بيان الكتب: سيرج داسو هو رئيس شركة «داسو» للطيران، التي تصنع طائرات الميراج الشهيرة، وكان والده مارسيل داسو قد أسس هذه الشركة بعد الحرب العالمية الثانية، وسيرج داسو مهندس في ميدان الطيران حيث كان قد عمل خلال سنوات 1951 ـ 1961 مديرا لبرامج الطيران قبل ان يترأس مابين 1986 و 2000 الشركة التي تحمل اسم الاسرة «داسو» للصناعات الفضائية. اهتم سيرج داسو بالعمل السياسي العام عمليا منذ ان اصبح رئيسا لبلدية «كوربيل ـ ايسون» اعتبارا من عام 1995 واعيد انتخابه بنسبة اصوات مرتفعة لنفس المنصب خلال الانتخابات البلدية لعام 2001 هكذا اصبح «سيرج داسو» احد الصناعيين الفرنسيين القلائل الذين جمعوا بين تجربة رئيس الشركة الصناعية الكبرى وتجربة رجل السياسة، هذه التجربة الثانية هي في واقع الامر وراء مشروع انجاز هذا العمل. هذا الكتاب: «مشروع من اجل فرنسا» بعيد كل البعد عن التنظيرات السياسية التي يمكن ان تتبادر الى الذهن عند قراءة عنوانه لكنه بالمقابل يحتوي على كم كبير من الاقتراحات الملموسة القائمة على التجربة المعاشة لصاحبه «سيرج داسو» ولعل جملة واردة في هذا الكتاب تلخص الى حد كبير التوجه الاساسي الذي تقوم عليه خيارات المؤلف تقول هذه الجملة: ان اقتسام الثروة يعني الاشتراكية، اما خلق الثروة فيخص الليبرالية، اما الثروات بالنسبة للجميع فهذه تمثله الليبرالية التشاركية، القائمة على المشاركة، هذه «الليبرالية التشاركية» تعتمد على مقولة اساسية هي ضرورة زيادة الثروات اذا كان يراد بالفعل حل مشاكل البطالة ورفع مستوى معيشة الجميع. ولا يتردد «سيرج داسو» في القول بأن ممثلي الشعب في البرلمان ومهما كان المعسكر السياسي الذي ينتمون له، يسارا او يمينا او من المستقلين فإنهم مطالبون بالخروج بالبلاد من المأزق التي وجدت نفسها فيه منذ سنوات عديدة، ذلك ان اصرارهم على رفض اتخاذ بعض الاجراءات التي قد تكون غير شعبية ولا تحظى بتأييد الرأي العام، فإن البلاد ستجد نفسها باستمرار في وضع منافسة خاسرة في اطار العولمة وذلك على اعتبار ان «الاجراءات» المقترحة وربما غير الشعبية هي «وحدها الكفيلة بالاجابة على الاسئلة الحقيقية بالنسبة للمستقبل الاقتصادي لبلد مثل فرنسا كما يقول سيرج داسو. المعضلة الاولى التي يواجهها الاقتصاد الفرنسي وتشكل عائقا كبيرا امام تطوره وازدهاره تتمثل في «الزيادة المفرطة» بالقوانين والضوابط والاعباء التي تثقل على الفرنسيين بشتى مستوياتهم وامام مثل هذا الوضع يرى المؤلف بانه لابد من تبني «السياسة الجيدة» اقتصاديا، والتي اثبتت فاعليتها في امكنة اخرى وهي «ليست يمينية او يسارية» وانما تأخذ من النظريات الاقتصادية افضل مافيها، ويمكن لاطروحات «سيراج داسو» ان تقترب بهذا الصدد من تلك التي قال بها «الحزب العمالي البريطاني الجديد» بقيادة توني بلير واثبتت حتى الان نجاحا كبيرا في ميادين عديدة، وهي التي جرت العادة على تصنيفها تحت عنوان «الطريق الثالث» وهذا ما يعبر عنه «سيرج داسو» بـ «الليبرالية التشاركية» ما يلفت الانتباه ضمن هذا السياق هو اختيار المؤلف لجملتين كي يصدر بهما كتابه احدهما قالها الرئيس الفرنسي الاسبق الراحل «جورج بوبيدو» الذي عرفت فرنسا في عهده ازدهارا اقتصاديا كبيرا وجاء فيها: «كفوا عن ازعاج الفرنسيين، هناك الكثير من القوانين ومن النصوص وكثير من الضوابط الكابحة في هذه البلاد» اما الاخرى فهي جملة قالها رئيس الوزراء البريطاني الحالي توني بلير وجاء فيها: «ان السياسة الاقتصادية الجيدة ليست يسارية او يمينية