في تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول أخطار تدخين الآباء بوجود الأبناء والأطفال الصغار، أشار إلى وفاة نحو 600 ألف طفل من أطفال العالم سنويا نتيجة تعرضهم لمخاطر التدخين الغير مباشر، أو ما يسمى بالتدخين السلبي عن طريق الآباء والأمهات وتأثيراته الآنية على الرئة والجهاز التنفسي والتأثيرات المستقبلية على القلب والسرطانات وغيرها. والتدخين السلبي يعني وجود أشخاص في مكان مغلق به مدخنون، والتدخين هو عادة سيئة وأضراره المباشرة تقع على المدخن ولكن في الوقت نفسه قد يكون الأشخاص المحيطون بالمدخن معرضون للخطر بدرجة لا تقل عن المدخن نفسه، حيث ان الجو المشبع بالدخان يزيد خطر الاصابة بأمراض النزلات الشعبية والالتهاب الرئوي والربو والتهابات الأنف والأذن والحنجرة وبشكل خاص عند الأطفال حيث ان جهاز المناعة يكون غير مكتمل بالشكل الكافي ويستنشق الطفل الدخان بشكل سلبي. وفي تقرير لجمعية المخاطر البيئية للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال نشر حديثا إشارة إلى أن دخان السجائر هو واحد من أهم مصادر التلوث البيئي وهو مهدد خطير لصحة الطفل على مستوى العالم، حيث ان هناك علاقة وطيدة بين المستويات العالية من تلوث الهواء وبين حدوث الأمراض الرئوية المزمنة بما فيها التهاب القصبات، إن تلوث الهواء يفاقم الأمراض الرئوية الموجودة ويسيء لوظائف الرئة عند الأطفال والمراهقين، وهناك علاقة واضحة بين زيادة نسبة التهاب القصبات في فترة المراهقة وكذلك الأمراض التنفسية الأخرى وتدخين السجائر في هذه الفترة ويجب أن تؤخذ هذه الظاهرة في شيء كبير من الحرص والوعي والحزم. ومن خلال ممارساتنا اليومية نصادف العديد من حالات الحساسية الصدرية عند الأطفال المعندة على العلاج وبعد التحري عن كون أحد الوالدين مدخنا نجد السبب المباشر لعدم تحسن الطفل، ان مرض الربو القصبي مرض شائع جدا في ممارسات طب الأطفال وهناك علاقة وطيدة بين وجود الطفل في أسرة بها مدخنين وتفاقم حالة الطفل. والربو يحدث بشكل عام نتيجة تخرش الجهاز التنفسي بمادة معينة كالغبار أو دخان السجائر أو الشيشة أو المحروقات أو قد يكون نتيجة عوامل مناعية وهي عبارة عن مواد تسمى المؤرجات مثل غبار الطلع والصوف وريش الطيور والحيوانات، وهذه المؤرجات تتحد على سطح القصبات الهوائية وتؤدي إلى تمرير العديد من المواد كالهيستامين والليكوترين ومواد أخرى عديدة، مثل مادة (التأق) البطيئة التفاعل ويسمى هذا النوع بالربو «الأليرجائي» وهناك استعداد عائلي حيث تتكرر الاصابات في بعض الأسر نتيجة تشابه الظروف المهيأة لحدوثه. إن التدخين السلبي يتسبب أيضا بإصابة الأطفال بأمراض القلب والشرايين بصورة مبكرة وتجدر الاشارة إلى أن أمراض القلب ترتبط بشكل مباشر بنوعية الغذاء وبشكل خاص الغذاء الغني بالمواد الدهنية والشحوم وقلة الحركة بالشكل الكافي وفي حال وجود استعداد ارثي لأمراض القلب، فإن التدخين السلبي من قبل الأهل يلعب دورا مهيئا لحدوث تصلب الشرايين عند الشباب بسن مبكرة وبالتالي حدوث نقص التروية القلبية