ما زلت أتذكر أول مرة اشتريت فيها صحيفة كنت في المدرسة الابتدائية وكنا في «الفيوم»، وكنت أسير ذاهبا الى مكان أو عائدا من مكان. وكان هناك رجل يبيع تماثيل مقابل زجاجات فارغة: شكوكو بقزازة وسميحة بقزازة! ومحمود شكوكو هو الفنان الوحيد الذي بيعت تماثيله في الشوارع. أما سميحة فلقد كنت أظن الى وقت قريب أنها مجرد تمثال، حتى نبهني صديق الى أنه تمثال الأميرة سميحة التي أحبت شكوكو وتزوجته. ولا أدري مدى صحة هذا، ولا أذكر اسم الأميرة. لكنني أعرف أن الأميرة أعجبت بشكوكو وأرادت أن تسمعه وذهب شكوكو الى المسرح، وكعادة كثير من المطربين والممثلين سأل عن «الشباك» فقالوا له أن البطاقات كلها بيعت، وهو خبر يثلج قلب كل فنان.. وهو الجائزة التي تفوق الأوسكار. فالجائزة يتدخل فيها نقاد قد يفضلون بيعك لصالح آخرين، وقد يحبون مخالفة الجميع، وقد يضايقهم سلوكك معهم. أما الجمهور فهو يسعى الى ما يريد، ليس هذا فقط، بل يدفع نقودا لهذا. ولذلك لابد أن شكوكو كان سعيدا وهو يعرف أن جميع المقاعد قد بيعت. وخرج الى خشبة المسرح يطل على جمهوره الحبيب الذي برهن على أنه يحبه أكثر من أي فنان آخر، فوجد الصالة خالية! لم يكن هناك سوى سيدة واحدة. وتوقف شكوكو وعاد الى الكواليس فقالوا له أنها الأميرة وقد تكون سميحة، وأنها اشترت المقاعد كلها لكي تستمتع به وحدها. لكن شكوكو رفض أن يغني وقال لها: أنا لا أباع بالمال! وأعجبت بقوله وأحبته وتزوجها وقالت له: شبيك لبيك.. ماذا تريد؟ فقال لها: أريد أن أغني من ألحان محمد عبدالوهاب.. واستطاعت الأميرة أن تقنع محمد عبدالوهاب بأن يلحن للمنولوجست الناشئ محمود شكوكو ولكنه مل هذه الحياة، أو هي التي ملتها، فانتهت قصة الأميرة التي نبهني صاحبي الى أنها قد تكون سميحة التي تباع تماثيلها. الى جانب العربة التي كانت تبيع التماثيل كان هناك رجل يفرش الصحف على الأرض، ولم يكن ذلك مألوفا في هذا الوقت. وخطف بصري «مانشيت» مثير.. للأسف فقدته الذاكرة. فتقدمت لأشتري الصحيفة بكل ما أملك من مال. وكانت هذه أول صحيفة أشتريها. أما في أيامنا هذه فأنا أشتري عددا من الصحف ويصلني بعضها دون أن أدفع شيئا، فتجاوز عدد صحف الصباح اثنتي عشرة صحيفة، لو أنني قرأتها بطريقة الصديق الراحل فيليب جلاب لأخذت مني الصباح الى وقت النوم. فلقد كان فيليب يقرأ حتى الاعلانات المبوبة، أقول له: أنت لا تشتري شيئا ولا تبيع شيئا فلماذا تقرأ الاعلانات. فكان يقول: اذا قرأتها جيدا خرجت بظواهر اجتماعية مهمة! وهذا صحيح. ولكن كيف يحدث هذا مع اثنتي عشرة صحيفة؟ وحتى لو لم أقرأها بطريقة فيليب، فالأمر يحتاج ساعات. وقد قلت لنفسي ذات مرة: إنني من الصنف الذي أنتمي الى الكتب لا الصحف. وقررت أن أطل على الصحف اطلالة سريعة لأتفرغ للكتب ثم اكتشفت أن الصحف تحوي أحيانا كتبا من أهم التي أتفرغ لها. وأيا كان وضع الصحيفة في حياتك اليومية وهل تقرأها بطريقة فيليب جلاب أو خطفات، فالخبر جزء من حياتك. وشارك الراديو منذ زمن في تقديم الخبر لكنه كان في البداية يقدم الخبر وهو يلبس «الفراك» و«البابيون». فالأخبار هي اعلان الحرب العالمية، أو انتهاؤها، وما في مستوى هذه الأحداث. أما اليوم فلقد اختلفت القضية، وأصبحت الأخبار جزءا من حياة الناس. كان لنا صديق عرف منا خبر احتلال الكويت في أول أغسطس 1990، وكان هذا في مساء اليوم، ذلك لأنه كان في أجازة ولم يتابع الاذاعة أو التليفزيون. وكان موضع سخرية الجميع لأنه لا يعيش في عالمنا. وذكرنا هذا بقصص زمان، عندما كان يسافر فلان الى بلد فيصل اليه بعد شهر أو أكثر، وقد يستقبله ملك البلد ويسأله عن ملك البلد الذي تركه، فتسيل الدموع من عينيه: ـ أعطاك عمره يا مولاي فلقد مات منذ ستة أشهر! كان الخبر يتأخر شهورا. وظل هذا حتى اختراع الترانزيستور وقد يضحكك هذا فأين الترانزيستور من الانترنت والدش والستلايت وغير ذلك من وسائل الاتصال السريع بل أن هناك محطات تلفزيونية تتبع الخبر خطوة بخطوة حتى لو كان القبض على مجرم هارب يتبادل اطلاق الرصاص من الشرفة، وقد تصيب رصاصة الكاميرا. أنا لا أعرف هل فعلا أصيبت الكاميرا أو لا، لكنه وارد طالما أن هناك كاميرا، ومجرم يطلق الرصاص. ومع ذلك فقبل الخمسينيات كان الخبر يتأخر أحيانا أياما أو أكثر أما بعد الترانزيستور فقد قامت ثورة كونية جعلت الجميع يتابعون الأخبار بجهاز يوضع في الجيب. ومنذ ذلك الحين تتابعت الابتكارات حتى سمعت أحدهم يقول لآخر: ـ كيف لم تعرف بأمر العملية الانتحارية لقد أذيعت في محطة كذا منذ نصف ساعة! وهذا له معنى كبير هو أنه لم يعد بامكاننا ألا نهتم. علينا جميعا أن ننشغل بما يحدث في هذا العالم. وخاصة بما يحدث لنا. وأنا أشاهد جميع الابتكارات بالاضافة الى الصحف. وأحيانا أتابع الى درجة تختلط عليّ فيها المصادر، فلا أعرف أين رأيت هذا أو سمعته. ومن هذا كله خرجت بمجموعة من الملاحظات لن أقدمها كلها لأنني لست من الكتاب الذين يحبون أن ينكدوا على قرائهم. فأنا ارى أن شمسنا تغيب، وأن الأمور كلها تسير في غير صالحنا. فنحن منقسمون، ومصممون على الانقسام. والعالم كله ضدنا، أمريكا ضدنا. أوروبا ضدنا. ولا أحد يريد أن يسمعنا. ونحن لا نملك سوى الكلمات، نصرخ بها.. ونتمنى أن يسمعها ولو شخص واحد، ثم نكتشف أننا نشك فيما نقول. أرايت الهم الذي أصابنا بسبب الراديو ثم الترانزيستور ثم التلفزيون ثم الدش. وهو هم قديم بالنسبة لي بدأ بشراء أول صحيفة في حياتي وليتني كنت اشتريت شكوكو.. أو حتى اشتريت سميحة!