من المعارض الغريبة في العالم معرض اسمه «عوالم الجسد» الذي جال دولا عديدة في العالم وحط الرحال قبل اشهر في محطة الشرق بالعاصمة برلين. والغرابة فيه انه يعرف الانسان بجسمه عبر جثث محنطة اصحابها تبرعوا بها قبل وفاتهم لتخدم العلم والانسان. وطريقة التحنيط اظهرت بدقة كل الاعضاء من رأسه وحتى اخمص قدميه. وهذا العمل الجبار الذي ابرز الوجه العلمي من التشريح بعيد كل البعد عن إلحاق إهانة بروح الانسان او تسخيره لغرض العرض التجاري انجزه الدكتور جونتر فون هاجن من جامعة هايدلبيرج مع فريق عمل من المتخصصين بعلم التشريح حيث قام معهم بكل دقة وعناية بإبراز جسد الانسان من الداخل مرفقا بذلك شرحا مبسطا بشكل يتمكن من فهمه حتى التلميذ وبالتالي فهم جسده الذي يحفظه جلده ولا يعرف عنه الا القليل جدا الذي يشرحه له طبيبه او الكتب ويكون عادة شرحا نظريا بدون تفاصيل كافية لمعرفة هذا العالم. وهدف هذا المعرض الغريب كما قال الدكتور فون هاجن ايصال معلومات الى الانسان كي يدرك اهمية جسده والمحافظة عليه بعيدا عن الامراض التي يسببها هو بسبب عادات وتصرفات مضرة والتعرف على عالمه الذي يملكه لكن لا يعرفه. ويمكن وصف المعرض بأنه درس تشريح مبسط جمع بين تثقيف الزائر وتلبية فضوله. ويظهر المعرض جانبا تقنيا مهما عن علم التحنيط بأوضاع مختلفة، والقصد من ذلك تعريف الزائر بوظائف كل عضل وعصب عند الحركة او وضعية تفكير وتركيز معين كما هو الحال مع لاعب الشطرنج الذي يظهر تقلص كل عضلة وعصب في ظهره وامتدادها مع كل حركة ليده عند قيامه بنقل حجر. والامر ايضا مع «السابحة» كيف تتناسق عضلات قدميها مع ذراعيها مع كل حركة في الماء كذلك اظهار كيفية نمو العضلات عند الرياضيين. وأراد الدكتور فون هاجن ان يلمس اصحاب العادات السيئة ما سببته هذه العادات من اضرار لأنفسهم وجسدهم، فعرض رئة صحيحة وأخرى محنطة لمدخن غلب عليها اللون الرمادي الداكن مع كلمات قليلة «هذه رئة مدخن» وهذه اضرار التدخين». وتمكن الزائر من دخول اعماق قلبه عبر مجسمات للقلب والشرايين والاوردة مع شرح لكيفية الدورة الدموية عند الجسم السليم وأمراض القلب وما تحلمه من مشاكل. اضافة الى عرض عينات لشرايين مسدودة نتيجة التكلس او الدهن في الدم وعمل القلب عندما يكون في الصمام تشويه او مرض. وشرحت عينات من الدماغ المحنط وظيفة كل جزء منه وعمله مع الاجزاء الاخرى من الجسم. وتم اظهار موقع كل من الطحال والكبد والكلى والعلاقة الوظيفية لكل واحد بالآخر وشكله عندما يصاب بمرض ما وتأثير تعطيل عمله على الاعضاء الاخرى. وكان هناك درس حول العظام وكيف هو شكله وتركيبه من عظام الاصبع وحتى الاوراك وعظام الرأس. وعرض محنط اجريت له عمليات عديدة حيث ظهر مثلا وضعية كرة من المعدن في مفصل الورك والدور الذي تقوم به، وكيف تم تثبيت الفك الاعلى بالفك الاسفل بشريط معدني ساعد على حركة الفم وبالتالي وفر امكانية المضغ. وأجمل ما عرض هو كيف يتكون الطفل في رحم أمه منذ ان يكون نطفة وتطورها في كل اسبوع الى ان تصبح جنينا. مع شرح لأوقات الخطر التي يمكن