بيان الكتب: على عكس مايظن البعض أن الري في مصر كان يسيرا مريحا نظرا لوجود نهر النيل الذي يمر فيها من جنوبها الى شمالها على العكس من ذلك تماما كان الري وتاريخه في مصر فالوقائع والحقائق التاريخية الصادمة والمسكوت عنها تكشف، ان تاريخ الري في مصر تاريخ مروع اذ يكشف كتاب تاريخ الري في مصر لمؤلفه عبدالعظيم محمد سعودي عن فظائع مهولة على الرغم من انه لا يتطرق الا لفترة تاريخية محدودة في هذا التاريخ الطويل، وهي التي تبدأ مع تاريخ الاحتلال البريطاني لمصر 1882 وتنتهي بقيام الحرب العالمية الأولى 1914 وقد مهد الباحث لفترة دراسته بمدخل تاريخي موسع ومفصل يشمل أهم ملامح تاريخ الري وتطوره في مصر منذ ولاية محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر وصولا الى بدايات امتلاك بريطانيا لمصر. وتبعا للوقائع والأحداث والحقائق التاريخية المسكوت عنها برغم من قيدها في الوثائق والمضابط الحكومية التي أوردها الكتاب فليس من المبالغ فيه أن نصف تاريخ الري في مصر انه تاريخ دموي فكلما أبحرنا في كتاب تاريخ تطور الري في مصر، كنا كمن يغوص في مجازر بشرية على طول وادي النيل تحول فيها نهر النيل الى نهر من الدماء من كثرة ما أريق فيه من دماء الفلاحين المصريين وتحولت القناطر والجسور التي على النيل وكأنها من جثث هؤلاء الفلاحين لا من صخور وأحجار. نبدأ من تربع محمد علي باشا على عرش مصر 1805 ووضع كل ثرواتها ومقدراتها وأهلها في قبضته ظلت تساق وتساق جموع الشعب لخدمة ري أراضي الباشا من فلاحين وعمال وأصحاب حرف وشيوخ واطفال ونساء وجحافل لا تنقطع من الشعب المصري بل الشعب كله حيث كانت تعداداتهم لا تقل عن 400 ألف وقد تصل الى 800 ألف من شعب تعداده آنذاك لا يتجاوز أربعة ملايين نسمة يساقون بالسخرة الاجبارية تحت شمس حارقة وكرابيج تأكل في لحومهم ينزعون من قراهم ويساقون مئات الأميال بعيدا عنها حيث يبنون السدود ويحفرون الترع بأصابعهم وأظفارهم ولا تفارق الكرابيج ظهورهم مهما بذلوا من جهود في أعمالهم فإن أفلتوا من الموت تحت الكرابيج لم يكن لهم الافلات منه ولا من الجوع والبلهارسيا والكوليرا وغيرها من الأمراض الوبائية هكذا ظل المصريون يعملون بلا أجر ويموتون بلا ثمن ليس لأنهم لم يتقاضوا آجرا عن هذه الأعمال التي بذلوا فيها حياتهم بل لأن هذه السخرة في أشغال الري لم تكن أبدا يوما لهم أو من أجلهم ولم تعد أبدا يوما عليهم هي أشغال في الري يحفرون فيها الترع ويشقون المصارف ويبنون السدود والجسور يوفرون بها الماء للنهوض بالزراعة ولكن هذه الزراعة لم تكن الا في اراضي الباشا ولا يعود عائدها الا على الباشا، ولما لا، وهو المحتكر الوحيد لاراضي وزراعات مصر تدر عليه ذهبا يراكمه في خزاناته الخاصة ليغذي به مشروعاته الصناعية والاقتصادية التي لم تكن أيضا لا لمصر أو المصريين كما يشاع في هذه الأكاذيب التي تم تداولها والالحاح بها حتى صارت حقائق بل كان يسخر كل هذا لخدمته، آلته الحربية لأغراض بناء امبراطوريته .