بيان الكتب: اوليفييه تود، هو كاتب فرنسي له عدة روايات وتحقيقات ودراسات، واشتهر بشكل خاص كروائي وكاتب سيرة حيث قدم سيرة حياة المغني البلجيكي الشهير «جاك بريل» والروائي والفليسوف الفرنسي «البير كامو» وكذلك سيرة حياة الرئيس الفرنسي الاسبق فاليري جسكار ديستان. في هذا الكتاب الجديد «اندريه مالرو ـ سيرة حياة» يحاول اوليفييه تود ان يوضح «الاساطير» التي بني عليها اندريه مالرو شهرته الادبية التي فاقت شهرة اي اديب اخر في القرن العشرين، ان «الخيط الناظم» للتحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب يتمثل في القول بأن مؤلف «الشرط الانساني» كان «مدعيا» الى حد «الكذب» تقريبا في العديد من الامور والمواقف التي عرفتها حياته والتي كانت بمثابة مزيج من «البعد الاسطوري» و «جنون العظمة» لكن السمة الاولى التي ينبغي التأكيد عليها منذ البداية هي ان المؤلف اوليفييه تود لم يبد اي «حقد» على «مالرو» لكنه بالمقابل يتحدث بدقة ودون اية محاباة عن احد اشهر ادباء عصره والذي امضى فترة من حياته وزيرا للثقافة في ظل الرئيس شارل ديجول حيث تحدث الكثيرون انذاك عن لقاء «القمتين» السياسية والادبية في فرنسا. «ثلثه عبقرية وثلث آخر مزيف والثلث الثالث يستعصي على الفهم» بهذه الكلمات كان المفكر الفرنسي الكبير ومنظر الليبرالية ريمون ارون قد وصف اندريه مالرو، على قاعدة الود والصداقة، هذه الجملة الشهيرة التي ترددت على لسان، وفي كتابات العديدمن الكتاب والنقاد الفرنسيين تجد مكانها، وخاصة فيما يتعلق بـ «الثلث المزيف» في خلفية فكرة هذا الكتاب لـ «اوليفييه تود». ولعل هناك سؤالا كبيرا يتبادر الى الذهن، حول الهدف الذي يسعى اليه مؤلف هذا الكتاب من خلال التعرض لاحد الرموز الادبية المعاصرين في فرنسا؟ وهل هناك نوع من البحث عن «تصغير» قامة الكبار كي يصبحوا مثل «الاخرين» يقال بان ابناء قبائل «الهوتو» في رواندة كانوا «يعاقبون» ابناء قبائل «التوتسي» ذوي القامة الطويلة جدا بـ «شطرهم» من الجذع الى نصفين، ان مثل هذه الافكار قد تتبادر الى الذهن امام عمل يبدو في المحصلة شديد السلبية حيال شخصية «عملاقة» مثل اندريه مالرو، لكن مثل هذا الاحساس نفسه يتضاءل كلما تقدم القاريء في التعرف على تحليلات اوليفييه تود الذي يؤكد على «عظمة» مالرو الادبية لكنه يؤكد بنفس الوقت بأن الكثير من الاحداث التي رواها كاتب لم تكن تنسجم مع الواقع ومع حقيقة ماجرى، هكذا نعرف مثلا بان اندريه مالرو قد «اختلف» او «بالغ كثيرا» في الحديث عن لقاءاته مع شخصيات كبرى من معاصريه مثل ستالين وماوتسي تونج وريتشارد نيكسون. ومن المفيد الاشارة في هذا السياق الى ان «اوليفييه تود» قد امضى خمس سنوات في اعداد هذا العمل وبانه من افضل العارفين بشخصية اندريه مالرو وباعماله الادبية وبانه ايضا بحث طويلا في الاراشيف بأمكنة كثيرة كانت الصين في مقدمتها، ثم انه سعى الى تقديم الكثير من الشهادات التي يقدمها اناس كانوا قد عرفوا مالرو «توفي قبل ربع قرن من الزمن» وهنا ايضا لابد من فتح قوسين من جديد للاشارة الى ان اغلبية الوثائق والشهادات المقدمة تذهب في الاتجاه «المناويء» لمالرو؟ الامر الذي لابد وان يثير بعض «الحذر». ومن المعلومات الجديدة التي يقدمها اوليفييه تود عن صاحب «الشرط الانساني» هو ان الشاب «اندريه مالرو» وعلى عكس ماكان يقول ويكرر، لم يتعلم ابدا اللغات الشرقية ولم يكن يتحدث اللغة اليونانية او اللغة السنسكريتية كما يؤكد «تود» بان «اندريه» قد ورث عن ابيه الميل نحو نسج الاساطير حول حياته لكن المؤلف يذهب ابعد من هذا بكثير حيث يتحدث عن «سوء النية» او «سوء المعاملة» التي سادت علاقة اندريه مالرو بزوجته الاولى «فلا رجولدسميث» التي قام باستغلالها وبانه مارس لفترة طويلة تجارة الاعمال الفنية «ذات المنشأ المشبوه» وبأنه لم يكن في اي يوم من الايام عضوا في اللجنة المركزية لـ «الكومنثرت» اي المنظمة التي ضمت عدة حريات شيوعية.. الخ. اذا كان اندريه مالرو قد كتب ذات يوم بانه قد حلق ذات يوم بالطائرة فوق «مدينة ضائعة» في رمال الصحراء اليمنية مؤكدا بانها كانت عاصمة مملكة سبأ، فإن «اوليفييه تود» يقدم العديد من الحجج والبراهين على بطلانه مثل هذا الادعاء حيث يقول: كان مالرو مولعا دائما بالشرق الاوسط، وكان يراه كأرض للصيد الادبي، ثم لايتردد في ان يؤكد بان مالرو كان يريد ان «يتقمص» شخصية لورنس العرب، الذي «كان يتحدث اللغة العربية كما كان قد تخفى بزي بدوي» كان «مالرو» يريد ان يعيش نفس المغامرة من جديد لاسيما وان شخصا المانيا اسمه «جاكوبستاب» كان مالرو قد قابله في افغانستان وسمع منه رواية تقول بان «قطعا ذهبية مدفونة في خرائب عاصمة مملكة سبأ في مأرب قريبا من صنعاء البيضاء في اليمن» وكان اندريه مالرو قد كتب مغامرته اليمنية وتحدث عن اشياء ومشاهدات كثيرة وصفها في مقالات له ولكن لم يتقدم اي عالم اثار لنجدته عندما تعرض الى هجومات من عدد من النقاد والباحثين شككوا في اقواله لكن هذاكله لم يمنع مالرو من ان يرى نفسه كـ «بطل في جميع الميادين» وبدون تحفظ لقد نشر اندريه مالرو عددا من المقالات تحت عنوان ««فوق صحراء شبه الجزيرة العربية» مع عنوان فرعي يروي فيه «طيرانه فوق العاصمة الغامضة لمملكة سبأ» كما ارفق مقالاته بعدد من الصور «المركبة» والتي كان «يجيد صناعتها» كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. واذا كان اندريه مالرو قد تفاخر كثيرا بدوره اثناء مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا اثناء الحرب العالمية الثانية فإن اوليفييه تود يلقي الكثير من الشكوك على مصداقية مثل هذا الدور، بل ويؤكد بانه قد التزم «متأخرا» جدا في صفوف المقاومة وبانه لاتزال هناك «ظلال» كثيرة حول الظروف التي تم اعتقاله ثم الافراج عنه فيها ويتحدث المؤلف في احد فصول هذا الكتاب عن «المقاومين من اسرة مالرو» وحيث ينقل بان المدعو «برنراند دو جوفنيل» قد دخل ذات يوم على اندريه مالرو بعد لقائه باحد المقاولين السريين، وسأل قائلا: هل ينبغي الانخراط في المقاومة؟ وكانت اجابة اندريه مالرو واضحة لا لبس فيها: لم يحن الوقت بعد، واذا كان العديد من افراد اسرته قد انتظروا حتى عام 1943 كي ينضموا إلى الصفوف المقاومة فإنه هو نفسه لم ينضم لها سوى في شهر مارس من عام 1944 بل وينقل عنه تصريح قال فيه بشأن الجنرال شارل ديجول «انني لا اعرفه.. ولا احب خطاباته» لكن مالرو اكتسب لقب عقيد في صفوف جيش فرنسا الحرة، جيش المقاومة ـ دون ان يشارك هو نفسه في العمليات العسكرية اذ «ان مسئولياته الكبيرة تمنعه من ذلك» على حد قوله. ويروي المؤلف عن لقاء تم بين اندريه مالرو والكاتب الامريكي الكبير ارنست همنجواي في باريس حيث كان هذا الاخير مراسلا حربيا وحيث تبادل الكاتبان الحوار التالي: مالرو: كم رجلا كانوا تحت قيادتك ؟ همنجواي: عشرة او اثنا عشر، وفي الحد الاقصى مئة. مالرو: اما انا فألفان همنجواي: انه لامر مؤسف اننا لم نفز بمساعدتك عندما حررنا هذه المدينة الصغيرة باريس». ان هذا الكتاب يحتوي في الواقع على «سيل» من اشكال النقد لسلوكيات اندريه مالرو في مختلف الميادين والنشاطات التي قام بها بدءا من خصوماته مع زوجته كلارا لـ «اتفه الاسباب» ووصولا الى مواقفه المبدئية وعلاقاته مع كبار الشخصيات التي عرفها او قال بانه قد عرفها عن قرب، ومرورا بلامبالاته بالذين كانوا يحيطون به من افراد اسرته، وفي المحصلة يبدو مالرو، كما يرسمه «اوليفييه تود» بمثابة «ثوري مزيف» و «مثقف مزيف» و «بطل مزيف» و «مقاوم مزيف» وبانه «اناني» و «بخيل» و «مدع» و «كذاب» و «سكير». ان هذه الصورة تتعارض تماما في الواقع مع تلك التي يرسمها له اخرون اهتموا ايضا بـ «سيرة حياتة» والذين رأوا فيه احد افضل، ان لم يكن افضل، الذين شغلوا منصب وزير الثقافة في فرنسا، واكدوا بان الفترة التي امضاها في كمبوديا قد سمحت له باكتشاف الواقع المرير الذي كانت تعيشه منطقة الهند الصينية حيث عاد ليقود معركة ضارية ضد النزعات الاستعمارية، ثم انه واذا كان قد تأخر في القطيعة مع الشيوعية بالمقارنة مع بعض نظرائه في نفس الفترة من امثال اندريه جيد، فإن قطيعته كانت اكثر عمقا واكثر جذرية، مثلما كان التزامه ضد الفاشية والى جانب الجنرال واخلاصه له وللعمل الذي قاده، ثم لاشك بأن الجنرال وعندما اختاره كأحد رفاق التحرير، كان يعرف تماما الملف الخاص بـ «العقيد بيرجيه» كما كان الاسم المتداول لـ «اندريه مالرو». بكل الحالات يقبل الجميع بان حياة «مالرو» كانت باستمرار بمثابة جزء لايتجزأ من عمله الابداعي، وكان كل منهما يتغذى من الاخر واذا كان قد سعى نحو اكبر درجة من الكمال في كتاباته فإنه اراد ايضا ان يجعل من حياته انه روائي ومن «المنطقي» ان تكون حياته بمثابة رواية واذا كان لايختلف اثنان على ان اندريه مالرو لم يكن ابدا قائد الثورة الصينية، فإنهما لايختلفان ايضا بانه احد افضل الذين تحدثوا عنها، واذا لم يكن هو الذي «قهر» فرانكو اثناء الحرب الاهلية فإنه «انتصر» عليه بالأدب. كان اندريه مالرو قد احتل مكانة خاصة في الادب الفرنسي منذ نهاية سنوات العشرينات في القرن الماضي «العشرين» وفرض منذ سنوات شبابه «اسلوبه» و «شخصيته» في «المشهد الثقافي» آنذاك لقد عرف كيف يوفق بين «الفعل» و «الادب» وبين «السياسة» و «الاخلاق» ولا تزال كتب اندريه مالرو حتى اليوم مقروءة من ملايين البشر في مختلف انحاء العالم، وكان قد قال في احد تصريحاته الشهيرة، التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب، ما مفاده «ان حياتي لاتهمني» لكن في الواقع وهذا ما يؤكد عليه اوليفييه تود في هذه «السيرة» كانت حياته وحدها هي التي تهمه حيث انه كان قد تصورها كـ «عمل ابداعي» وربما انها كانت «افضل رواياته» وبهذه الصفة تحديدا يقوم المؤلف بالبحث عن خباياها واسرارها وبتحليلها دون تجنب الخوض في اي جانب من جوانبها. ان الميزة الاساسية في هذا الكتاب هي تقديمه الشهادات واعتماده لوثائق غير منشورة حتى الان في اغلب الاحيان والهدف دائما هو محاولة «الفصل» بين ما هو «واقع معاش» وما لم يكن سوى مجرد «خيالات» انها سيرة حياة كاتب خاض كل المعارك من اجل ان «يكتب» وان ترتفع حياته نفسها الى مصاف الاسطورة. ربما ان اندريه مالرو قد كذب، لا بل ان «اوليفييه تود» يثبت بالوقائع والبراهين بانه قد «كذب فعلا» ولكن ليس مثل كذب اولئك الذين ارادوا ان يحصلوا على مكاسب صغيرة وانما على غرار نابليون او قيصر، او ربما مثل طفل، وربما قد «سرق» بعض التماثيل الصغيرة من متاحف في كمبوديا، كما يؤكد اوليفييه تود، لكنه بالتأكيد استحق بجدارة تمثاله و «بطاقة دخوله» الى مقبرة العظماء في قلب باريس.