ما بعد العود قعود هكذا يقول أهل الخليج وهم يقدمون البخور لضيوفهم وهم يتأهبون لانهاء زيارتهم.. وعادة تقديم البخور عادة قديمة عرفها أهل الإمارات ولم يحدث يوماً ان اشتكى الناس من سوء استخدام البخور أو تأثيراته السلبية عليهم. أو اكتشفوا انه يسبب امراضاً ومنها السرطان.. وما اثير مؤخراً في الصحف ان البخور يسبب السرطان اثار قلقاً لدى الكثير من العائلات، والغريب انه بعد يوم واحد فقط نشرت الصحف خبراً اخر حمل نفياً لسابقه كما حمل براءة البخور من السرطان. الأطباء وربات البيوت تحدثوا عن البخور وتأثيراته ولم يأت ذكر السرطان في حديثهم ونحن هنا نحاول ان نبعث الاطمئنان في النفوس بشأن البخور، وحول البخور واثاره نقول تمثل التقاليد الاجتماعية عنصراً حيوياً في النسق الثقافي لأنها تمثل ممارسات انسانية صنعها الانسان بنفسه لتنظيم سلوكه مع الاخرين في الحياة الاجتماعية.. لذا فهي انماط سلوكية وطقوسية يتمسك بها الافراد نظراً لتأكيدها على أهمية الماضي السحيق... ولقدسيتها ومنزلتها الرفيعة عند الافراد.. وتتجسد التقاليد في مراسيم حفلات الزواج والسلام والتحيات بين الاحبة والاصدقاء ومراسم الاعياد والمناسبات المختلفة... ومهما يكن من أمر فإن التقاليد تذكر ابناء الامة بأنهم ينتمون إلى مجتمع واحد له خصوصيته التراثية وماضيه المجيد وتاريخه الحافل بالواقع... ولا يمكن للتقاليد ان تزول وتندثر بل تبقى وتتراكم بمرور الزمن... ومن جملة العادات الاجتماعية الإماراتية عادة الزيارات وتقديم الطعام للضيف وعادة انتهاء الزيارة وهذه الاخيرة لها طقوسها الخاصة وهي تقديم العطور والبخور بعد تناول الضيف الوجبة مع القهوة وقيل في مجتمعنا «ما بعد العود قعود» اي انتهاء الزيارة بعد تمرير البخور... هذه المرحلة الأخيرة تسبقها مرحلة الاحتفاء بالضيف وعادة يتم الترحيب بالكلمات الصادقة النابعة من القلب ثم تأتي المرحلة الثانية التي يتم فيها تقديم القهوة العربية والمتعارف عليها بعدها تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة وهي الرش بالعطور واستخدام المباخر في اذكاء رائحة البخور... ان المرأة في مجتمعنا تهتم كثيراً باستخدام الطيب والبخور والمستخلصة جميعها من مصادر طبيعية أو حيوانية أو نباتية ومن أهم الانواع ذات المصدر الحيواني «الزباد» والمسك والعنبر أما النباتية وهي الاكثر فمنها «العود» والصندل والورد ومن أهم أنواع البخور المستخدمة هي العود وهو أفضل انواع البخور واغلاها توضع اجزاء صغيرة من اخشابه فوق فحم مشتعل فيحترق ويتصاعد منه دخان طيب الرائحة يبخر «يدخن» به الاشخاص والملابس والمنازل... كما يبخر به الضيوف وجها من أوجه الاكرام ويستخدم بكثرة في الحفلات والاعراس ومازال الاقبال عليه شديداً حتى يومنا هذا على الرغم من غلاء ثمنه غلاء بلغ حد الخيال... أما النوع الثاني فهو الجاوني «الجاوه» وهي مادة صلبة تستخدم بخوراً لتحسين الرائحة بالاضافة إلى استخداماتها الاخرى في مواد التجميل وهي رخيصة الثمن وهي غير مرغوب فيها في العصر الحالي... أما النوع الثالث فهو المعمول يصنع من بقايا «العود» الناعمة و«الجاوني» حيث تطحن وتعجن بواحد أو أكثر من الدهون العطرية مثل «الزباد» والمسك وتشكل على هيئة كور صغيرة وتجفف ثم تستخدم بخوراً.. والمبخرة تصنع من الخشب ومن أفضل الأنواع المستخدمة