بيان الكتب: استأثرت قصة الخلاف المزعومة بين خالد وعمر، حيزاً كبيراً من المؤلفات التراثية والحديثة. وقد حيرت هذه المسألة كثيراً من الباحثين، الذين عملوا على تجنب الغور فيها نظراً لأنها تتعلق بشخص اثنين من عظماء صدر الإسلام، أي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وسيف الله المسلول، خالد بن الوليد. وقد عمل الباحثون المعاصرون من العرب على محاولة التوفيق بين ما وصل من كتابات الإخباريين العرب عن ذلك الصراع المزعوم و«مداراة» شخصية لا تزال حية في مخيلة العرب المسلمين. ونظراً لحساسية الموضوع، سعى الذين كتبوا عن الموضوع إلى تفادي الغور في تفاصيل ما تناقله الإخباريون عن الموضوع مكتفين بتقديم مختلف التبريرات لشرح أسباب ذلك الخلاف. المستشرق الألماني اكتشف، خلال أبحاثه التي كان يجريها، تناقضات عديدة بين الروايات عن ذلك الخلاف المزعوم، وتناقضات في تفاصيل كل رواية على حدة. هذا جعله يجمع ما أمكن من قصص عن المسألة التي أوردها الإخباريون ويعمد بالتالي إلى تحليلها ليرى إن أمكن استخلاص الجديد منها والوصول إلى الحقيقة، أو إلى الدنو منها على الأقل. قام كلاوس كلير بجمع كتابات ما يزيد على عشرين إخبارياً، من ابن هشام /ابن إسحق وحتى الديار بكري عن المسألة وعمد إلى تحليل كل منها، ومن ثم مقارنة كل منها بالآخر عن حوادث تلعب دوراً أساسياً في قصة «الخلاف»، ومنها على سبيل المثال: قصة مالك بن نويرة وما ذكر عن علاقته بأم تميم، قصة مداناته الخمر، عزل عمر له، بنو حنيفة... إلخ. بحثه عن الحقيقة التاريخية جعله يناقش تفاصيل كل رواية كما وصلتنا، حتى مقارنة المفردات التي وظفها كل واحد من الإخباريين عن قصة معينة ليكتشف تناقضات كبيرة فيها تسوغ إهمالها. هذا قاده في نهاية المطاف إلى الوصول إلى استنتاجات جديدة حقاً، تبرئ كل من خالد وعمر مما ألحق بهما من قصص، وفي الوقت نفسه تدين الكتاب الذين تعاملوا مع هذه المادة، عرباً كانوا أم أوروبيين. يضم الكتاب ثمانية فصول تبدأ بتمهيد يشرح المعضلات التي يتعامل معها الكتاب. الفصل الثاني خصصه المؤلف لنقد المراجع الموظفة، القياسي منها والحديث (الثانوي). بعد الفصل الثالث الذي يتناول بشكل موجز سيرة خالد بن الوليد، ينتقل المؤلف في الفصل الرابع إلى استعراض نقدي لما اوردته كتابات الإخباريين عن العلاقة بين خالد وعمر. بعد هذه الفصول التمهيدية، ينتقل المؤلف إلى الفصل الخامس الذي يستأثر بالحيز الأكبر من الكتاب (حوالي الثلثين) إلى معالجة موضوع العلاقة بين اثنين من عظماء صدر الإسلام عبر تحليل كل من الروايات كما جاءت في كتب الإخباريين وميول كل منهم، ومصادرهم والعلاقات بين كتاباتهم، وما إلى ذلك من أساليب التحليل المجهري للنصوص. تحليلاته أوصلته في نهاية المطاف إلى رفض ما روي عن أخبار سلبية عن خالد، وعمر أيضاً، حيث يتقدم بشروحات لأسباب العروض السلبية التي وردت في كتابات الإخباريين العرب. لقد قام المؤلف باستعراض الاتهامات التي وجهها الإخباريون العرب لخالد بن الوليد وعرضها في النقاط التسع التالية التي فندها واحدة تلو الأخرى: 1ـ الانتهازية: ينفي المؤلف هذه التهمة ويرى في أعمال عديدة لخالد ومنها قيامه بتحطيم صنم العزى، بالإضافة إلى إنقاذه بقايا الجيش المهيض الجناح العائد من مؤتة وأعمال كبيرة أخرى دليلاً على أن دخوله في الإسلام كان صادقاً وبكل قلبه. 2 ـ تعطش خالد للدماء: يربط المؤلف هذه التهمة بمعارك خالد العسكري مثلاً: قصة بني خزيمة حيث يوضح بطلانها من خلال عدم توافر أخبار دقيقة موحدة لا عن عدد الضحايا ولا عن أسلوب قتلهم المزعوم. 