بيان الكتب: جذور الصراع في الجزائر، كتاب غاية في الأهمية لمعرفة ما يحدث في الساحة الجزائرية من صراع دائم ومأساوي عاشه شعب الجزائر منذ عقود من الزمن، وخلال الحكم الوطني الذى جاء نتيجة نضال طويل خاضه الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي. أزمة الجزائر ولدت ولادة قيصرية بعد المخاض العسير للدولة الوطنية، اما جذور الصراع فقد سبقت ثورة نوفمبر 1954، ورافقت تفاعلات الحركة الوطنية منذ بداية الحرب العالمية الأولى حيث زرعت البذور الاولى لصراع كان يتوقع ان يطول. قوة الثورة، وفرحة النصر حجبتا عن الجماهير السحب الداكنة التي كانت تلبد سماء الجزائر منذ مؤتمر الصومال وطرابلس، ومفاوضات ايفيان، إلى يوم الاعلان عن وقف اطلاق النار حيث عرفت الكواليس صراعاً مضنياً غطى 111 يوماً افضى إلى الاعلان عن الاستقلال صبيحة 5 يوليو 1962. قسم الكاتب الباحث أبو جره سلطاني كتابه إلى عدة فصول. في الفصل الأول نقرأ الترتيبات لما بعد الحرب، ثم المحطات الثلاث وهي اللجنة الثلاثية، وقيادة الداخل وقيادة الخارج والمرحلة الانتقالية. ثم متاعب الرئيس أحمد بن بيلا أول رئيس للجزائر «كان رجلاً دبلوماسياً وقد ساعدته شهرته وشعبيته على الصعود السريع ولكنه لم يكن رجلاً عسكرياً، وكانت عواصف ما بعد الثورة اقوى من امكانياته الذاتية، ولعله كان يشعر انه ليس رجل المرحلة الانتقالية المتوترة، ثم ننتقل إلى العديد من قضايا الصراع مثل معركة الهوية، وعلى خطى الضباط الاحرار وبدايات الصدام. في الفصل الثاني نقرأ تحليلاً دقيقاً لفترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد. ابتداء من سياسة الحبل على الغارب كما يسميها الكاتب وانتهاء بالعقبات التي واجهت الرئيس الشاذلي. الثلاث عشرة التي قضاها بن جديد رئيساً للجزائر لم تكن سنوات رخاء شائع كما لم تكن سنوات شدة عضوض. ومن وجهة نظري لم تكن فترة بن جديد عشرية سوداء كما سمتها صحافتنا الوطنية فقد كانت رياح التغيير اقوى من الاشرعة التي نشرها بن جديد. وكان يجري في الكواليس مالا علم لسيادة الرئيس به وكان الموقف من الزحف الإسلامي هو الحرج الكبير الذي جعل بن جديد طول فترة حكمه يراوح بين ضغط اليسار عليه لقمع الإسلاميين، وثقل التوجه العام للمسار الجماهيري في الجزائر كلها نحو العاطفة الإسلامية. أما الفصل الثالث فالباحث أبو جره سلطاني يجري سلسلة من المراجعات والتحليلات للوضع القائم في الجزائر، وهي مراجعات تاريخية تبحث في صلب القضية الجزائرية ابتداء من اصولها القديمة، وانعكاسات التعريب ونتائجه على المتعصبين للفرنسيين، وعلاقة الطابور الخامس بما يحدث وتحركاته المريبة، وتجمعات الاحزاب اليسارية، وانطلاق مفاهيم جديدة. الإعلان الرسمي عن ميلاد الثورة الزراعية في الجزائر يوم 8 نوفمبر 1971 كان بمثابة المنشط الذي جعل الفلاح الجزائري يدرك لأول مرة بعد 143 سنة من الحرمان ان له حقوقاً في مزارع الاخرين، وان له اموالاً مخبوءة في البنوك الجزائرية، وان البذور التي كان يخزنها في نهاية الموسم الفلاحي ليزرع بها ارضه مع بداية موسم الحرث الموالي يمكن ان يستغني عنها، لان بذور الزريعة ستأتيه من كندا، أو من الولايات المتحدة الأمريكية، او من بعض دول عدم الانحياز، وان زوجته التي لم يطلع عليها الا كباشه او تيوسه وثيرانه يمكن ان تقابل الطلاب المتطوعين صحبة الطالبات ليشرحوا لها كيفية استعمال حبوب منع الحمل، أو يعلموها طرق الثورة على زوجها لكسر التقاليد البالية والمطالبة بالمساواة مع زوجها في الحقوق والواجبات. الفصل الرابع خصص للبحث في التكتلات الكبرى التي تواجهها الجزائر والتيارات، والتيارات المعاكسة التي تتصارع على ارض الجزائر اضافة إلى جماعات الضغط كالتيارات الاسلامية، والتيارات