما أمكن من المواد المنحازة من المصادر وفي الوقت نفسه تحديد صدق ما أمكن من الحقائق، ومن ثم رسم لوحة جديدة لعصر صدر الإسلام ـ إن وجدت الحاجة لذلك. وأنا على قناعة بوجود مسائل كثيرة جداً تعود إلى عصر النبي وحتى نهاية العصر الأموي بحاجة إلى إعادة تقويم. زياد منى