3 ـ الزنا: يرى المؤلف أن هذه التهمة ألحقت بخالد بهدف تحويله إلى «زير نساء» ويثبت بأن ما تم تناقله من أخبار عن علاقته بكل من أرملة مالك بن نويرة وخطبته ابنة مجاعة بن مرار ينهار لأول اختبار مجهري 4 ـ التمتع بالخمر: يرى المؤلف أن قصة دنو خالد الخمر) بهدف إزالة الشعرفي آمد واهية وتفتقد إلى أي تناسق، سواء من ناحية مكان الحادث أو بالعلاقة مع زمان حدوثه. 5 ـ الولع بالأبهة: يرى المؤلف أن هذه التهمة التي ترد من دون إسناد وجهت إلى أمراء آخرين من جيوش الإسلام بعد موقعة الجابية وخلال استقبالهم عمر بن الخطاب ومنهم على سبيل الذكر أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن معاوية. 6 ـ التبذير: يرى المؤلف أن التهم الموجهة إليه بهذا الخصوص بالعلاقة مع المهر المقدم إلى ابنة مجاعة بن مرار، والهبة إلى ابن الأشعث تتسم بضعف الدليل ولا بد من الارتياب في صحتهما. 7 ـ العناد: يرى المؤلف أنه من الطبيعي أن يكون لقائد فذ رأيه الخاص في مسار العمليات العسكرية وما يتطلبه الأمر من قرارات فورية، ويرى أن هذه التهمة تدخل ضمن إطار محاولة المبالغة في تأثير المدينة المنورة المركزي في تفاصيل الأحداث. 8 ـ الإخلال بالأمانة: ترتبط هذه التهمة بقيام عمر بمصادرة جزء من ثروة خالد لمصلحة بيت المال. لكن المؤلف يرى أنه كان للقائد العسكري درجة من حرية التصرف إذا ما أراد، على سبيل المثال، تخصيص جزء من الغنائم للشجعان من رجاله وما إلى ذلك. لذا فهو يرى أن ما نُسب إلى خالد عمله كان ممارسة شائعة ولم يكن من الممكن أن يوجه أحد اللوم إليه على ما كان يقوم به من تصرف ببعض الغنائم. 9 ـ تقديره نفسه فوق قدرها: ينفي المؤلف عن خالد هذه التهمة، رغم إعجابه الشديد بشخصيته التي اتسمت بالتواضع. كما يرى في الانسحاب التكتيكي الاضطراري الذي أجبر عليه خالد من حمص ودمشق قبل موقعة اليرموك تناقضاً مع ما نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب قوله عن تحول خالد إلى فتنة للمسلمين. يختتم المؤلف تفحصه الدقيق للنصوص ذات العلاقة بالقول إن كل الاتهامات الموجهة إلى خالد بن الوليد تنهار في ذاتها ذلك أن الآثام المنسوبة إليه منها ما لم يحدث ومنها ما كان الحدث المعني فيها ليس بالسلوك الذي يستوجب اللوم. وفي ختام تفحص التهم وتفنيدها يرى المؤلف الألماني أن تبرئة خالد من التهم المنسوبة إليه تعني، ضمن أمور أخرى، أنه كان أعظم من أن يسوغ سلوكه بالتحذلق اللفظي، وأن الخليفة عمر أعظم من أن يوجه أمثال تلك الاتهامات المهلهلة بدافع محض الكراهية والغرور. لذا فهو يرى أن كلا من الإثم والاتهام مختلقان. كان خالد قائد جيش مكلل بالنجاح ولم يدع في وقت من الأوقات زعامة سياسية أو دينية، ولم يكن لدى عمر مزايا عسكرية يظهرها لكي تتناقض مع خبرات خالد. لذلك، لا سبيل إلى الحديث عن منافسة أو حسد. فالعوالم التي كان كلا الرجلين يتحركان فيها كانت شديدة التباين، ولم يكن الخليفة يخشى، في أي وقت من الأوقات، تطاولاً من القائد العسكري، وكان خالد، على كل ما كان فيه من العناد في القرارات المتصلة بالحياة اليومية، يأتلف مع النظام الإسلامي دونما نقد. لذا فإن المؤرخين ظلموا كلا من الرجلين بطريقة فظة إذ لم يتحدثوا إلى عن كراهية متبادلة بينهما، تقريباً، وأنهم اتخذوا منهما، معاً، وسيلة في الجدل الحزبي وبذلك شوهوا صورتيهما في التاريخ. لا يكتفي المؤلف بهذا، بل يتقدم في الفصول اللاحقة بمقترحات لكيفية التعامل مع كتابات الإخباريين ليس حول هذه القضية فحسب، وإنما بشكل عام، ويرى أن قبول منهجية بحثه ستساعد في فهم أفضل وأعمق لمراحل أساس من تاريخ صدر الإسلام وتعامل أكثر تماسكاً مع المؤرخين العرب الأوائل. كتاب: خالد وعمر، الذي هو في الأساس رسالة دكتوراة تقدم بها المؤلف في جامعة برلين الحرة، مؤلف ريادي حقاً، ولا شك أنه سيتبوأ مكانة المراجع القياسية، ويُعتمد دليلاً منهجياً للبحث التاريخي العملي الصارم إذا ما تقبل البحاثة العرب منهجية المؤلف وأسلوب تحليله.