عندما تطرأ على البال كلمة سفر يقفز الى الذهن تلقائيا القول الشهير .. سافر ففي الاسفار خمس فوائد.. مع ان هناك أبيات شعر كثيرة وأقوالا مأثورة جميعها يمجد السفر ويثني على فضله، منها على سبيل المثال: الا خلني امضي لشأني ولا أكن على الأهل كلا ان ذا لشديد فدعني اجول الارض عمري لعله يسر صديق او يغاظ حسود ويذكر عن المأمون انه قال: «لا شيء الذ من السفر في كفاية وعافية ، لانك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها، وتعاشر قوما لم تعرفهم » ويقول الصفي الحلي: تنقل فلذات الهوى في التنقل ورد كل صاف لا تقف عند منهل ففي الأرض أحباب وفيها منازل فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل إذن السفر هو عشق قديم عند العرب توارثه جيلنا الحالي فطوروه مثلما تطور كل شيء واصبح عادة سنوية ينتظرها الجميع بفارغ الصبر، ولا ضيم في ذلك خاصة ان الفوائد الخمس تضاعفت لتصبح اكثر من سبع وعشرين فائدة في عصرنا الحالي!! .. ومن اللافت للنظر بروز عادات سيئة نوعا ما مؤخرا في افواج المسافرين من الدولة لشتى انحاء العالم، وأخص بالذكر اوروبا، واولى هذه العادات تبدأ من «الشنطة» التي تتضاعف اعدادها في (السيرة والرجعة) ويفوق وزن الواحدة منها اكثر من 60 كغ. مما يسبب مشاكل مستمرة مع موظفي مطارات الدول الاوروبية. يروي احد الاصدقاء موقفا طريفا حصل امامه في احد المطارات حيث يقول: لاحظت الموظفة ثقل وكبر حجم احدى الحقائب التي حملها احد (سواحنا)، فطلبت منه تقسيمها على حقيبتين لان القانون لا يسمح .. طبعا معظمنا لايعرف القانون ولا يعرف ان الاوروبيين يشترطون وزنا معينا يجب الا تتعداه الحقيبة، ليس من اجل تعويد المسافر على عدم الاسراف والاكتفاء بالقليل، وانما رحمة بالمساكين الذين يحملون الحقائب عند سلالم الطائرات، فهؤلاء ايضا موظفون ولديهم نقابات تحميهم وتسن من اجلهم القوانين، وهنا اذكر تماما تعطلنا عن السفر لمدة يومين في احدى الدول بسبب اضراب حاملي الحقائب عن العمل حيث جلسوا في ساحة المطار ، ورفضوا توصيل الحقائب الى داخل الطائرات مما اضطر السلطات المعنية الى الاستجابة لطلبهم وتنفيذ رغباتهم . اذن فـ (الحماميل) بشر ومن اجل ذلك فإن هناك وزنا لكل شنطة حفاظا على (ظهور) هؤلاء الرجال. طبعا الانسان له طاقة لا يمكنه تجاوزها وبالتالي فإن القوانين تسن من اجل حمايته. هذا ماقاله الصديق العزيز احمد المطروشي مدير مجلس الاعمار بدبي، وبما انه مدير مجلس الاعمار فإنه يهتم دائما بأخبار البنايات والعقارات وحتى العمال في هذا المجال، حيث قال: تخيل ان الجهات المعنية، في الولايات المتحدة الامريكية اصدرت قرارا بتصغير حجم (الطابوقة). اتدري لماذا؟ حتى يتناسب وزنها مع قدرة العامل الذي يحملها ويبني بها المباني! نعود الى صاحبنا الذي تركناه، صاحب الشنطة العملاقة، بعدما طلبت منه الموظفة تقسيم (غرفة نومه) اقصد شنطته الى جزأين فتبرع احد الحضور بمساعدته، ولما فتح حقيبته وجد بها اشياء غريبة، عجيبة لاتخطر على قلب بشر، اكوام مكدسة من كل شيء .. تخيلوا ان (الحبيب) يحمل معه حتى كرتونة (بيبسي كولا) في شنطته وهو داخل الى دولة اوروبية!! شريحة كبيرة من المسافرين لايدركون المعنى الحقيقي للسفر، فهم ينتقلون من بيت بأبواب وشبابيك وطابوق الى بيت آخر بالمواصفات ذاتها وينقلون معهم نشاطاتهم دون تغيير، فالطبيخ هو نفس الطبيخ، وكل ما يفعلونه هو تغيير المكان فقط، وما أكثر الشكاوى التي يصدرها الاوروبيون المساكين من ريحة الطبخ والمالح والبرياني والفوقة والسمك!! والغريب ان البعض يطبخ فقط من اجل التباهي، فتجدهم يتباهون في الاماكن العامة: تصدق يافلان اليوم تغدينا (مالح) .. تدري ان (ريوقنا) اليوم خمير ومحلا وبلاليط!! اما الغلطة الكبرى فهي ابتعاد اولياء الامور عن اولادهم وعائلاتهم في السفر، مع انه يفترض انه فرصة لتعويضهم عن ايام الانشغال والعمل ليل نهار ـ وياليت ان ابتعادهم عن ابنائهم في السفر من اجل شيء يسوى ـ بل بالعكس تجد (الشلة) تنتقل بكامل اعضائها الى الخارج، ونفس الوجوه، نفس (السوالف)، نفس التجمعات ، نفس (الحش) وينسى كل منهم انه سائح ومعه اسرة واولاد .. والحرمة تطبخ في الشقة، والاولاد امام التلفزيون، والحبيب مع «الربع»!! عادات غريبة وعجيبة وهناك المزيد منها نجدها تتكرس عاما بعد عام لتفسد الصيف وبهجة السفر .. والعزاء فقط ان فلان صيّف في النمسا او ميونخ او لندن، لكنه عمليا انتقل من طابوق الى طابوق، وتكلف عناء السفر وخسارته دون ان يجني فائدة واحدة من السبع وعشرين فائدة او حتى من الخمس فوائد!!