بيان الكتب: يعمل «فرانسوا جرو» مديرا للشئون الاقتصادية والدولية في الاتحاد الفرنسي لصناعات الألبسة، ويقوم بالتدريس في عدة معاهد عليا للأزياء. سبق له وألف عدة كتب حول الخياطة الراقية والألبسة الجاهزة من بينها كتاب «صناعات الألبسة» الذي كتب مقدمته وزير الاقتصاد والمال الفرنسي الأسبق «دومينيك شروسي كاهن» و«تاريخ البزة ـ الطقم» وكتب مقدمته مصمم الأزياء الفرنسي الشهير «بيير كاردان». في عام 1868 شهدت فرنسا قيام أول نقابة ضمت مهنتي تصميم الملابس النسائية وصناعة الألبسة الجاهزة، وكان لابد من انتظار عام 1910 كي يتم تأسيس «نقابة» خاصة بمصممي الأزياء والخياطين منفصلة عن صناعة الألبسة الجاهزة. تطورت المهنتان منفصلتين حيث اتجهت الأولى نحو الأزياء الراقية والابداع في مجال التصميم لأنها أثارت اهتمام شريحة من الأغنياء على المستوى العالمي.. أما الثانية: أي صناعة الألبسة الجاهزة، فقد اتجهت نحو الشرائح العمالية التي تبحث عن ملابس «تتماشى مع الموضة» وغير غالية الثمن ... وذلك لأن الصادرات الفرنسية، مثلا، كانت مقتصرة في عام 1939 في مجال الألبسة الجاهزة على المستعمرات الفرنسية التي كانت «تمتص» كل الانتاج. وفي عام 1948 عمد مصمم الأزياء الفرنسي الشهير «بيير كاردان» إلى نشر «بيوت الأزياء الراقية» في أماكن مختلفة في العالم على أساس «حقوق الامتياز»، وتبعه بعد ذلك مساعداه كريستان ديور و«ايف سان لوران». ثم انتقلت بعد ذلك صناعات الألبسة الجاهزة بحيث أصبح يتم انتاج نسبة كبيرة منها في بلدان العالم الثالث، لتنشأ عام 1973 «الفيدرالية الفرنسية للخياطة وللألبسة الجاهزة ولمبدعي الموضة» والتي تضم حاليا الأغلبية الساحقة من مبدعي الأزياء وصانعيها. لقد شهد عالم الأزياء تطورا تاريخيا كبيرا إذ كانت نسبة 75% من النساء الفرنسيات يرتدين حتى منتصف عقد الخمسينيات من القرن العشرين ثيابا مصممة لهن «على القياس» لكنهن تحولن الآن كلهن تقريبا نحو الألبسة الجاهزة، كذلك تحولت أغلبية الثلاثمئة ألف عامل الذين كانوا يشتغلون في ميدان «خياطة الألبسة المصممة» خلال سنوات الثلاثينيات الماضية إلى العمل في ورش الألبسة الجاهزة. ولا شك ان كبار مصممي الأزياء ومبدعي «الموضة» هم اليوم في طليعة المصدرين الفرنسيين. ان مؤلف هذا الكتاب يتقصى بالدرجة الأولى تاريخية تطور عالم الأزياء الراقية. «الأزياء الراقية جزء من مخيلاتنا الجماعية والفردية» انها صورة الجمال وتجسيد الفخامة ... والحلم. هكذا يقدم مؤلف هذا الكتاب لتحليلاته التي تطال مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والجمالية وغيرها ذات العلاقة بعالم الأزياء.. وصناعاتها. ذلك انه اذا كانت الأزياء الراقية «حلما» و«عالما مسحورا» يحظى الانسان فيه بكل ما يطلبه من جمال وثروة وسلطة ومتعة للحواس والعقل «فإنها تعبر أيضا عن «نشاط اقتصادي» لان الحلم يباع، بل ويباع جيدا. كما يشرح المؤلف على مدى فصل كامل من أحد فصول هذا الكتاب يحمل عنوان «الأزياء الراقية، حلم أم حقيقة؟».. ومن الملاحظ أن هذا النشاط الاقتصادي الذي بدأ بـ «تصميم الأزياء» حصرا لشريحة محدودة جدا كانت معنية به اتسع مجاله ليشمل سلسلة طويلة من المنتوجات «الملحقة به» من مواد التجميل والزينة وغيرها حيث ان الرهانات التجارية لهذا النشاط قد أصبحت «هائلة». إن هذه المنتوجات «الملحقة» تشكل صميم الرهان الاقتصادي لبيوت الأزياء الراقية وذلك في ظل التكاليف