للحامل ان تتعرض للاجهاض. وأظهرت مومياء محنطة تركب حصانا محنطا مدى دقة العمل الذي أنجزه الطبيب الألماني فون هاجن وفريقه الطبي، فعضلات الحيوان كما الانسان كانت متكاملة وواضحة المعالم. ولقد وصل عدد زوار المعرض حتى الآن الى المليون وكان قد زار ثلاث مدن ألمانية وعاصمة كل من اليابان والنمسا وسويسرا ووصل عدد زوار المعرض في طوكيو الى 2.5 مليون. وشارك في تمويل المعرض مؤسسات اعلامية وعلمية اضافة الى معهد هايدلبيرج للتحنيط. ويقول التلميذ شتيفان الذي اتى للمرة الثانية لمشاهدته إنه يجد الفكرة جيدة جدا من اجل القاء الانسان نظرة على جسده وكيف يعمل كل عضو وعضلة فيه وعمل الدماغ مع الاعصاب والقلب والشرايين فالشرح كان مفهوما. ومن الاشياء التي نالت اعجابه «المرأة الحامل» حيث رأى كيف يقبع الجنين في رحم امه. وأصيب بصدمة عندما رأى رئة المدخن لكن ذلك لن يمنعه عن التدخين على الاقل حاليا. وبرأيه فإن العمل الذي قام به الدكتور فون هاجن مهم ويساعد كل شخص مهما كان مستوى تعليمه وثقافته على فهم جسده ووظيفة كل عضو فيه بشكل عملي. اما السيدة شتور وعمرها 65 عاما فقالت إن المعرض يترك انطباعا في النفس لكن عليها هضم كل ما شاهدته وسمعته لتفهم جسدها اكثر. ورغم انها عملت ممرضة لمدة اربعين عاما لكن عندما درست هذه المهنة لم يتوفر لها مشاهدة ما رأته في هذا المعرض. ولقد اكتسبت معلومات قد تفيدها شخصيا لا مهنيا لأنها اصبحت متقاعدة الآن. اما زوجها فكان مترددا في البداية من دخول المعرض وشعر وكأنه يدخل الى مشرحة لكن زال كل ذلك عندما شعر بأنه يقف امام عمل علمي وفني مهم جدا يجب اطلاع كل انسان عليه ليكتشف جسده وأسراره ويفهمه اكثر خاصة وظائف القلب والدورة الدموية. والشيء الذي اكتسبته السيد كتشكيش وأتت من مدينة كوتبوس خصيصا لزيارة المعرض في برلين كما قالت إن زوجها الذي أتى معها اقلع عن التدخين منذ ان شاهد رئة المدخن، ووفر المعرض لها امكانية اكتشاف خبايا جسد الانسان وتكوينه من اطراف اصابعه وحتى الدماغ مرورا بالقلب والجهاز العصبي. لذا فالرحلة الى برلين كانت مفيدة. ومن ردود فعل الشخصيات المشهورة عن معرض «عوالم الجسد» ما جاء على لسان لاعبة التنس العالمية الالمانية شتيفي جراف اذ قالت: «اخيرا بإمكاني فهم جسدي اكثر من السابق. أهنئ القائمين ومنظمي هذا المعرض وآمل ان يلقى قبولا وترحيبا في مدن اخرى» اما المغنية الامريكية المشهورة تينا ترنر فشكرت الذين كانوا وراء الفكرة التي قدمت شرحا وافيا ورائعا للجسد وستحاول مشاهدة المعرض مرة اخرى في اول مناسبة. وتعليقات الصحف كانت كثيرة معظمها ايجابيا. فبرأي صحيفة دويتشه تسايتونج لم تكن الانتقادات ضد المعرض في مكانها، وعمل الدكتور فون هاجن نادر ولم يقلل من قدر الجثث وقيمة الانسان بعد وفاته بل جعل العرض نزهة حقيقية لاكتشاف عالم الارض الحي، اننا نرى انفسنا فيه. اما صحيفة باديشيه نويسته نخريشتين فقالت ان معرض «عوالم الجسد» خطف حتى بعض الاهتمام بمهرجان برلين الدولي للسينما «بلرلينليه» على الاقل في العاصمة برلين.