بيان الكتب:أضحت مسألة الوفاق الوطني (التسوية السياسية في البلاد) محوراً مركزياً في الجدل السياسي في السودان منذ ما يربو على خمس سنوات، وينهض الخلاف الفكري حول قضية الوفاق الوطني، على أسس مفاهيمية ومرجعية تتمحور حول نتائج أعمال الحوار الساعي إلى تحقيق الوفاق الوطني، وتتلخص في سؤال محوري عن ما يفضي إليه الوفاق الوطني في نهاياته: هل ينتهي بالفرقاء السودانيين إلى المشاركة في الحكم ونسيان الماضي بكل جراحاته وحروبه الدامية وضحاياه الأحياء والأموات؟ أم سيفضي إلى تفكيك نظام الحكم القائم واعادة بناء الدولة على أسس تنهض على احترام حقوق الإنسان، وإقرار الحريات العامة، والتداول السلمي للسلطة عبر آلية صناديق الاقتراع، ومداواة جراحات سنوات القسوة والقهر، ومحاسبة رموز الفساد والكبت؟ وقدمت النخبة السياسية والفكرية والأكاديمية في السودان مساهمات مقدرة في هذا السياق، واشتعل الجدل طوال السنوات الماضية، وظل السؤال المحوري قائم، ومازال، وجاء كتاب (الوفاق الوطني: مشاركة في السلطة.. أم تفكيك للنظام؟) مع استخلاصات لمشروع ميثاق وطني حول الوفاق والسلام، لمؤلفه الصحافي السوداني عوض الكريم موسى اضافة جديدة للجدل شغل السودانيين كثيراً، ومازال طازجا. وأشار الكاتب في تقديمه للكتاب إلى أنه يسعى إلى: (ترسيخ أسس على بنية من المبادئ، وتوطد دعائمه على أرضية واضحة من المناهج، يستهدف إشاعة أدب الوفاق والتوفيق والاتفاق، الذي هو طرف من أدب الاختلاف وذلك حتى لا يكون الوفاق قاصرا على القيادات، سواء من النظام أو المعارضة، وإنما يمتد إلى القواعد الشعبية الواسعة التي ستكون هي الساحة التي تستهدفها الحركة السياسية في المستقبل المنظور، ويحمل الكتيب رسالة الوفاق المستدام الذي يبدأ ولا ينتهي بانعقاد المؤتمر الجامع وانما يمتد إلى مرحلة الممارسة السياسية التعددية التي سيسفر عنها حوار الفرقاء السودانيين، ذلك لأن رسالة هذا الكتاب ليست ظرفية، ومعالجته ليست وقتية بقدر ما هو مواجهة كاملة لقضايا الوطن المصيرية، وإرساء لمستقبل الاستقرار السياسي. ويدعو الكاتب أطراف الوفاق الوطني (الحكومة والمعارضة) إلى ضرورة الاعتراف المتبادل بمعطيات الأمر الواقع الذي اشتركا في تكوينه، ولخص تلك المعطيات في: تعثر مخطط المعارضة لإسقاط النظام من جهة، وتعذر استبعاد المعارضة عن المشاركة في تشكيل المستقبل السياسي من جهة أخرى، واعتبر الكاتب ان هذه الحقيقة أضحت أمرا واقعا جديدا يعجل بالوفاق السياسي، وما يقتضيه من تناقض سلمي مشروع منتج ومجد للطرفين، كبديل عن الصراع والعنف ونتائجه المدمرة. إضافة إلى تطور النظام من الوضع الاستثنائي الانتقالي الى الوضع الدستوري المؤسسي، ثم الانفتاح السياسي الذي أعقبه بكل ما يكتنفه من تحول ديمقراطي واطلاق الحريات السياسية وتطبيع التعددية الحزبية. وأشار الكاتب الى ان هذا الوضع الجديد ينزع عن نظام الحكم صفة الشمولية الأمر، الذي شجع المعارضة على التجاوب مع المتغيرات الداخلية والانفتاح على الداخل، وهو الذي يجعل من اتهام أركان الحكم ورموزه لقيادات المعارضة بالخيانة والعمالة أمرا غير موضوعي، ودعا الكاتب طرفي الصراع الى انتاج خطاب سياسي عقلاني متبادل بوقف سيل الاتهامات العريضة المتداولة. ورأى الكاتب أن نظام الحكم مازال يتمتع بقوة ذاتية ومكتسبة مكنته من صد الموجات المتلاحقة من الاستهدافات لدرجة لم تستطع في ظلها تلك الاستهدافات من تحقيق غاياتها، هذا فضلا عن تأسيس بنى اقتصادية واستثمارية وسياسية من الممكن أن تسهم في قيام نهضة اقتصادية كبرى. ويشير الكاتب الى أن الوجه الآخر للأمر الواقع بقوته وشرعيته فهو وضع المعارضة.. فقد استطاعت أن تثبت وجودها السياسي، وحضورها الاعلامي، وحركتها الاتصالية سواء في الخارج او الداخل وذلك من خلال أنشطتها العديدة في مناهضة نظام الحكم، ومن خلال قاعدة تحالف واسع ضم التكوينات السياسية المعارضة للحكم، وأنجز هذا التجمع رؤى مشتركة لحل قضايا الوطن بجانب الرؤى الحزبية الخاصة، ويكتب المؤلف.. هذه الرؤى أن استبعدنا عدائيتها الاستئصالية للنظام، وحمايتها التحالفية مع حركة متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان، فهي تصلح كأساس للحوار الوطني مع نظام الحكم القائم، من اجل صياغة مبادئ أساسية، وقواعد منهجية لصناعة مستقبل سياسي جديد في السودان. ويؤكد الكاتب أن