لهذا الغرض خشب شجر الاثل المتوفر في نجد وقد اشتهرت منطقة حائل بهذه الصناعة ومازالت حتى الآن وتتكون المبخرة من حوض مربع الشكل يقوم على أربعة قوائم وترتكز على قاعدة مربعة ويكتسي هذا الحوض بصفيحة معدنية حتى تحمي المبخرة من الاحتراق عند وضع الجمر «الفحم المشتعل» داخلها والذي توضع فوقه قطعة البخور فيتصاعد الدخان الزكي الرائحة وتمرر المبخرة على الضيوف متنقلة من ضيف إلى آخر أكثر من مرة كما يستخدم البخور لتطييب رائحة الملابس وحجرات المنزل وقد تعددت اشكال المباخر من حيث الزخرفة والتزيين بالمرايا والتلوين وكذلك من حيث الحجم وهي مازالت من الأدوات المهمة في كل منزل... وقد طالعتنا مؤخراً الصحف المحلية بأن البخور يسبب السرطان حتى جاء مسئولون في مجال البيئة وأكدوا للمتدينين في سنغافورة ان حرق اعواد البخور البوذي في أماكن جيدة التهوية لا يمثل ضرراً على صحتهم ولا يعرضهم لخطر السرطان.. وذكرت وزارة البيئة تعقيباً على دراسة اجريت في تايوان ونشرتها وسائل الاعلام أن قواعد صارمة تحكم حرق البخور وتحدد طول وسمك اعواد البخور البوذي... التجارب والبحوث أولاً وحول هذا التقينا الدكتور أحمد الهاشمي مدير منطقة دبي الطبية يقول: البخور بأنواعه يحتوي على مواد متطايرة لكن لا توجد حتى الآن أي دراسات ميدانية أو تجارب معملية تؤكد بأن البخور يسبب السرطان... ولابد من اخضاع البخور لتجارب خلال الفترة المقبلة لقياس نسبة المواد فيه المؤثرة على جسم الانسان... ونحن كأطباء لا ننفي ولا نؤكد هذا الشيء إلا بالتجارب فمثلاً اجريت العديد من الدراسات على السجائر وأكدت انها تسبب السرطان لاحتوائها على مادة النيكوتين... ويضيف الهاشمي لدينا الكثير من العادات الشعبية التي كانت تصلح سابقاً أما اليوم فقد اثبت العلم سلبيتها والسبب في ذلك ان البيئة تغيرت وانا شخصياً لا استخدم البخور بكثرة لانه يسبب لي حساسية جلدية ومسألة ان البخور يسبب السرطان فهذا الأمر يحتاج لاعادة النظر طالما ان التجارب المعملية وعلوم البيئة لم تثبت ذلك وهذا الكلام يطرح علامة استفهام... نسبة الاستخدام كما التقينا الدكتور فلاح الخطيب استشاري ورئيس قسم العلاج بالأشعة بمستشفى توام يقول: ان البخور والفحم يحتوي على مواد هيدروكربونية تؤثر على جسم الانسان عند استنشاقه بكميات كبيرة وتسبب السرطان أما استخدامه بنسبة ضئيلة فلا ضرر في ذلك وهذا الكلام ينطبق على المعابد الهندية والبوذية «الدينية» أما هذا الشيء فلا ينطبق عندنا لان استخدامنا للبخور يكون بنسبة ضئيلة... ومن الأفضل التركيز على التدخين والسجائر لانهما يتسببان في السرطان بالدرجة الأولى بدلاً من التركيز على البخور... لاغنى عن البخور... وتشير بدرية حسن «ربة منزل» ان البخور يسبب أمراض الربو عند الأطفال وليس الكبار فمن خلال خبرتي في البخور واستخدامي الدائم له في المنزل لاحظت ذلك أما ان البخور يسبب السرطان فهذا الكلام غير صحيح حيث استخدمت امهاتنا وجداتنا البخور ولم يصادف ان اصيبت اي منهن بهذا المرض الخبيث كما ان استخدامنا للبخور بدأ منذ سنوات وعبر اجيال وليس مجرد اشهر أو أيام... ونحن نقوم بصناعته في البيت عبر خلط مواد مختلفة لخلق رائحة زكية في المنزل خاصة اثناء حضور الضيوف وفي الحفلات والمناسبات... ولاغنى لنا في مجتمع الإمارات عن البخور مهما كانت النتائج...
