«مئة فيلم وفيلم» هذا هو العنوان الذي يمكن اطلاقه على الدورة الرابعة والخمسين من مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي الذي انطلق في الساحة الكبرى من المدينة «الواقعة في الكانتون الايطالي من الكونفدرالية السويسرية» مساء الخميس الماضي. وكانت المدينة «واوروبا عامة» ترزح قبل حفل الافتتاح تحت خيمة من الحر الشديد والرطوبة العالية التي جعلتا مختصي الارصاد الجوية فتح ارشيفاتهم للعثور على طقس مشابه للطقس الذي يخيم على هذه البلاد في هذه الايام من نهايات يوليو والايام الاولى من شهر اغسطس. الا ان المناسبة، افتتاح الدورة الرابعة والخمسين من المهرجان، اكبر بكثير مما تقف امامه درجات حرارة تسجلها قطرة زئبق في محرار، لذا اكتظت الساحة الكبرى، كما هي الحال في كل عام، بما يربو على ثمانية آلاف مشاهد للاحتفال بهذا الطقس الجميل الذي يسبق مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي «اعرق مهرجان سينمائي يقام في العالم» بثلاثة اسابيع فقط متحولا بذلك الى غريم ومنافس كبير لـ «الشقيق الاكبر» والذي وان لم يتولد بعد الجدل المعتاد فيما بينها حتى هذه اللحظة، فإنه لن يتأخر في الوصول في الايام اللاحقة. قلت، ان المناسبة كانت كبيرة ليتمكن الحر الشديد من الوقوف امام زحف الالاف من المشاهدين الى الساحة الكبرى، ويبدو ان الطقس نفسه عقد صفقة مع المهرجان فقد امطرت الغيوم التي تكدست في السماء مطرا شديدا في ساعات ما بعد الظهر توقف عن الهطول قبل ساعة واحدة من الافتتاح الرسمي للمهرجان، وبشكل يبدو وكأنه قد كتب في سيناريو الامسية عادت الامطار الى الهطول بعد لحظات من مرو آخر اسم في «تترات» شارة النهاية لفيلم «فانتازيا اخيرة» وهو انتاج امريكي من اخراج الياباني الاصل هيرونوبو ساكاجوتشي الذي افتتح الدورة الرابعة والخمسين من المهرجان حتى بدا وكأنه مرسوم بشكل دقيق مبالغ فيه، لكن ذلك ما حدث بالفعل. فيلم الافتتاح «فانتازيا اخيرة» يعرض تطورا مهما وخطيرا في عالم السينما، فهو على الرغم من كونه بداية لمرحلة جديدة تبدو في ظاهرها مثل التطورات التي تحققت في عالم السينما من الصامتة الى الناطقة ومن الابيض والاسود الى السينما الملونة، لذا فإن دخول «الديجيتال» الذي استخدم في اكثر من تجربة للمؤثرات الخاصة، الى مرحلة «خلق» الممثلين فإنه يمثل، كما اسلفت، تطورا خطيرا سيثير، ليس فقط اضطراب الممثلين، كما هو حاصل في هوليوود الان، بل اضطراب محبي السينما الذين يرون في الممثل «الانسان» الواسطة الوحيدة والاساسية التي لا غنى عنها لنقل المشاعر والاحاسيس التي تعرضها الافلام على الشاشة الكبيرة، والخطورة الاساسية برأيي لا تكمن فقط في «المؤامرة الخفية» التي قد تحيك شباكها امثال هذه الافلام للسينما والممثلين فحسب، بل هي تكمن «وهنا ايضا برأيى الشخصي» في ان بإمكان هذا النوع من الابداع «وهو ابداع بصرف النظر عن تقبلنا او رفضنا له» ان تصبح مفتتحا لطرح فكرة استنساخ البشر على طاولة ليس البحث فقط، بل البدء في التجريب والتطبيق «ان لم يكن ذلك قد بدأ بالفعل من قبل في مكان سري ما على كرتنا الارضية». «فانتازيا اخيرة» من اخراج هيرونوبو ساكاجوتشي مبدع «الفيديو جيم» المعروف بنفس الاسم وقد كلف انجازه 160 مليون دولار وهو فيلم «كارتوني» انجز مئة بالمئة بالكمبيوتر ولحسن الحظ فإن كمبيوتر ساكاجوتشي لم يتمكن من الاستغناء عن اداء الممثلين الصوتي واستعان بعدد من نجوم هوليوود من بينهم دونالد ساذرلاند وألك بالدوين. الى جانب كمبيوتر ساكاجوتشي لحسن حظ السينما فإن برنامج لوكارنو يزخر بعدد من الاعمال المهمة والكبيرة، ومن بين هذه الاعمال التي ستعرض في الساحة الكبرى فيلم «كوكب القرود» هو العمل الاخير الذي انجزه المبدع تيم بارتون والذي حقق في الولايات المتحدة ارباحا خيالية لم يتمكن اي فيلم اخر «الا جوراسيك بارك 3 الذي سيترك الموقع الاول لكوكب القرود قريبا جدا». الى جانب فيلم بارتون سنشاهد في الساحة الكبرى فيلم شارون ماجواير «يوميات بريجيت جونز» من بطولة النجمة الامريكية المبدعة رينيه زيلويجر وهيوج جرانت اضافة الى عدد من الافلام الكبيرة. وعلينا ان نسجل، بشكل محزن «وممل التكرار» مرة اخرى الغياب المطلق للسينما العربية عن هذا المهرجان «على الرغم من وجود مستشار عربي» التونسي محمد شلوف للمهرجان علما بأن هذا المهرجان هو الذي سجل النجاحات الكبرى لعدد من المخرجين العرب والشباب من بينهم رضوان الكاشف ويسرى نصر الله. والى جانب الغياب العربي ثمة حضور مهم مرة اخرى للسينما الايرانية بفيلم «دلباران» وعودة مظفرة للسينما الهندية وهي ظاهرة يجب النظر اليها سيما بالحضور في هذا المهرجان او في مهرجان فينيسيا بدورتيه السابقة والمقبلة بفيلمين احدهما في المسابقة وهو «حراس الارض» وفيلم «لاجان» والذي اختارت مديرة المهرجان ايريني بينياردي عرضه في الساحة الكبرى ليلا اسوة بالافلام ذات الطابع الجماهيري على الرغم من طول مدة عرضه الذي يستمر لساعتين ونصف الساعة. لوكارنو ـ عرفان رشيد