بيان الكتب: برونو باريو هو باحث فرنسي يعمل ضمن اطار مجموعة «مراقبة الاسلحة النووية» حيث سبق له وقدم عددا من المؤلفات حول هذا الموضوع هي: «التجارب النووية الفرنسية 1960 ـ 1996» و «كشف الحساب النووي كلفة الترسانة النووية الفرنسية 1945 ـ 2010» و «فرنسا وانتشار الاسلحة النووية» وساهم المؤلف في عدد من الاعمال الجماعية المكرسة للموضوع بالاضافة الى دراساته في المجلات والدوريات المختصة. هذا الكتاب الجديد «اليورانيوم المنضب» ملف متفجر، هو آخر عمل في عدد من الكتب شهدتها رفوف المكتبات منذ حرب الخليج الاخيرة مثل «حرب الخليج، الحرب القذرة النظيفة» لكريستين عبدالكريم ـ دولان و «اليورانيوم المنضب، الحرب غير المرئية» من تأليف «مارتن ميسونيين وآخرين و «اليورانيوم المنضب» الرهانات البيئوية والصحية والاخلاقية .. الخ. نرى استخدام اليورانيوم المنضب للمرة الاولى ضد العراق ضمن اطار القوات الامريكية اثناء العمليات العسكرية، هذا النقاش الامريكي «الذي اثار جدلا كبيرا لم ينته بعد وجد صداه ولكن بعد سنوات، في القارة الاوروبية وخاصة في فرنسا حيث ارتفعت بعض الاصوات التي تؤكد وجود اعراض سندروم حرب الخليج لدى جنود فرنسيين كانوا هم ايضا قد شاركوا في الحرب الاخيرة ضمن اطار قوات التحالف الدولي ضد العراق، كان استخدام اليوارنيوم المنضب اثناء حرب كوسوفو الاخيرة بمثابة حافز جديد لفتح هذا «الملف المتفجر» من جديد. ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان اصحاب القرار العسكري لم يكونوا يجهلون ابدا مدى الآثار السلبية الكبيرة، التي تترتب على استخدام الذخائر التي تحتوي على اليورانيوم المنضب، وذلك على السكان المدنيين، وعلى العسكريين ايضا. واذا كان الخبراء العسكريون قد حرصوا على اتخاذ اكبر قدر ممكن من الاحتياطات عند صناعة مثل هذه الاسلحة والذخائر فإنهم هم انفسهم يعدون اليوم التقارير الموجهة للسلطات السياسية والعسكرية المختصة حول «عدم خطورة اليورانيوم المنضب ». ويؤكد المؤلف ايضا بأن اصحاب القرار في البلدان المنتجة لليورانيوم المنضب، وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا، ليست لديهم أية نية للتخلي عن الذخائر التي تشكل هذه المادة احد مكوناتها هذا لاسيما وانه يتم اعتبار هذه الذخائر بمثابة «آخر صيحة» من صيحات التكنولوجيات المتقدمة ان كل ما يتم اللجوء اليه هو ان صناعيي التسليح يتجنبون ذكر اسم «اليورانيوم المنضب» في النشرات التي يقومون بتوزيعها ويستعيضون عنه بالتسمية الرمزية ـ ستابلوا ـ او انهم يقومون بكل بساطة، نجد في اية اشارة له في نشراتهم وكتيباتهم لكنهم يتابعون بنفس الوقت انتاجه، ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى ان دبلوماسيي الامم المتحدة بدأوا منذ سنوات الخمسينيات في القرن العشرين النقاش الخاص بمنع الاسلحة التي تحتوي في صناعتها احد المكونات النووية مثل اليورانيوم المنضب ومن الملفت للانتباه هنا هو ان هذه النقاشات قد توقفت في اللحظة التي تم فيها استخدام هذه الاسلحة على ارض المعركة مع العراق اثناء حرب الخليج الاخيرة. ان هذا الكتاب يتميز عن غيره من الكتب التي عالجت موضوع اليورانيوم المنضب في واقع اهتمامه بالقضايا التقنية، التي رافقت استخدام هذه المادة ولا سيما