بيان الكتب: اذا كان الكتاب العربي قد عانى طيلة قرون من الغياب القسري، فإن القارئ العربي مازال يعاني من التغييب الطوعي او الاختياري رغم توفر الكتاب امامه وفي متناول يده. ان تأخر دخول المطبعة الى المنطقة العربية طيلة ثلاثة قرون كان له اثره السلبي في بقاء هذا القارئ خارج دائرة المعرفة، فمنذ اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر وحتى وصولها الى مصر على يد بونابرت اواخر القرن الثامن عشر، هناك ثلاثمئة سنة من الفرق الحضاري بين أمة تقرأ وأمة طال ليل سباتها، وهناك عشرات العلوم التي لم يتطرق اليها الكتاب العربي تأليفاً ومتابعة، بل ان ما كتبه الاجداد خلال سنواتهم الذهبية بعد انتشار رقعة الامبراطورية الاسلامية يعد سبقاً في علوم ذلك العصر والعصور اللاحقة، حتى ان تلك المؤلفات ينظر اليها اليوم بفخر واعجاب ان الأوائل كانوا على هذا المستوى من العلم والدراية، وانهم سبقوا عصرهم والعصور التالية من خلال ريادتهم لحقول علمية وابداعية بكر لم يذهب اليها مؤلفو ذلك الزمان من اقرانهم في الامم الاخرى. ولم يكن بحال من الاحوال الحصول على الكتب ميسوراً للقارئ، اذ انه كان يُنسخ يدويا ثم يشد الى دفتي خشب رقيقتين يكسوهما جلد غزال او قماش متين وبعدها يرسل الكتاب في حمولة قافلة متوجهة من بغداد او دمشق الى القاهرة او تونس او مراكش وقد تطول هذه الرحلة ستة اشهر او اكثر ريثما يجد الكتاب النادر طريقه الى قارئ جديد. لكنه اليوم يطبع ويغلف ويوزع في ذات الوقت بل انه يطبع في اكثر من مدينة وعبر اكثر من لغة ويتاح عبر شبكة الانترنت في وقت قياسي قد لا يتجاوز الساعات المعدودة. حال الكتاب العربي لا يدعو الى الرثاء بقدر ما يدعو حال القارئ العربي حيث ان 80% بالمئة من مجموع سكان الوطن العربي يقرأون ويكتبون العربية ولكننا عندما نطبع كتاباً فإنه لا يتجاوز الف نسخة وربما الفي نسخة وهذا رقم مخجل جداً في حساب الحضارات والمعارف. اذاً كيف لنا ان نذهب باتجاه المستقبل وهذا حالنا مع الكتاب الذي يعد احد مفاتيح المستقبل، وهذا حالنا مع المعرفة التي نعيش معها خصاماً عجيباً في جانب معرفتها وانتاجها.. ولكننا نعيش بالمقابل تصالحاً غريباً مع استهلاكها، والدليل الابرز في كل ما تقدم اننا نستهلك ما افرزته مخيلة الاخر من علوم ومعارف غير آبهين بتخلفنا عنه، بل اسوأ من ذلك نشعر بالرضى وتطمين الذات ولا نسعى الى اللحاق به الا فيما تقتضيه ضرورة التقليد وليس الابتكار. انها حقاً لمعضلة. حسين درويش