الكبيرة المترتبة على انتاج «الأزياء» نفسها حيث ان انجاز أي تصميم جديد ونقله من «رسوم» على الورق إلى نموذج «موديل» جاهز قد يتطلب مئات الساعات من العمل لمجموعة من الكفاءات العالية في هذا الميدان، كما ان ثمن الأقمشة المستخدمة وتنظيم العروض وأجور عارضات الأزياء التي قد تصل لعشرات الآلاف من الدولارات للمشاركة في عرض واحد، أمور تثقل كلها على النشاط الأساسي لبيوت الأزياء الراقية. وبشكل عام، ورغم أسعار البيع العالية جدا، تضاءل دخل بيوت الأزياء الراقية الكبرى من قطاع «التصميم والخياطة». ويرجع المؤلف السبب الرئيسي في هذا الى «انهيار» السوق بسبب منافسة الألبسة الجاهزة، وخاصة الألبسة الجاهزة الراقية وذلك لأن النساء الثريات اللواتي كن بمثابة مستهلكات «تقليديات» للأزياء المصممة لهن ـ تفصيل ـ أصبحن يستطعن اختيار ملابسهن من سوق اللباس الجاهز، الأمر الذي لم يكن ممكنا قبل الحرب العالمية الثانية. يقول الصحفي «هيب دورسي» بهذا الخصوص في الـ «نيويورك هيرالد تريبيون» ما يلي: «في الوقت الذي حققت فيه التقنيات الصناعية تقدما كبيرا، أصبحت الألبسة الجاهزة ـ الراقية ـ تقدم الأناقة والدقة التي كانت بيوت الأزياء الكبرى قادرة على توفيرها في الماضي. إن هذا لا يعني نهاية الأزياء الراقية التي غدت بكل بساطة الجزء الأكبر فخامة من الألبسة الجاهزة». ويقدم المؤلف في هذا السياق سببا آخر «اجتماعيا» للتخلي أكثر فأكثر عن الأزياء الراقية ـ المصممة خصيصا ـ ويكمن في كون ان البزة ـ الطقم ـ قد غيرت من دلالاتها في المجتمعات الحديثة اذ أصبحت أقل فأقل تعبيرا عن الانتماء إلى شريحة اجتماعية أو إلى موقع وظيفي. ان التعبير عن مثل هذا الانتماء أصبح يتم، بالأحرى، بواسطة وسائل أخرى مثل المسكن وأماكن تقضية العطل. هكذا أصبح النساء يكتفين أكثر فأكثر بارتداء الملابس المصنعة بأعداد كبيرة من نفس التصميم مما جعل باريس، باعتبارها عاصمة الأزياء الراقية بامتياز، تفقد بعض «سطوتها» في هذا الميدان حيث كانت «رغبة عدم ارتداء البسة كالآخرين تدفع الكثير من النساء الارستقراطيات والبورجوازيات» نحو العاصمة الفرنسية كما عبر «ج. ديشامب» منذ عام 1938. ان مثل هذا المنظور المتشائم حول «الأزياء الراقية: ومستقبلها دفع البعض إلى القول بأنها لن تجتاز عتبة القرن الحادي والعشرين. هذا ما تشير إليه أيضا بعض الأرقام التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب حيث نرى ان عدد بيوت الأزياء الراقية قد تضاءل من 106 عام 1946 إلى 19 عام 1967 ثم إلى 16 عام 1999. أضف إلى هذا ان عددا من «البيوت» التي استمرت قد اختارت خلال السنوات الأخيرة التخلي عن فرع «الخياطة» مثل مؤسسات «نينا ريشي» و«لانفان» و«بيير كاردان» ... إلخ. بينما تستمر بيوت أخرى بممارسة مثل هذا النشاط، ولكن «مع الخسارة» في أغلب الأحيان. ان التعويض عن هذه الخسائر يأتي بالأحرى عن طريق المنتوجات الملحقة وخاصة العطور والألبسة الجاهزة. و«ليس من المبالغة القول بأن ملايين المشترين لهذه المنتوجات الملحقة هم الذين يمولون الثياب المصممة التي ترتديها مئات من النساء لا يزلن يحظين بتوقيع بيوت الأزياء الراقية». وفي كتابه «امبراطورية الأشياء العابرة، الموضة ومصيرها في المجتمعات الحديثة» الصادر عام 1987، يقول الفيلسوف «جيل ليبوفتسكي» حول عملية «الاخراج الاعلاني والدعائي» للأزياء الراقية والمنتوجات الملحقة فيها ما يلي: «ان