العلاقة بين اليورانيوم المنضب والقنبلة كما جاء في عنوان الفصل الاول من الكتاب .. او استخداماته في سلاح المدفعية كماجاء في عنوان الفصل الثالث ويتم التأكيد في الحالتين على ان استخدام صفة «المنضب» او «المخفف»، في مقابل «المخصب» لليورانيوم الذي يتم استخدامه في صناعة القنابل، انما يرمي اي استخدام صفة المنضب، الى الدلالة ضمنيا بانه لا ينتمي الى فئة «المواد النووية» لكن الحقيقة والواقع ليست كذلك، اذ انه يورانيوم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ثم استمرت عملية «التضليل الاعلامي» عندما تعلق الامر بآثار استخدام الذخائر التي تدخل هذه المادة في تصنيعها على البشر اثناء الحرب في منطقة الخليج او في البوسنة وكوسوفو فيما بعد بل ولا يمكن للمرء ان يندهش عند سماع الخطاب القائل بعدم ضرر استخدام هذه الاسلحة في ارض المعركة كما يصر على ارباب صناعات التسليح والعسكريون رفض تشبيه هذه الذخائر بـ «اسلحة الدمار الشامل» الممنوعة الاستخدام على جبهات القتال، لاسيما بعد ان عرفت اليابان كارثتي هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية وهنا يكمن في الواقع عمق المشكلة اذ ان الدبلوماسيين ورجال السياسة يجهدون منذ سنوات عديدة للتمييز بين الاسلحة «النظامية» التي يمكن استخدامها في الحروب والاسلحة المسماة بـ «اسلحة الدمارالشامل» والتي تضم الاسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية وهذه الاخيرة يحرم استخدامها بشكل قاطع، ان ادخال عنصر «اليورانيوم المنضب» في اسلحة «جديدة» ادى الى حالة من التشوش في ميدان التمييز بين انواع الاسلحة وخلق ثغرة في اتفاق المجموعة الدولية حولها وتحديد الخلاف بين «اسلحة الردع» غير القابلة للاستخدام والاسلحة «التي يمكن استخدامها»، لكن الخطورة في مثل هذا الوضع هو امكانية ان يكون «اليورانيوم المنضب» بمثابة «خطوة اولى» في مسيرة تطعيم «الاسلحة النظامية» بـ «مكونات نووية» وهذا يتطلب بالضرورة دق ناقوس الخطر» كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. ان استخدام اليورانيوم المنضب في الذخائر الحربية اصبح بمثابة ممارسة شائعة لدى القوى النووية الدولية الكبرى، اي الولايات المتحدة الامريكية، وروسيا وبريطانيا وفرنسا، وربما الصين، وهذه القوى كلها تؤكد على «ضرورة» وجود ترسانة من الاسلحة النووية في انظمتها الدفاعية لكن اذا كانت حرب الخليج الاخيرة هي التي ادت الى اثارة «ضجة اعلامية» حول اليورانيوم المنضب فان هذا لا ينبغي ان يجعلنا ننسى، كما يقول المؤلف، بانه كان قد تم استخدام هذه المادة في «الحشوة النووية» للقنابل منذ فترة طويلة كما انه تم استخدامه في العديد من التجارب النووية التي يستعرض «برونو باريو» عددا منها. ويتم تكريس احد فصول هذا الكتاب لاستخدامات اليورانيوم المنضب في الصناعات المدنية «بسبب خصائصه الهامة وخاصة «كثافته» التي تفوق كثافة الرصاص .. وفي مقدمة الصناعات التي يتم اللجوء اليه فيها صناعة السفن .. من الميادين الاخرى الذي يتم استخدامه فيها عملية تصفيح مصادر الاشعاعات النووية المستخدمة في الطب او غيره من الميادين العلمية ويستخدم اليورانيوم المنضب ايضا في تصفيح طائرات النقل وسفن الركاب بسبب وزنه الثقيل مما يساعد على استقرار اكثر