في فناء فندق على جانب أحد ملتقيات الطرق السريعة في سان خوسيه بكوستاريكا، انحنى عالم احياء يدعى بيل ايبهارد فوق بقعة من الحديقة كان يبدو ان لاشيء، يحدث فيها، اخرج من جعبته جوربا رياضيا محشوا بطحين الذرة وأخذ يرش محتواه برفق وهدوء حتى سادت سحابة من الغبار الابيض وغطت كل سطح في انحاء الحديقة. عندها بدأت شباك العناكب تبرز للعيان على نحو مفاجيء وكأنها «قادمة من العدم» كما يقول ايبهارد. لقد كان هناك خمس او ست منها في مساحة لا تتجاوز قدما مربعا، ومعظمها كان من الشباك الكروية الكلاسيكية. كل شبكة كانت تامة في طرقها المؤلفة من اكثر من الف نقطة تقاطع حساسة كل منها بزاوية صيد مختلفة، وجميعها كانت غير مرئية حتى لحظة استقرار دقائق الطحين فوقها. لابد ان المرور في مجال هذه الشباك بالنسبة للحشرات الطائرة كان مثل السباحة في بحر ملآن بشباك الصيد. والفارق الوحيد ان بعض العناكب، وبخلاف الصيادين البشر، تلتهم شباكها وتعيد حياكتها من جديد لخمس مرات كل يوم احيانا. شباك العناكب موجودة في كل مكان، واذا صادف انها ليست موجودة في مكان ما حاليا ـ على سبيل المثال في غرفة تم تنظيفها للتو بالمكنسة الكهربائية ـ فمن المؤكد تقريبا انها ستكون هناك في وقت قريب. فعندما تتوق العناكب للرحيل فإنها تتسلق الى نقطة عالية وتحيك ما يكفي من الخيوط لالتقاط النسيم ثم تحلق الى الاعلى مستخدمة شباكها كمناطيد هوائية واضعة اطرافها على خصرها لتحقيق اعلى ارتفاع ممكن. هذه المناورات الطيرانية يمكن ان تأخذ العنكبوت الى ارتفاع يصل الى ميلين والى مسافة 200 ميل، وان كانت الرحلة النموذجية قد لا تتعدى مجرد نقل العنكبوت الى اجمة الاشجار التالية المجاورة. والانتقال بهذه الطريقة شائع وروتيني جدا لدرجة ان احدى الدراسات وجدت ان حوالي نصف العناكب الموجودة في حقل بمساحة فدانين ونصف الفدان وصلت هناك جوا ـ اي ان نحو 1800 عنكبوت تتدفق كل يوم الى المكان مستعينة بمظلاتها الدقيقة، كما كانت تفعل وحدات الجنود المظليين فوق فرنسا خلال غزو نورماندي. وجميع العناكب مسلحة وخطرة على الحشرات على الاقل، واستنتج باحث بريطاني في حساباته ذات مرة ان الاراضي الزراعية المحلية تأوي مليوني عنكبوت لكل فدان وان الحشرات التي تلتهما العناكب كل عام، لو بقيت على قيد الحياة قد ترجح كفتها بسهولة على كفة البشر القاطنين في المنطقة. السلاح الرئيسي في هذه المذبحة اللامتناهية، هو بالطبع شبكة العنكبوت، والجنود معظمهم من الاناث. فالذكور عموما تتخلى عن مهمة بناء الشباك عندما تصل الى سن البلوغ، حيث تبدأ عندها بالتجول من أجل التزاوج وليس من اجل الحروب. لكن الاناث تحتاج الى البروتين الذي في الحشرات لكي تنتج البيوض ولذا فهي تواصل حياكه الشباك طيلة حياتها. في باديء الامر، قبل حوالي 400 مليون عام، كانت العناكب تستخدم مهاراتها في الدرجة الاولى لحياكة مكان للاختباء، وربما له فتحة امامية لتعقب الحشرات لكن بعد ذلك استطاع العنكبوت المنعزل الذي لا يملك جناحين ان يحلق في الهواء. يقول جوناثان كودينجتون، من متحف سميثونيان الوطني للتاريخ الطبيعي: «ان سبب تطوير العناكب للشباك الهوائية هو ان الحشرات طورت اجنحة» ولاتزال بعض انواع العناكب مثل الترانتولا تستخدم خيوطها الحريرية في الدرجة الاولى لحياكة ملاذ آمن تختبيء به عن الانظار. لكن ثلث انواع العناكب المعروفة البالغ عددها 35 الف نوع يحيك شباكا كروية وثلثا آخر يحيك شباكا مسطحة واشراكا دائرية وادوات اخرى للايقاع بالحشرات. ومن العناكب المثيرة التي يعكف ايبهارد على دراستها نوع من جنس «وندلجاردا» يمد حبله القوي على طول جدول ماء ويلصق شبكته بالماء الجاري. ويبحث ايبهارد عن حشراته المفضلة في محطة لاسلفا البيولوجية على السفوح الاطلسية لسلسلة الجبال المركزية في كوستاريكا. وبعد ساعة من الخوض في جدول ماء باحدى الغابات المطرية بالمنطقة يعثر عالم الاحياء على عنكبوت من هذا النوع.انه صغير للغاية ومعلق بين اوراق الشجر المتدلية فوق الماء. يخرج جورب الطحين ويبدأ بنثر الدقيق فوق موقع العنكبوت. وعن هذه الطريقة التي يستخدمها يقول ايبهارد: من محاسن هذه الطريقة في الاستكشاف انك تعثر على شبكة العنكبوت وتتبع خيوطها الى نهايتها دون ان تؤذيها، اضع بعض البودرة عليه فأتبين كيفية ترابط الخيوط ببعضها وبالنباتات من حولها بحيث استطيع ان اتجول في المكان دون ان اتلفها. اظهر الطحين 13 خيطا منفصلا هابطة الى سطح الماء، حيث كانت الامواج الخفيفة تجعلها تنزلق اى الامام والى الخلف بحثا عن مكان تتعلق به. وبعد 15 دقيقة بدأ العنكبوت بتقطيع الخيوط القديمة التي اثقل عليها الطحين واستبدلها بخيوط جديدة، نزل العنكبوت الرشيق على احد الخيوط الى سطح الماء، مثلما يفعل متسلق الجبال، وضرب الماء برفق بأعضائه الخلفية الناسجة للحرير. ومن العجيب ان هذا العنكبوت يستطيع ان يعلق خيوطه بسطح الماء وهو الامر الذي لا يستطيع الانسان فعله ولو استخدم افضل المواد اللاصقة التي يملكها. ويعتقد ايبهارد ان الخيوط التي يطلقها العنكبوت دفعة واحدة باتجاه الجدول تعلق بمكانها مستفيدة من توتر سطح الماء. ومن الانجازات العديدة التي حققها ايبهارد انه اكتشف نوعا من العناكب ينتج شبكة تحاكي رائحة اناث الفراش ليغري الذكور بالاقتراب قبل ان يرميها بكرة ممضوغة يطلقها من فمه ويسحبها من جديد بعد ان تعلق بها الفريسة. واطلق ايبهارد على هذا النوع من العناكب اسم «ديزديني» على اسم لاعب «بيسبول» اشتهر برمياته القوية في اريزونا عندما كان ايبهارد طفلا. علي محمد

