يربض هذا المعبد الرومانسي منذ قرون في عزلة ريفية رائعة على سفح تلة مكسوة بالغابات تطوقها تحت حقول الارز مدينة ناعسة وهي واحدة من اقدم المدن في جنوب شرق آسيا. لقد اخذت وات فو، جوهرة لاوس المعمارية، وما يحيط بها من اضرحة قديمة ومنازل حديثة وطرق وقنوات، تستفيق من غوفتها الطويلة. ويأمل علماء الآثار ان لا تكون اليقظة الجديدة فظة وقاسية. ويخشى هؤلاء العلماء ان تقع ما سمي في السنة الماضية «منطقة تشامباساك الطبيعية الثقافية» من قبل منظمة اليونسكو التي اعتبرتها موقعا تراثيا عالميا، فريسة التلف السياحي حتى قبل وضع خطة ادارية صحيحة لحمايتها. كما يخشون ترميمها بسرعة بالدولارات السياحية دون احترام الاصالة التاريخية والمحافظة عليها. ويقول ريتشارد انغلهارت، مسئول اليونسكو الثقافي لمنطقة اسيا انه «لا يمكن ان تنشيء مركزا كبيرا للزوار اذا كنت لا تستطيع ان تقطع الاخشاب». إن الحاجة ماسة لتنفيذ اشغال ترميم واسعة. فالعوامل الطبيعية القاسية تتلف المنحوتات الحساسة، والمسئولون يخشون ان تنهار السقوف على رؤوس الزائرين يوما ما اذا اتكأ احدهم الى احد المداميك. والواقع ان القوافل السياحية المنبهرة بالجمال الاخاذ تأتي اليوم بصورة متلاحقة، حتى بلغ عد السياح في السنة الماضية خمسين ألف سائح، في حين لم يتجاوز العدد قبل سنوات قليلة بضع مئات. تمتد اروقة وات فو وقصورها الرشيقة والانيقة التي بنيت بين القرنين السابع والثاني عشر لمسافة 1530 مترا على ستة مدرجات طبيعية عند المنحدرات السفلى لجبل مقدس مكسو بالغابات بالقرب من الحدود العصرية مع كمبوديا. ويطل المجمع على مجرى نهر ميكونج العريض. لقد اكتشفت مدينتان قديمتان في المنطقة، وهما شريسترابورا التي تعود الى القرن الخامس وكانت مهدا لامبراطورية انغكور العظيمة التي سيطرت على معظم اراضي جنوب شرق اسيا وبنت المعابد الرائعة في كمبوديا، ومدينة لينغابورا التي عاشت من القرن التاسع حتى اواخر القرن الثالث عشر. ولاسباب لاتزال مجهولة، عادت الثقافة الراقية للمنطقة الى حالة بدائية على غرار ما حدث لأوروبا الغربية اثر سقوط الامبراطورية الرومانية. ولقد ظلت المنطقة مأهولة بالسكان طيلة القرون المتعاقبة، إلا ان هؤلاء كانوا قرويين يعيشون في اكواخ ذات اساسات ضحلة ولم تنزل محارثهم الى اكثر من 15 سم في الارض. وعليه يعتقد ان مدينة شريسترابورا المغطاة بالتراب محفوظة في حالة جيدة. وتقول باتريريزيا زوليسي عالمة الاثار الايطالية التي بدأت الحفريات الرائدة قبل عشر سنوات: «هذه ارض لاتزال عذراء. كل ما عثرنا عليه كان جديدا ومصنوعا بطريقة جميلة». وقد تمكن الفريق الذي ترأسه زوليسي والتابع لمؤسسة ليريتشي بمقارنة خرائط الفريق بخرائط جوية فرنسية وسوفييتية قديمة من تحديد تعرجات الاسوار القديمة وقنوات الري وطريق مؤدية إلى انغكور، داخل منطقة مساحتها 154 ميلا مربعا. ورسم اعضاء الفريق خرائط للمنشآت الموجودة داخل المدينتين واجروا حفريات في بعض المواقع عثروا فيها على قطع ومحفوظات اثرية اضيفت الى المخازن المليئة بالتماثيل والمنحوتات التي عثر عليها