من الآليات ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى اثبات وجود اليورانيوم المنضب في المواد الداخلية بصناعة طائرة «البوينج» التي كانت قد تحطمت بالقرب من امستردام وكانت تابعة لشركة «العال» الاسرائيلية ويقدم في هذا الصدد الادلة التي قدمتها عدة مخابر امريكية واوروبية مختصة في هذا الميدان. واذا كانت الولايات المتحدة الامريكية في طليعة البلدان التي لجأت الى استخدام اليورانيوم المنضب في صناعة الذخائر الحربية وخاصة تلك المخصصة لسلاح الجو، ولكن ايضا لمختلف الاسلحة الاخرى من الاسلحة البرية والدبابات والمدفعية والبحرية.. بل وحتى في الالغام المضادة للاشخاص، فان المؤلف يقدم، ايضا توصيفا وثيقا لآليات استخدام هذه المادة في الذخائر البريطانية والفرنسية وحيث ان فرنسا تستورد احيانا المادة الاولية من الولايات المتحدة الامريكية، كماتدل صورة السماح بالتصدير الصادرة عن الجهات الامريكية المختصة والتي ارفقها المؤلف بتحليلاته ويعيد مسألة لجوء فرنسا الى استيراد هذه المادة رغم وجود مخزون كبير لديها منها، الى الصفات الممتازة لليورانيوم المنضب الامريكي. كما يمكن اعتبار عملية تقديم الولايات المتحدة لـ «اليورانيوم» المنضب بمثابة «نقل التكنولوجيا الامريكية الى حلفائها الفرنسيين، والبريطانيين، وهناك احتمال ثالث يقدمه المؤلف ويتعلق بكلفة الانتاج حيث ان استيراد المادة الاولية من امريكا قد يكون اقل كلفة من انتاجه محليا. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق الى واقع انتاج ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب من نوع جديد، وذلك اعتبارا من منتصف عقد التسعينيات الماضي. لقد اثبت اليورانيوم المنضب فعاليته في ارض المعركة هذا ماتؤكد عليه المجتمعات الصناعية الحربية التي تنتج الذخائر التي تحتوي هذه المادة، وذلك لغايات تسويقية واضحة وكان قد اثبت فعالية ايضا في التجارب النووية قبل المعارك التي كانت حرب الخليج الاخيرة بمثابة المختبر الاساسي الاول لها كماتدل احصائيات كثيرة تكفي للدلالة على معناها تلك التي تؤكد بأن اطلاق القذائف التي تحتوي على اليورانيوم المنضب قد ادت الى تدمير اكثر من 3000 دبابة واكثر من 1856 عربة مدرعة عراقية ثم تأكدت هذه الفعالية اثناء حروب البلقان وخاصة في البوسنة وكوسوفو. ويركز المؤلف في الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب على مدى «السرية» التي تحرص القوى الرئيسية المنتجة لليورانيوم المنضب على احاطة صناعاتها العسكرية المعنية بها وليس السرية فقط، وانما ايضا التضليل الاعلامي، حيث ان مستلزمات التكنولوجيا نالت الاهتمام الاكبر بالمقارنة مع النقاش السياسي الدائر حول قضية اليورانيوم المنضب واستخداماته وبكل الحالات هناك القليل من المعلومات حول حقائق انتاجه وآثار استخدامه الفعلية، وخاصة على المستوى الصحي لكل من يتعرضون له. وفي المحصلة .. ومن موقع المراقب «العارف» يطالب المؤلف المجموعة الدولية والمجتمع المدني بكل مكوناته وعلى رأسه المنظمات غير الحكومية بالعمل على تطبيق متبدأ منع استخدام اليورانيوم المنضب في الذخائر والاسلحة كما هو الامر بالنسبة للاسلحة الكيميائية والالغام ضد الاشخاص. اليورانيوم المنضب .. ملف متفجر ويستحق ان يكون متفجرا