هذا كتاب عن آليات تشكل «رغبة الأمة» في بلاد المهاتما غاندي، وحيث يعود مؤلفه، مدير الابحاث في المعهد القومي الفرنسي للبحث العلمي، إلى دراسة التاريخ الهندي بكل تناقضاته منذ العصور القديمة وحتى استيقاظ حركة التحرير الوطني الهندية من الاستعمار البريطاني لـ «الهند ـ الأم». وتتمثل احدى الافكار الرئيسية التي يركز عليها المؤلف في هذا العمل على القول بأن مفهوم «الأمة» كما ساد في خيالات الهند وكان «يتناقض» في أغلب الاحيان مع الواقع الحقيقي الذي تعيشه البلاد والذي تميز منذ مراحل قديمة جداً بنوع من «التعددية الثقافية والاثنية»، لكن الحال انتهى إلى انتصار النزعات القومية «الهندوسية»، هذا في الوقت الذي كان مفهوم «الوطن» يمثل نوعاً من الطموح الذي اشتركت فيه مختلف «الشعوب الهندية» أي ما يعني بان النزعات القومية كانت في الاصل ذات طابع «هندي» يضم جميع مكونات «الأمة» وليس «هندوسياً» بالمعنى العقائدي والاثني: كما يبدو اليوم. ويحلل المؤلف ضمن هذا التقسيم الدور الذي لعبه البريطانيون أثناء قيام «الامبراطورية الهندية» التي شكلت لعقود طويلة حجر الاساس في مشروع الطموح الامبريالي البريطاني وقد بدا هذا الدور بوضوح من خلال «التقسيم الإداري» الذي تبنته السلطات الاستعمارية بحيث انه غذى التنافس بين الاغلبية الهندوسية والاقلية الاسلامية. وقد بدا مثل هذا النزاع «الضمني احياناً والصريح غالباً» على صعيد الرمز الذي تشكله «البقرة» لدى «الشعبين»، اذ في الوقت التي ينظر اليها الهندوسيون بقدر كبير من التقديس يعتبرها المسلمون مصدراً للقوت وللاستخدام في العديد من الأعمال الزراعية. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بان «الرهان» ذا الطبيعة القومية «رغبة الأمة» هو شديد الدقة والخطورة في المرحلة الحالية من تاريخ الهند وذلك بسبب وجود «اليمين الهندوسي» على رأس السلطة اليوم. وتبرز هذه «الخطورة» اكثر عند فهم السياق التطوري الذي عرفته النزعة القومية القائمة على الخلفية العقائدية الهندوسية. وتتم المقارنة ضمن هذا الاطار بين التيارات اليمينية «المتطرفة» في العديد من بلدان أوروبا الغربية وبين اليمين القومي الهندي. واذا كانت هناك بعض النقاط المشتركة الضئيلة جداً، فإن الحركة القومية الهندية تتميز بغياب المرجعية الايديولوجية العقائدية وبالتالي «تتمفصل» إلى حد كبير مع الافكار الحديثة لمفهوم «الامة» كما ساد في أوروبا خلال القرن التاسع عشر أي المفهوم ذو البعد «الثقافي» والذي يعبر عن نمط في الحياة اكثر مما يعبر عن ايديولوجية «عقائدية» بالدرجة الأولى، هذا مع العلم بأن «حزب الشعب الهندي» الحاكم اليوم قد خاض الانتخابات التشريعية الأخيرة وفاز فيها على اساس حملة انتخابية ركزت على «التهديد الإسلامي» وبنفس الوقت على «التأثيرات السلبية» للغرب على المجتمع الهندي. تجدر الاشارة هنا أيضاً إلى ان 80% من الهنود هم من الأغلبية الهندوكية، بينما لا يشكل المسلمون سوى 20% من مجموع عدد السكان. ان النزعة القومية «اليمينية» السائدة اليوم، هي غير تلك التي نادى بها «نهرو» سابقاً والتي كانت قائمة على مبدأ «الوحدة في اطار التنوع». كتاب عن «الهند اليوم» وعن توجهات أغلبيتها القومية «اليمينية» الحاكمة.