اليسارية، والتيارات الجبهوية اضافة إلى ما شكلته الصراعات بين لعبة اليمين واليسار والثورة «ما ان تنفس صبح الاستقلال حتى بدأ الزحام قوياً وغير منضبط امام باب الحكم. وتبين ان المتدافعين بالمناكب كانوا ابناء الثورة. وكانوا جميعاً يحلمون بجزائر الشهداء، ولكن الحكم في تصور كل طرف كان مختلفاً على مسافة ممتدة بين يمين التيارات الاسلامية، ويسار التيارات الشيوعية ووسط التيارات الوطنية. ثم ينتقل الباحث سلطاني إلى الاطارات التي تحكم الشعب الجزائري كالاطار الاشتراكي والاطار التغريبي، والاطار الاسلامي، على ان البند السادس يشكل في محوره أهم واخطر ما يطرحه البحث الا وهو مغذيات ودعائم الصراع، فيذكر معركة المسجد، وذهاب هيبة الدولة، وميلاد الحركات المسلحة، والمخاضات المتعسرة. لما انتشر خبر اطلاق جماعة النار على حاجز أمني، صدرت اوامر بالاعتقالات العشوائية قصد التحقيق، وبدل ان تجري هذه العملية بصورة قانونية روتينية. معروفة حركتها جهات حاقدة لتأخذ مسارات انتقامية مست في البداية خطباء الجمعة بالمساجد الحرة، ثم توسعت دائرتها لتشمل تقريباً كل صاحب لحية، وكان طبيعياً في هذا الظرف المشحون بالغضب ان تحدث كثير من التجاوزات وكثير من التعسفات في حق اناس لاعلاقة لهم بالمسلحين ولا بمن اطلق النار على الحاجز الامني. ثم يدخل الباحث سلطاني في تحليل ورصد أهم خطوات الاصلاح في عهد الشاذلي، ابتداء من تحليل نظام اللامركزية وعلاقة الرئيس بالحزب، وعلاقته بالسياسة المالية. اننا لا نحب ان نخوض في تفاصيل التعاطي السياسي ولا نريد ذكر جزيئات تشوش علينا وضوح صورة الطرح الذي رسمناه لانفسنا لكنه من الواجب ان نذكر ان وفاة هواري بومدين يوم الاربعاء 27 ديسمبر 1978 كانت بداية للعد التنازلي للاشتراكية على يدي خليفته بن جديد. وهذه مسألة غاية في الغرابة. يطرح الباحث تحت عنوان محفوظات الذاكرة الجماعية جملة من تفاصيل عاشتها الجزائر تشرح بشكل واضح ماحل بالجزائر من تجزء وانقسام، خاصة حينما غيب القانون، والغيت المؤسسات على حد طروحات الباحث سلطاني. شعر الجميع ان سفينة المجتمع الجزائري بدأت تغوص في اعماق المشكلات الحقيقية للمواطنين، وهنا تذكرت الجماهير رصيدها التاريخي القديم فأخذت تتلمس حلولاً لمشكلاتها بين يدي الائمة والشيوخ في المسجد، وهو ما اكسب المسجد شرعية ومصداقية تحولت فيما بعد الى مرجعية حضارية يؤوب اليها الناس ويخضعون لاحكامها من تلقاء انفسهم واصبح بعض الشيوخ في كثير من المساجد هم المراجع لكل القضايا والمشكلات على مستوى الحي أو القرية وبعضهم صار له صيت وطني مؤثر. وينتقل البحث في تحليل الكثير من القضايا السلبية التي سادت مؤسسات الدولة والمجتمع مثل شراء الذمم، وفقدان حرية المرأة، وانتقالها إلى مجتمع الحريم. ثم ينتقل ليحلل مرة اخرى زوايا الحياة التاريخية، وزراعة سياسة التفتيت، أو سياسة معادية للدين، أو تدمير ذاتية الانسان. ان الأمر لم يكن مجرد استيلاء على المساجد بهدف طرد المصلين منها واحتلالها كمساكن راقية للقادمين الجدد من وراء البحر، فالمسألة كانت تتعلق بمعركة حقيقية بين الإسلام والصليبية، وهو ما عبر عنه بصراحة وزير خارجية فرنسا «موسيو بيدو» الذي قدم تقريره امام البرلمان قائلاً: انها معركة بين المسيحية والإسلام. هذه معركة بين الهلال والصليب، وهو ما يؤكده ماجاء في التقرير الذي رفعه وزير حربية فرنسا إلى شارل العاشر يقرر فيه ان احتلال الجزائر تم ارضاء للمسيحيين وذلك بابادة المسلمين اشد اعدائهم طغياناً». يكتسب هذا الكتاب أهمية متميزة من خلال رصده الدقيق لاصل الصراع في الجزائر. من الناحية التاريخية، والصراعات السياسية، والاطماع الدولية. وما آل اليه هذا البلد العزيز. عبدالاله عبدالقادر