في مراحل الشباب المبكرة ولقد حذر تقرير لمنظمة الصحة العالمية من خطورة التدخين السلبي وأشار إلى وفاة نحو 600 ألف طفل سنويا نتيجة تعرضهم لمخاطر التدخين الغير مباشر عن طريق الآباء والأمهات ولقد أشار التقرير أيضا إلى خطر التدخين على الأمهات الحوامل حيث يؤدي إلى ولادة أطفال قليلي الوزن بمعدل 200 جرام بالمتوسط عن باقي المواليد نتيجة نقص أكسجة أنسجة الجنين عدا عن احتمال حدوث أمراض مستقبلية لدى حديثي الولادة. ولقد أشارت دراسات تمت بجامعة بريستول على 8500 من العاملين ممن تعرضوا للتدخين السلبي أثناء العمل بأن السيدات وبنسبة 14% منهن أصبحن أقل قدرة على الحمل وبأن النساء الحوامل المدخنات أكثر عرضة بنسبة عالية للولادة قبل الأوان والاجهاض ولولادة الجنين ميتا، كما أظهرت دراسة بأن تدخين الأم يسبب تقلصا في شرايين الدماغ عند الجنين، فالغاز الموجود في السجائر يمكن أن يعرقل عملية انتقال الأكسجين إلى الجنين إذ أن ارتفاع مستوى أول أكسيد الكربون في دماء الأجنة والأطفال المولودين من أمهات مدخنات يضعف من قدرة الدم على نقل الأكسجين وذلك لأن غاز أول أكسيد الكربون الناتج عن السجائر له القابلية والقدرة على الاتحاد بالهيموجلوبين واضعاف قدرة الأكسجين على ذلك. وأخيرا فإن التدخين خطر حقيقي يهدد كافة أفراد الأسرة فعدا عن أخطار النيكوتين وآثاره على القلب وجهاز الدوران فإن القطران الناتج عن احتراق السيجارة يؤدي بشكل مؤكد إلى السرطان وبشكل خاص سرطان الرئة والمثانة عدا عن أخطاره المدمرة على كافة أجزاء الجسم مثل الجلد والعين. منع التدخين يجب التنبيه إلى أن كافة أشكال التدخين مضرة، ويجب الامتناع عن التدخين لما ثبت بالدليل القاطع على خطورته على الصحة العامة للمدخن والمجتمع وبأن التدخين قد يكون هو الخطوة الأولى نحو الهاوية!! حيث أثبتت الدراسات ان العديد من أشكال انحراف المراهقين تبدأ بالتدخين والذي يكون المرحلة الأولى لدخول عالم من الضياع ينتهي بتدمير حياة المراهق. وهنا يجدر الاشارة إلى أهمية تحذير المدخنين من أخطار التدخين في الأماكن المغلقة وبشكل خاص في وجود الأطفال الصغار ولقد درجت العادة في معظم دول العالم المتقدم على منع التدخين في وسائل المواصلات والمطارات والطائرات والمصاعد وتخصيص أماكن خاصة للمدخنين في المطاعم ومعاهد التعليم.. وكذلك فإن المناطق التي تتمتع بمناخ حار ورطب تكون هذه المشكلة أكبر حيث تستعمل المكيفات ليلا نهارا دون مراعاة تهوية الغرف المغلقة مما يزيد من خطورة هذه المشكلة. ان التدخين هو ظاهرة اجتماعية سيئة تحتاج إلى مجابهة من قبل المجتمع على كافة المستويات وتحتاج إلى قدر كبير من الوعي من قبل الأهل والرقابة الغير مباشرة لأولادهم والعمل على فتح حوار بين الأولاد والآباء لمناقشة كافة مشكلاتهم ويعطي فرصة في مساعدتهم في اختيار الأصدقاء ويجب على الأهل أن يكونوا القدوة الحسنة في نظر أبنائهم بامتناعهم عن التدخين وفي حال تعذر ذلك فيجب الامتناع عن التدخين داخل المنزل أو في السيارة. د. محمد صفوان موصللي _ أخصائي طب الأطفال والرضع ـ