بيوت الأزياء الراقية، وعبر تنظيمها الحفلات الاستعراضية وتقديمها للأزياء المصممة بواسطة عارضات، إنما تقوم منذ القرن التاسع عشر باعداد خطط ـ تكتيكية ـ لتجارة متقدمة تعتمد على الاستعراض المسرحي للبضائع والسلع بقصد اثارة الرغائب. وبواسطة عارضات الأزياء الجميلات ـ كما في الأحلام ـ «وكأنهن تجسيد حي للواجهات الجذابة، ساهمت الأزياء الراقية في هذه الثورة التجارية الكبرى الجارية والباحثة عن مضاعفة حركة الشراء والاستهلاك عبر استراتيجيات الاخراج الاعلاني والدعائي والمبالغة في عرض السلع والمنتوجات». وضمن هذا الاطار «الدعائي» تلعب وسائل الاعلام دورا هاما عبر حضور آلاف الصحفيين من مختلف أنحاء العالم لعروض الأزياء الراقية في باريس بشكل خاص. وهذا ما دعا أحد النقاد إلى القول بأن «النتائج الحقيقية لعروض الأزياء هي اعلامية بالدرجة الأولى». وتدل بعض الاحصائيات المقدمة بأن كلفة الدعايات الاعلانية التي كرستها مؤسسة «بالمان» للصور المنشورة في مختلف المجلات ووسائل الاعلام الأخرى بعد عرض احدى مجموعات الأزياء في عام 1999 قد وصلت إلى 23 مليون فرنك فرنسي. وتأتي العطور اليوم في مقدمة السلع التي تتم الدعاية لها تليها الألبسة الجاهزة . حيث ان السواد الأعظم من بيوت الأزياء الكبرى يمتلك اليوم مجموعة العطور الخاصة به، بل ان بعض هذه البيوت، مثل «جان باتو» قد تخلى تماما عن الأزياء والألبسة الجاهزة، كي تتكرس الجهود بشكل كامل للعطور. وبعد العطور والالبسة الجاهزة وتولي بعض بيوت الأزياء الراقية اهتماما للمطبخ و«فن الطاولة» والأواني المنزلية والاثاث وألعاب الأطفال والساعات وأقلام الحبر ... إلخ.. وهذا كله على أساس الكسب التجاري واستغلال «الاسم» الذي صنعته الدعاية والاعلان. هكذا ازدادت قيمة مبيعات بيوت الأزياء الراقية المنتسبة إلى «نقابة خياطة باريس» خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 5% بالنسبة للأزياء المصممة ـ الخياطة ـ بالمعنى الدقيق للكلمة، و123% بالنسبة للألبسة الجاهزة النسائية و35% بالنسبة للألبسة الجاهزة الرجالية و124% للمنتجات الملحقة. ويبدو دور وسائل الاعلام واضحا في عملية الترويج، هذه، وقد حضر (903) صحفيين و(240) مصورا من 43 بلدا الى باريس لحضور عروض أزياء خريف 1999 ـ 2000 خلال أربعة أيام، كما نقلت وسائل الاعلام المسموعة والمصورة صورا من تلك العروض.. ثم ان قناة تلفزيونية مختصة بالأزياء حصرا تبث باستمرار عروض الأزياء في مختلف أنحاء العالم. لكن تبقى باريس هي عاصمة «الأزياء الراقية». يقول الفيلسوف «جيل ليبوفتسكي» بهذا الصدد: «ان باريس تقرر الموضة، اذ وعبر هيمنة الأزياء الراقية يجري ابراز موضة ما تم اعدادها بشكل كامل في باريس لتلقى مباشرة الانتشار عالميا ولتتبعها النساء في كل مكان». يضم هذا الكتاب أيضا عروضا موجزة لسير حياة «كبار مصممي الأزياء» بدءا من «شارل فريدريك وورت» الذي عاش في القرن التاسع عشر الذي يعتبر بمثابة مؤسس الأزياء الراقية وحتى «جياني فيرساتشي» الذي اغتيل في ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1997، ومرورا بيير كاردان وايف سان لوران وكريستيان ديور وآخرين (47 بالاجمال). كتاب عن الأزياء الراقية كظاهرة اجتماعية واقتصادية لها تاريخيتها ومسيرتها التطورية.. ولكنها كانت دائما «فنا» لا تخبو شعلته طالما هناك نساء يردن ألا يلبسن كـ «الآخرين». قل لي ماذا تلبس.. أقل لك من أنت؟!