بيان الكتب: طرحت السينما العربية ـ غير التجارية ـ أسئلة كبرى واجهت بها راهناً يمور بالمتغيرات، حتى لو ان بعضها كان نكبات ونكسات نتاجاً للأزمات البنيوية في دنيا العرب. فيما بعد، خصوصاً منذ مطالع ثمانينيات قرن مضى، بدأ يتبلور اتجاه سينما المؤلف ـ المخرج، حتى كاد يسود مجمل الانتاج السينمائي الغربي المتميز. هكذا بدأت الاسئلة الكبرى عن الذات الجمعية للعرب تنحسر، أو.. انها صارت في خلفية تلك الافلام، مفسحة البعد الأول والثاني من الكادر للسيرة الذاتية على خلفية مفصل تاريخي ما. ويكاد ابداع يوسف شاهين ان يكون نموذجاً مثالياً لهذا التحول بتوالي افلامه عن «باب الحديد ـ الأرض ـ الاسكندرية ليه ـ الاسكندرية كمان وكمان» غيرها . يسري نصر الله.. نموذجاً أو.. هكذا توخى الناقد نديم جرجورة، حين خصص كراسه النقدي عن سينما نصر الله بعد عنوان مفتاحي: «سؤال الذات» له دلالاته، حيث يقول: «على الرغم من اقتراب سينماه من سيرة ذاتية ما، الا ان يسري نصر الله حافظ على مسافة اساسية من تداعيات ذاكرته الشخصية ومساره الحياتي، دون ان يتجاهل العديد من التفاصيل والأحداث التي عرفها واختبرها وعاين حضورها ومتاهاتها». ورغم ان المخرج نفى مراراً ان يكون عمله الاول «سرقات صيفية ـ 1988، من بطولة عبلة كامل وشوقي شامخ» انعكاساً لحياته الخاصة حين قال: «كل الحكاية مؤلفة ـ متخيلة ـ في حين ان الجو ـ العام ـ الذي ارويه هو ما اعرفه جيداً، وما عشته». يُعلق الناقد جرجورة «في سرقات صيفية، اختصر المخرج يسري نصر الله نحو عشرين عاماً من مُعايشته مسار مجتمعه، فروى خلاصة تجربته الفردية والاجتماعية، في قراءة نقدية لمفاهيم الملكية والعلاقات والنظام العائلي». بعد خمس سنوات ينجز نصر الله فيلمه الروائي الثاني «مرسيدس ـ 1993» من تمثيل: يسرا ـ زكي فطين عبدالوهاب ـ عبلة كامل ـ تحية كاريوكا. وعن هذا الفيلم يكتب الناقد: «مرسيدس، علامة فارقة في تاريخ الحركة الانتاجية في السينما المصرية والعربية، من تسعينيات القرن العشرين، وهو يبدو لوهلة قاسياً في رسم اطار عام للأحداث المختارة، لكنه بقدر واقعية ما ينقل من حقيقة التطورات الحاصلة في مصر منذ عهد جمال عبدالناصر وثورة يوليو وهزيمة الاحلام الكبيرة، إلى اصولية التطرف الاسلامي في النصف الاول من هذه التسعينيات، ينغمس ـ الفيلم ـ في عبثية بطله نوبي ـ يؤديه ببراعة لافتة للنظر الممثل زكي فطين عبدالوهاب ـ الطالع من صدمة البيئة ـ حيث تضعه عائلته في مستشفى للأمراض العقلية ـ والمجتمع ـ حيث التطورات التي تناقضت مع الاحلام ـ والناس ـ حيث تداعيات التمزق العربي الذي نتج عن غزو العراق للكويت وحرب الخليج الثانية ـ هكذا يقرأ الفيلم، أو يحاول ان يقرأ، المناخات العامة، عربياً ودولياً: انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، العمال المصريين العائدين إلى بلدهم جثثاً في التوابيت، اصداء العنف الناتج عن صراع المتطرفين الإسلاميين ضد السلطة... صور عن الانهيار الاخلاقي وأزمة فقدان القيم، لكن الفيلم في المقابل، ينقل بعيني نوبي علاقة المخرج نفسه بكل تلك الأحداث الخطرة التي عاشها العالم وعاشتها مصر». أما عن فيلم يسري نصر الله الروائي الثالث «المدينة وووا ـ تمثيل: باسم سمرة، عبلة كامل، احمد فؤاد سليم» فيقول: «في هذا الفيلم، تعاون نصر الله مع الممثل باسم سمرة لتأدية دور ذاك الشاب ـ علي ـ المتمرد بقلق، والمتألم بصمت، والمشبع صدمات وانكسارات، الباحث عن عشقه الاول: التمثيل. لكنه وجد نفسه اسير معاناة قاسية لكل الاوجاع الشبيهة، التي انبثقت، فجأة من عمق المدينة الفرنسية، بل من قاعها المليء بالمهمشين والمشردين واللاجئين، ذوي الاحلام المجهضة والخيبات الدائمة.. كل ذلك يحدث مع علي، قبل ان تسرق باريس ذاكرته وتعيده إلى حيه الضيق في بلده، فاقداً معنى سيرته وتاريخه، لولادة جديدة». يشير الناقد إلى ان شخصية «علي» في «المدينة» ربما تجعل المشاهد يظن انها امتداد لشخصية «باسم» في الشريط الوثائقي «صبيان وبنات 1995». سيرورة الذات وسؤالها السينمائي ثمة اشارات دالة غيرها في تحليل نديم جرجوره