يذكر الدكتور الغامدي مترجم كتاب: الدور العربي في التاريخ الادبي للقرون الوسطى ان هناك اسبابا عدة دفعته الى ترجمة هذا الكتاب من الانجليزية الى العربية، وهي حسب ورودها في مقدمته: ان مؤلفته الدكتورة ماريا روزا مونيكال تقدم فيه اطروحة تتسم بالشمولية والجدة مفادها ان تاريخ الادب الاوروبي القروسطي قد كتب بطريقة استبعدت او همشت الحضور العربي الاسلامي في اوروبا. وثاني هذه الاسباب التخصص الاكاديمي للدكتورة مونيكال في الدراسات الرومنثية مما يجعلها اكثر موضوعية في مناقشتها للأدب العربي الذي كتب في اوروبا خلال القرون الوسطى وصلاته بغيره من الاداب الاخرى. وسبب ثالث يورده الدكتور الغامدي هو المفهوم الواسع لمسألة التأثير والتأثير بين النصوص العربية وغيرها من النصوص الاوروبية الاخرى، وهي تستند الى آلية معقدة تتجلى في تحليلها لمختلف ضروب التفاعل النصي وتأثير التحوير وتأثير التناص وتأثير رد الفعل، بل وحتى تأثير الرفض «وتأثير الرفض تستند اليه في تفسيرها العلاقة ما بين «المعراج» ودانتي. ويسهب الدكتور الغامدي في الاسباب الدافعة الى ترجمته ومنها التحليل المقارن لنصوص عربية صقلية واندلسية شعرية ونصوص ادبية اخرى كتبت بلغات اوروبية متعددة. ظهرت الطبعة الانجليزية الاولى لكتاب الدور العربي في التاريخ الادبي للقرون الوسطى اول مرة سنة 1987م وتروي في مقدمتها قصة اندهاشها وهي طالبة على مقاعد الدرس الجامعي تحضر اطروحتها عن اللغات الرومانثية القروسطية حيث تقع بالصدفة على الفعل العربي «طرب» بالصدفة تقريبا في صف اولي تدرس فيه اللغة العربية، وتكتشف رويدا رويدا، القصة الطويلة للخصومات العلمية المريرة تأثيل كلمة «تروبير» «البروفنسية» وامتدادا لذلك حول تأثيل كلمة «تروبادور» وكل التركيبة الثقافية التي اثارتها هذه الكلمة ايضا، وتمضي المؤلفة قدما في تقديمها للطبعة العربية في شرح دوافعها لكتابة اطروحتها ومحاولتها الموضوعية في انصاف الدراسات والاثل العربي لجل الثقافات الاوروبية القروسطية، مستندة في ذلك على اطلاعها الواسع، بلغات اوروبية متعددة، وبمكتبات متفرقة في شتى الاصقاع الاوروبية، كي تقدم لنا اطروحة متنوعة لا تستند الى المركزية الاوروبية في ارجاع كل شيء في الثقافة الاوروبية القروسطية الى الاسالاغريقي مباشرة، ولا الى الفوات الحضاري الذي يسم الدارسين العرب كرد فعل بدائي ضد هيمنة المركزية الاوروبية. تقدم الدكتور مونيكال النظرة الاوروبية المسبقة، لانكار الاوروبي للاصل العربي القروسطي قائلة: ان التراث البحثي الاوروبي ينطوي على نظرة مسبقة لماضيه القروسطي وعلى مجموعة من الفرضيات حوله، هي ابعد من ان تفضي الى عدة عناصره السامية فاعلة ومركزية، فالهدف هو استكشاف اشكالها، وكذلك مواطن الضعف والقصور فيها، وتبيان وجهات النظر المختلفة التي يمكن ان تظهر للعصر لو اننا قادرون على تجريد انفسنا من بعض المفاهيم المحتفى بها «للغربية». لكن ماهي الاسطورة الغربية في علم التاريخ الادبي القروسطي؟ ماتقترحه المؤلفة ببساطة ـ ضداً على المركزية الاوروبية ونقيضها العربي ـ هو ليس ابعاد توما الاكويني او تبديله، على العكس من ذلك فهي تقترح اضافة ابن رشد له، وعندئذ ربما بدأنا نرى الدرجة التي كان فيها توما الاكويني صدى لاخر تعني هي صدى للنصوص الرشدية. ان اطروحة الغربيين تتلخص في انهم لا يتخيلون ان قوة ثقافية تبدو الان غريبة عن ثقافتهم الخاصة «وهذه القوة الثقافية، هي ثقافتنا العربية» كانت تشكل ذات يوم جزءا من اساس الثقافة الاوروبية. هكذا كما الانسان محدث النعمة، الثري الحالي، الذي يحاول طمس ماضيه الفقير، المرشد، او ماضيه الاصيل، الطيب. لقد ترجم الدكتور صالح بن معيض الغامدي هذا الكتاب الذي يعيد النظر في كثير من البدهيات الراسخة في اذهان دارسي الوشائج العربية ـ الاندلسية، والانكار الاوروبي الاكاديمي للدور العربي الحضاري الانساني في مسيرة الحضارة الانسانية لا بل التنصل من الارث الثقافي العربي القروسطي، والذهاب بعيدا ومباشرة بآن معا نحو الاثل الاغريقي، ذو فضاء معزول وأوحد، لا بل ان الاثل الاغريقي ذو فضاء ارحب لا يتوقف حده عند مدرسة الاسكندرية، متوغلا اساسا الى مابين النهرين. لقد بين الدكتور الغامدي خطته في الترجمة، وصعوباتها، لقد واجهته صعوبات جمة تطلب منه التغلب عليها جهدا كبيرا ووقتا طويلا، وقد امضى اكثر من عامين منكبا على اعدادها ثم يمضي الغامدي في طرحه لآليات هذه الترجمة، ويضع في اخر الكتاب ثبتا بالمصطلحات المهمة الواردة في الكتاب، بالانجليزية والعربية ثم يضع ملحقا مهماً جدا بأهم الاعمال الادبية المذكورة والمدروسة في هذا الكتاب، وهذا الملحق مهم جدا لاسيما ان جل الاعمال الادبية هي من وشيج اوروبي قروسطي، لانجد اغلبه منقولا الى العربية. غير انني استطيع ان اضع بضع ملحوظات على الترجمة ترجمة الديكاميرون للايطالي بوكاشيو بمصطلح الايام العشرة، هو ترجمة حرفية، كان على الغامدي ان يعربها لا ان يترجمها، وهي تماما مثلما فعلوا في ترجمة فرايدي تابع روبنسون كروزو بـ «جمعة» وهي ترجمة حرفية تحيلنا مثلا الى من يحاول اعادة ترجمة مطران لاسم عطيل الى اثله الانجليزي اوتيللو وترجم الغامدي جبال البيرنيه بجبال البرت PYRENEES وجبال البيرنيه اشهر من ان يخطيء فيها احد، خاصة في وجودها في موروث الفتوحات العربية الاسلامية، كذا وردت هذه الترجمة في ص50. جاءت جل ترجمات الغامدي للاعلام الاسبانية والاندلسية وهي اس الكتاب خالية من حرفي الثاء والخاء، وظن ان مبعث هذا الخطأ الشنيع هو ترجمته لاسماء الاعلام والاماكن الاسبانية والاندلسية عن طريق لغة وسيطة هي الانجليزية، كيف لا، والانجليزية هي اللغة المدون فيها كتابنا هذا، هكذا فآسين بلاثيوث يصبح بلاسيوس، وثربانتس يصبح سرفانتس، ودون كيخوته يصبح دون كيشوت، وسان خوان دي لاكروث يصبح سان جوان دي لاكروز وكان على المترجم ان يرجع الى المعاجم العربية عند مناقشة المؤلفة للوشيجة مابين طرب وغنى وتروب TROB في الصفحة الرابعة، لا ان يكتفي بهامش صغير، حتى ولو انه وضع شرطا مسبقا بعدم اثقاله الترجمة بالحواشي الكثيرة، ولا نريد ان نمضي بعيدا في تقريظ الغامدي، فحسبه انه نقل الينا كتابا قل نظيره في انصاف حضارتنا من منطلق موضوعي وعميق. عبداللطيف خطاب