في وات فو. ومن ابرز اللقى بقايا باحة منزل من القرن الحادي عشر مساحتها 120 مترا مربعا احتوت على خزفيات صينية كانت ملكا لساكني المنزل. وفي حين اجريت دراسات واسعة على النصب الكمبودية، وخاصة تلك الموجودة في انغكور ـ تقول زوليسي انه لا توجد معلومات كثيرة عن الحياة اليومية والمجتمع خلال حكم الامبراطورية الانغكورية ومرحلة فجر التمدن التي سبقتها في جنوب شرق آسيا. وفي رأي زوليسي ان منطقة تشامباسك هي من المناطق القليلة التي يمكن البحث فيها عن مثل هذه المعلومات، لانها من المنطقة النادرة التي بقيت فيها التقنية الهندسية والمعمارية محفوظة دون تغيير ولم تتأثر بمحاولات الترميم التي جرت خلال القرنين الماضيين، وهي تقول انه يمكن دراسة هذه البقعة لمدة 30 سنة. غير ان اليونسكو تنبه الى ان ما بقي سليما طيلة القرون السابقة قد يتضرر او يكون مصيره التلف والدمار الى ما لا رجعة عنه في غضون سنوات قليلة بسبب شبكات الطرق العصرية والمنشآت وبناء شبكات الري وتقطيع الغابات وعدم ضبط الحركة السياحية. لقد بقيت لاوس معزولة عن العالم الخارجي قرابة ثلاثة عقود بسبب الحروب والانتصارات الشيوعية في الهند الصينية. ومع استتباب السلم وجدت نفسها على مفترق الطرق وحركة المرور بين تايلند وفيتنام وكمبوديا. وتشير زوليسي إلى ان احد ابرز مؤشرات التغيير السريع هو ان صانعي الاواني الفخارية والخزفية المحليين اصبحوا عاطلين عن العمل مع وصول الطرق والبائعين الذين جلبوا معهم السلع البلاستيكية التي حلت محل الاواني التقليدية. وتم تبني خطة اليونسكو التراثية لتشامباساك الهادفة الى حماية وترميم المنطقة في العام 1998. وتضم الخطة المؤلفة من 567 صفحة كل شيء. من وقف التآكل والانجراف الخطر للمنحدر الذي تقوم عليه المعابد الى اقامة منطقة بيئية تمنع فيها كافة الانشاءات وقطع الاشجار. وتحولت الخطة والعمل الذي تقوم به زوليسي الى اداة تدريب للاوسيين. فليس هناك معهد آثار في البلد وقد لا يزيد عدد علماء الاثار فيه على اربعة علماء. كما تعاني لاوس التي تعتبر من افقر بلدان العالم من البيروقراطية غير الكفؤة والفساد وعدم الاهتمام بالمحافظة على القديم. ويقول ماورو كوكارزي عضو الفريق الاثري الايطالي: ماذا فعلت السلطات اللاوسية في السنوات العشر الماضية؟ في الحقيقة استطيع القول انها لم تفعل شيئا اللاوسيون لا يعرفون ماذا ينبغي عليهم ان يفعلوه. كل يريدونه هو المال. ويخشى الفريق الايطالي ومسئولو اليونسكو ان تطلق السلطات اللاوسية العنان لأيدي كل من يأتي لها بالمال، كائنا من كان هذا الآتي بالمال، ودون اي اعتبار لخطة الادارة. وتقول زوليسي انها التقت مؤخرا بوفد ياباني ابلغها ان الحكومة اليابانية ستنفق 20 مليون دولار في وات فو. ولكن ناطقا باسم وزارة الخارجية اليابانية في طوكيو قال ان القرار النهائي لم يتخذ بعد وانه ينبغي ان يقوم فريق دراسي بزيارة لاوس اولا. وقال كوكارزي: اذا كنت تملك مالا كثيرا تتكلم مباشرة مع رئيس الوزراء وتقول لهم: هاكم المال موضوع على الطاولة. اريد ان ابدأ العمل غدا. وهذا ما يقلقني».