النقدي لسيرة نصر الله الشخصية والسينمائية، منذ ان ولد عام 1952 في عائلة مصرية بورجوازية، قبل اسبوع واحد فقط من قيام ثورة يوليو!. واذا كان فيلم «رحلة إلى منتصف الارض 1959» لهنري ليفن، عن رواية لجون فيرن، قد جعل الفتى يسري يحب السينما ويقرر بناء حياته فيها، فقد استقر ولع الفتى بالسينما، من حديث متواصل عنها مع جاره بالطابق الأول في البناية ذاتها ـ المخرج شادي عبدالسلام، صاحب الفيلم الشهير «المومياء 1969». ليتسلل يسري ببطاقة انتساب احدى السيدات إلى «نادي القاهرة للسينما» ليتعرف إلى عوالم سينمائية مختلفة «برغمان ـ فيلليني ـ الن رينيه ـ فايسبندر» في مطلع السبعينيات، شكلت له ولجيل السينما الجديدة في مصر تربية سينمائية مشتركة: رضوان الكاشف ـ محمد كامل القليوبي ـ خيري بشارة واخرين. هكذا صار يسري نصر الله عضواً بارزاً في النادي وأحد كتاب المقالات في نشراته، قبل ان يمنعه أهله من التخصص السينمائي فيلتحق بكلية الاقتصاد غير انه ينتسب بعد عامين إلى معهد السينما، مشكلاً مع: عرب لطفي ـ محمد شعبان ـ محمد صلاح أبو سيف مجموعة طالبية رغبت في النزول إلى الشارع لتصوير ما «يحدث» وما «لا يحدث» لكن عميد المعهد شتمهم وطردهم من مكتبه واصفاً اياهم بالمجانين. ولأن يسري نصر الله من جيل لا يركن إلى شيء ترك المعهد، مواصلاً نضاله الطلابي، وعشقه للسينما في «اتحاد النقاد السينمائيين» وفي «جمعية الفيلم» وفي «نادي السينما». بعد تخرجه من كلية الاقتصاد، كافأه مدير معهد جوته في القاهرة بدعوته للمشاركة في مهرجان «مانهايم» السينمائي، وبينما لا يزال يسري في ألمانيا تلقى رسالة من صديقة له في لبنان، تسأله عما اذا كان يرغب في انتاج فيلم عن الأطفال الفلسطينيين. وصل يسري إلى بيروت عام 1978، ثم زار احدى مدارس مخيم تل الزعتر للتعرف على المكان والمناخ الاجتماعي والحياتي، وللقاء الناس خصوصاً الشباب الذي كانوا أطفالاً في الأردن حين وقعت مجازر أيلول الاسود 1970، غير ان مشروعه لم ينفذ لأسباب مالية وسياسية معاً، ولأن فكرة الفيلم الجريئة لم تنل اعجاب المعنيين مباشرة بالموضوع وبالتمويل. مع هذا، لم يغادر يسري نصر الله، واقعاً في غرام بيروت، رغم احتمالات الموت في فوضى الحرب الاهلية، ثم ليقع في غرام «اسكندرية ليه 1978» ليوسف شاهين، في عرض خاص بحضور مخرجه في بيروت!، ولم يكن نصر الله قد احب فيلم شاهين «العصفور 1973» لكنه احب «عودة الابن الضال 1976» لعوامل عدة، أبرزها النص المتأثر بأندريه جيد، الذي اطلق عبارته الشهيرة: «ايتها العائلة، اني اكرهك». بعد عودة نصر الله إلى القاهرة 1982، توطدت علاقته بيوسف شاهين، فإذا به يعمل مساعداً له في كتابة سيناريو «وداعاً بونابرت 1984» وفي اخراجه، ثم مخرجاً منفذاً لـ «اسكندرية كمان وكمان 1990 ـ القاهرة منورة بناسها 1991». إلى ان يخرج يسري نصر الله فيلمه الوثائقي «صبيان وبنات» عام 1995، ومن ثم افلامه الروائية الطويلة: سرقات صيفية ـ مرسيدس ـ المدينة، لتضعه بين طليعة مخرجي السينما الجديدة في مصر، خلال حقبة التسعينيات من قرن مضى. بين يوسف شاهين وشادي عبدالسلام اذا كان شادي عبدالسلام قد رسخ عشق السينما في يسري الفتى، والخصوصية الاخراجية التي تبدت في «المومياء»، فإن يسري نصر الله قد عبر في اكثر من حوار معه عن اعجابه الكبير بيوسف شاهين الذي تعلم منه اشياء كثيرة في إدارة الممثل، والانضباط الهائل في العمل مراحل الكتابة الاولى وحتى آخر نسخة تخرجة من المعمل، والاهم انضفار الحب في السينما. يلخص يسري الفرق بين الرجلين: «لا شيء يمكنه ايقاف شاهين عن العمل، لا كلفة الانتاج ولا المال، واذا لم يكن معه ما يكفي من المال فإنه يصور، وسيعثر على طريقة لانجاز الفيلم الذي يريد، ويصنعه بما يستطيع، حيث لا شيء يوقفه عن العمل مهما كان الظرف.. على عكس شادي عبدالسلام، الذي كان قد جلس ليرسم، بدقة وعناية فائقتين، كل ديكورات فيلم اخناتون ـ الذي لم ينجزه ـ ثم لن يبدأ التصوير الا بعد الحصول على التمويل الخرافي الذي يحلم به، لينجز فيلمه.. هذه حالة فنان، لكنها ليست بالضرورة حالة سينمائي».