للمعارضة الخارجية نشاطا ممتدا للمعارضة الداخلية وذلك بموجاتها المتلاحقة عبر منابرها التقليدية والمستحدثة للتعبير عن آرائها وأفكارها وتسويق تصوراتها، ويوضح الكاتب أن المعارضة الداخلية اكتسبت تجربة سياسية كبيرة، خلال سنوات الإنقاذ و أفرزت كوادر قيادية جديدة. ودعا الكاتب المعارضة والحكومة في السودان إلى إجراء عملية استخلاص حاذقة تنتقي العناصر الموجبة من ركام العناصر السالبة لمراكمة مصادر قوة دافعة لتحقيق الوفاق الوطني المستدام. ويرى الكاتب أن الوفاق الوطني يمثل الطريق الممهدة لتحقيق السلام الوطني في السودان وإيقاف نزيف الحرب القاتلة في جنوب البلاد، ويدلل على ذلك باتفاق الحكومة والمعارضة على مبدأ تقرير المصير لجنوب البلاد، معتبرًا أن الحكومة والمعارضة يمكنهما بناء أية اتفاقات قادمة على مبدأ تقرير المصير الذي سيحدد طبيعة الفترة الانتقالية بما يحمي الإرادة الجنوبية السودانية من أي تأثير انفصالي خارجي، وبما لا يغير من الوضع الدستوري الراهن لجنوب البلاد في إطار الحكم الفيدرالي إلى أن يتم إجراء استفتاء حول مصير جنوب السودان ومستقبله، مبينُا أن ترتيبات الأوضاع الانتقالية وإجراءاتها الاستثنائية لن تكون مصدر خلافات جوهرية بين الحكومة والمعارضة، بما في ذلك ترتيبات تطبيع الحياة، والإجراءات الأمنية والإدارية الاستثنائية. ودعا الكاتب إلى اعتماد نتائج مباحثات الحكومة مع حركة متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان في إطار مبادرة المنظمة الحكومية لمحاربة الجفاف والتصحر «إيجاد» كمرجعية لوضع الأجندة لكن الكاتب أهمل مقررات اسمرا للقضايا المصيرية التي أقرتها الأطراف السياسية السودانية بما فيها القوى السياسية بجنوب البلاد التي يرى قدر وافر من النخبة السودانية أنها افضل صيغة لمعالجة أزمتي الحكم والهوية في السودان. وأجمل الكاتب التحديات التي تواجهها القوى السياسية السودانية في ظل الوفاق المستدام في بناء وتطوير حياة سياسية ديمقراطية جديدة على أساس كفالة الحريات العامة، وتطبيع التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والمسؤولية التضامنية فيما يتصل بمصالح البلاد العليا في إطار المنظومة الدستورية، ومواجهة تطورات قضية الجنوب بأجندة مشتركة وموقف موحد بين سائر القوى السياسية في شمال السودان وجنوبه، على أن تنهض الحقوق والواجبات العامة على أساس المواطنة دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو الثقافة، المشاركة المتساوية في السلطة والمشاركة العادلة في الثروة، كفالة الحريات الدينية والثقافية وحقوق الأحوال الشخصية، استمداد التشريع العام من المرجعيات العامة لأهل السودان كالشريعة الإسلامية والعرف.. الخ ورعاية حرمة الحريات الثقافية في الحياة العامة، إلحاق العدالة الاجتماعية بالحرية الاقتصادية حتى تكتمل أطراف معادلة التغيير، استكمال التطور الأفقي في مجال التعليم بالتطور الرأسي من خلال إعادة النظرة في البنى والهياكل التعليمية العامة والعليا وذلك بإحداث تطوير نوعي في المناهج وترقية الوسائل وتأهيل الكوادر مع إتاحة قدر وافر لتطوير البحث العلمي ماديًا وأكاديميا وبنيويًا، مع تطوير الحكم الفدرالي ليعطي شعار التوزيع العادل للسلطة والثروة معناه العميق. ويخلص الكاتب إلى أن الوفاق المستدام لم يعد قضية تخص الحكومة والمعارضة، وإنما هو إرادة شعبية لا مناص منها، ولا نكوص عنها لأن مستقبل البلاد مرتبط به وحده، كما لم يعد السلام الدائم قضية خاصة بالحكومة وحركة متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان، و إنما هو تطلع ملح لسائر القوى السياسية والاجتماعية في الجنوب، حتى باتت هذه القوى تحاصر «الحركة الشعبية» بالتساؤل عن غاية هذه الحرب في وقت توافرت فيه كل مقومات السلام. ودعا الكاتب القوى السياسية السودانية إلى بذل جهدها في تفكيك عوامل التخلف واحتواء مظاهر التطرف، والعمل على تعزيز المزاج السوداني الناهض على التسامح والألفة والكاره للحروب والدمار والقتل. نخلص إلى أن «كتاب الوفاق الوطني: مشاركة في السلطة أم تفكيك للنظام» أحد الاجتهادات الفاعلة في جدل التسوية السياسية في البلاد. ومساهمة مقدرة في قضية شغلت السودانيين لعقد من الزمان أو يزيد، مستصحبة معها تجارب موغلة في القدم، منذ أن نال السودان استقلاله والى اليوم. محمد الاسباط