عندما ذهب بابلو بيكاسو عام 1940 لمشاهدة صور ما قبل التاريخ التي تم اكتشافها آنذاك في مدينة لاسكوي الفرنسية، خرج من الكهف قائلا: «اننا لم نخترع شيئا» وقد اوجزت كلماته اهمية ذلك الاكتشاف المذهل والذي تحدى كل شيء كنا نعتقد أننا قد عرفناه عن اوائل اسلافنا». ففي مطلع تلك السنة، هوت اقدام اربعة من المراهقين داخل حفرة تقع في ارض كلية في تلك المدينة الفرنسية الصغيرة، وجد الاولاد انفسهم محشورين في حيز ضيق داخل الكهف واستطاعوا بمساعدة الضوء الخافت للشموع التي كانت بحوزتهم ان يكتشفوا بعض الصور الغريبة على الجدران. وفي اليوم التالي اصطحبوا معلمهم لمشاهدة ما عثروا عليه والذي تبين ان عمره 17 الف عام وبحلول نهاية الاسبوع كانت المدينة مزارا من الاكاديميين المهتمين من جميع انحاء العالم. لقد تم اكتشاف ستة كهوف فنية تحتوي على 600 رسم وحوالي 1500 نقش. ومع هذا فان المفاجأة لم تكن نوعية الصور حسب، بل المهارة الفذة التي تم فيها بلوغ ذلك الاداء الفني، انها قد فرضت تغييرا جذريا في التفكير الحالي في الاثار. لم تكن تلك الصور مجرد مخطوطات اولية فقط، بل هي تفاصيل جد واقعية واستخدام عالي الدقة للون والانطباع اللوني، لقد جسدت حساسية حذرة لم نكن نعتقد انها ممكنة لدى شعب ينتمي الى تلك العصور القديمة. كما كانت البراعة الفنية الفائقة مؤثرة للغاية لان انتاج الالوان تطلب قدرة على تسخين الاصباغ الطبيعية الى اكثر من 1000 درجة مئوية. وقد وضعت بعض الصور في اماكن خادعة كان الوصول اليها بحاجة الى كثير من العبقرية. اذا ادرك بيكاسو على نحو جلي تماما ان اولئك الاسلاف القدماء كانوا فنانين حقيقيين، تلقوا الحكمة في عصر كان الافتراض فيه انهم بالكاد اكثر تطورا من الحيوانات. تقاطر الزوار تقاطر الى كهف لاسكوس الاف الزوار طيلة 20 سنة كانت الدهشة رد فعل الجميع لما شاهدوه، ولسوء الحظ تبين تدريجيا ان هذا الاندفاع الجماهيري قد قتل الكنز بحماسه، فبحلول عام 1962، بلغ عدد زوار الكهف اكثر من 100 الف شخص، وقد تسبب تعرضه لهذه الكتل البشرية الى تزايد الرطوبة في الهواء داخله وهو ما تسبب في نمو طحالب خضراء وترسب املاح كربونات الكالسيوم التي هاجمت الصور. وكانت النتيجة اغلاق الكهف وافتتح فيما بعد نسخة مطابقة عنه واقعية جدا امام الجمهور تستقطب اليوم حوالي 300 الف زائر سنويا. لم يستطع احد بعد ان يتعرف الى الكيفية التي وضعت فيها تلك الصور هناك برغم اننا نعرف بعضا عن طريقة ابتداعها. من هنا خرج العديد من النظريات التي تحاول شروح ما ترمز اليه الصور، والآن توصلت الاكاديمية الفرنسية شانتال جاك الى ادعاء طموح يشكل تحديا للتفكير الراهن. تقول شانتال عالمة الفلك الاجتماعي وهو فرع من علم الفلك يدرس الطريقة التي استخدمت فيها الحضارات المختلفة النجوم ان العديد من صور كهف لاسكوس ترتبط بمجاميع النجوم الثابتة كما ظهرت قبل 17 الف سنة، او بعبارة اخرى ان لاسكوس كانت عبارة عن خريطة للسماء، وهو ما يعني وجود ادراك بعلم الفلك خلال فترة ما قبل التاريخ والتي يعود تاريخها الى 10 آلاف سنة في التاريخ. وباستخدام برنامج حاسوبي، استطاعت شانتال اعادة بناء سماء الليل قبل 17 ألف سنة وقارنتها بمواقع ودلائل ظهرت على صور الحيوانات، وهي تعتقد انها بهذه العملية قد وجدت نقاط كثيرة تقترن عندها الصور بمجاميع النجوم، منها على سبيل المثال ان الحيوان الغريب الذي اطلق عليه اسم «وحيد القرن» والموضوع في «الغرفة الكبيرة للثيران» قد يمثل برج الجدي. استخدام الكهف قد تشرح هذه النظرية سبب استخدام الكهف كموقع للصور بعد ان اكتشفت شانتال ان الشمس تشرق في ليلة الانقلاب الصيفي مباشرة على اللوحات الموجودة داخل الغرفة العظيمة. ومع ذلك واجهت هذه النظرية انتقادات قوية تذكر منها انتقاد الدكتور بول بان، عالم الاثار البريطاني والخبير في فن الكهوف، والذي يصف النظرية بأكملها «بالهراء» فهو يعتقد ان نظرية شانتال تقوم على افتراض ان جميع الرسومات قد انجزت دفعة واحدة قبل 17 الف سنة، وهذا عيبها الرئيسي. يقول د. بان: «لقد اخطأت تماما في تحديد تاريخ رسومات لاسكوس، انه كهف معقد يحتوي على رسومات تنتمي الى مراحل زمنية مختلفة». وحقيقة الأمر ان تلك اللوحات تنتسب الى فترات زمنية مختلفة تؤلف مع بعضها البعض ألوف السنين. وكما اشار الدكتور بان ان العديد من صور الكهف تجسد حيوانا واحدا يطلق عليه اسم «الارخص» (ثور بري شبه منقرض). الا ان الدليل الاثاري المادي يرى ان هذا المخلوق لم يكن موجودا في ذلك الجزء من أوروبا في ذلك التاريخ تحديدا. وان حجته القائلة بأن بعضا من تلك الصور يعود تاريخها الى ما قبل 17 الف سنة بكثير قد وجدت ما يعززها من دراسات الطاقة الكربونية الحديثة التي تؤرخ بعض الصور الى اكثر، من 33 الف سنة خلت. ثمة محاولات اخرى لتفسير صور لاسكوس، اذ يعتقد بين علماء الاثار انها تشير الى مشاهد صيد الهدف منها جلب الحظ او باعتبارها وسيلة لتعليم الصغار، ويستند مؤيدو هذه النظرية الى احدى الصور التي يظهر فيها رجل يقف بجانب ثور جريح، غير ان بول بان يشير في كتابه «رحلة عبر العصر الجليدي» الى ان هذه الصور قليلة جدا ومتباعدة فيما بينها. تبقى الحقيقة ان تلك الصور كانت لاوائل اسلافنا مهمة بما يكفي لتستحق منهم استهلاك طاقة جسدية وعاطفية كبيرة. لقد اماطت اللثام عن جانب مختلف تماما لانسان ما قبل التاريخ. اننا امام رجال كهف ليسوا بالبدائيين الذين تصورهم افلام الكارتون، بل هم اشخاص عملوا بكل جد لاسباب لا تختلف عن الاسباب التي تدفع بالفنان المعاصر لرسم لوحة ما، كما سعوا وراء رسم ملامح باقية للعالم الذي حلوا ضيفا عليه، وان ما بلغوه في هذا الميدان ليتجاوز قطعا مجرد مخيلة بدائية. مالك فاضل