بيان الكتب: المناطق العشوائية ظاهرة خطيرة جدا ولدت في كنف أزمة الاسكان ونمت في غياب القانون وكبرت وترعرعت في ظل الانفجار السكاني المتلاحق. وقد طفت هذه الظاهرة على سطح الحياة العربية بصفة عامة والحياة المصرية بصفة خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة الأمر الذي أدى الى ظهور نتائج خطيرة أثرت تأثيرا مباشرا على صورة الحياة اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا أيضا. حول هذه القضية المهمة يقدم لنا الباحث علي فهمي كتابه الجديد (العشوائيات والحياة الاجتماعية) ويتوقف عند القاهرة باعتبارها واحدة من أقدم وأكبر وأهم المدن على مستوى العالم المعاصر، مؤكدا أن استقراء مصادر التاريخ الاجتماعي لهذه المدينة العريقة يوضح أن هناك خللا واسع الانتشار قد اعتور ثقافة العمران بالقاهرة منذ بواكير نشأتها، ويرجع هذا الخلل الى عدة أمور أهمها أن العواصم الأربع التي تألفت منها القاهرة الحالية نشأت كل منها بحسب الأصل لتكون مدينة عسكرية بالنسبة للفسطاط وللقطائع وللعسكر أو مدينة ملوكية مثل قاهرة المعز وبالتالي فقد غلبت أغراض الإنشاء والنشأة على خطط المدينة بدون اهتمام جدي بالأغراض المستوحاه عادة من إنشاء المجتمعات المدنية، كما نضيف الى ذلك بعض الأمور التي تتصل بما يسمى بالطابع القومي للشخصية، ونحن نهتم بالشكل أكثر من اهتمامنا بالجوهر عادة ومن ثم فنحن نفسر ملاحظة المؤرخين والرحالة في الماضي وما نلاحظه اليوم من أن القاهرة لا تعدو بعض الشوارع القليلة التي بها بعض الابهار وتتسم ببعض النظام وتحجب بالكاد الكثير من التشوهات الاسكانية كما لا يخفى ما للفوارق الطبيعية المذهلة والمستمرة عبر العهود المختلفة من انعكاسات واضحة على التخطيط للأحياء والشوارع والمساكن بحسب التمايز الطبقي واللجوء الى لعبة التشريع لحماية تقلبات الاهواء والتمايزات. ويؤكد المؤلف أن الفقراء في مصر عبر التاريخ الطويل كانوا يعانون من إسكان غير ملائم وغير صحي واذا كان الفقراء لا يزالون هم الأغلبية الصامتة المقهورة فإن مصر عرفت أزمات متصلة في ميدان اسكان الفقراء حتى عندما كان عدد السكان منخفضا ولم تقتصر عدم ملائمة اسكان الفقراء على الريف بل كان الأمر نفسه في المناطق الحضرية وعلى الأخص في العاصمة. لقد كان الهرم والقصر في الماضي هما المقابلان للكوخ الفقير، كما أن القصور والشقق الفاخرة، هي المقابل اليوم لمساكن الايواء وساكني أحواش القبور والقش والاسكان العشوائي الفقير. وعمليا لا يمكن الفصل بين سياسات الاسكان من ناحية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية من ناحية أخرى ولعل المقارنة البسيطة توضح أن أبعاد الأزمة بالنسبة لاسكان الفقراء وطرائق مواجهتها. بين حقيقتين تاريخيتين متتاليتين مباشرة وإن كانتا متناقضتين وأولهما: الحقبة الناصرية ثم حقبة الانفتاح الممتدة حتى الآن. ومن ثم فإن الحلول وطرائق المواجهة فيما يتعلق باسكان الفقراء من الضروري أن تمس جوهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة تلك السياسات التي أثبتت التجارب مدى قصر نظرها لأن التقتير في الانفاق العام في ميدان اسكان الفقراء في مصر قد يدفع المجتمع كله ثمنا باهظا له ومن هنا وجب التنبيه والتحذير. القاهرة ـ مصطفى علي محمود