وانما هي التي تثبت انها قادرة على النجاح». يؤكد «سيرج داسو» في المقترحات التي يقدمها على ضرورة ان تجمع اية خطة تنمية تنظر الى مستقبل افضل بين «التقدم الاقتصادي» و «التقدم الاجتماعي» اذ «لاشيء يمكن ان يتطور اذا لم يكن البشر يمتلكون الدوافع الحقيقية للمشاركة على مختلف المستويات ويمكن لهذه الدوافع ان توجد اذا تم اعطاؤهم مسئوليات واذا لم يتم لاتجني ثمرة عملهم» لكن الخطوة الاولى في ولوج مثل هذا الطريق تقتضي التخلص من عدة «افكار خاطئة» تعيق باستمرار الهدف المنشود، وفي مقدمة هذه الافكار القول بأن الثروة لا يتم اقتسامها وانما «زيادتها» وان المحرك الاساسي للاقتصاد هو الدولة، فالمحرك هو «الانسان» شريطة التوصل الى خلق الحوافز لديه اذ لايمكن للدولة ان تحل محله، ثم ان زيادة موارد الدولة لا تأتي كما يزعم، عبر زيادة الضرائب وانما عبر النمو الاقتصادي وتقليص النفقات، كما ان تقليص عدد العاطلين عن العمل لا يأتي عبر تقليص ساعات العمل وانما عبر خلق مؤسسات وشركات جديدة، ثم من الخطأ القول بالفصل بين مصلحة المؤسسة اية مؤسسة ومصلحة العاملين فيها، وذلك بسبب واقع تداخل مصالح الطرفين. ومن الافكار الرئيسية التي يركز عليها سيرج داسو هناك التأكيد على تضاؤل الفوارق بين «اليسار» و «اليمين» وخاصة في اذهان الناخبين واذا كانت عملية الفرز لاتزال تتم في مطلع هذه الالفية الثالثة على اساس تأييد هذا الحزب او ذاك، فإنه يصعب التمييز بين هذه الاحزاب بالاعتماد على برامجها السياسية التي تتقارب اكثر فأكثر في اطروحاتها، وبكل الاحوال اصبح يتم التأكيد اليوم على مجموعة من القيم وخاصة «التسامح» و «التضامن» اللذين يشكلان مقدمة اساسية من اجل «الاعتراف» بالاخر وايضا من اجل امكانية الربط بين الحرية والمسئولية. ان المؤلف يؤكد في جميع تحليلاته على الترابط الكبير في السياق الحالي من تطور الانسانية بين الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث انه «لايمكن للنشاطات الاقتصادية ان تتطور اذا لم يخلق الاطارالسياسي والاطار الاجتماعي الظروف المؤاتية لذلك، لكن تبني سياسة اجتماعية غير محسوبة بشكل دقيق يمكن ان تعيق النشاط الاقتصادي بل خنقه وتدميره» ان سيرج داسو يخالف بوضوح في اطروحاته هذه جميع المقولات اليسارية «ذات البعد الواحد» والقائلة بوجود نوع من الصراع الطبقي يقود «الدينامية» الاجتماعية، اذ ان «حياة الامن تشكل كلا متكاملا، ولا ينبغي ان تقوم على التناقضات والصراعات لصالح هذه الفئة الاجتماعية او تلك، وانما على تضامن الجميع». المطلوب هو ايجاد نوع من «التوازن» المدروس في البحث عن تحقيق «التقدم الاجتماعي» و «التقدم الاقتصادي» دون الجنوح كثيرا في هذا الاتجاه او ذاك بعيدا عن الايديولوجيات كل ذلك لانها لن تستطيع ابدا ان تحل المشاكل الاقتصادية بسبب جهلها لحقائق الاقتصاد وقوانينه لكن بالمقابل لايمكن التأكيد على «التقدم الاقتصادي» دون الاهتمام بالبعد الاجتماعي الا وان يؤدي الى تنامي نوع من الرأسمالية التي سادت في القرن التاسع عشر بكل ما ولدته من صراعات اجتماعية طبقية، ان الرهانات الاساسية وكما يراها سيرج داسو، تكمن اليوم في امكانية التأقلم مع معطيات العصر وذلك عبر تبني «فلسفة» عمادها الاساسي هو المشاركة وتجاوز ايديولوجيات وسياسات اليمين واليسار التي عفا عليها الزمن وهذا ما عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير» ونقله عنه المؤلف حين قال: علينا ان لاننصب انفسنا كحماة متزمتين لمباديء قديمة في مواجهة معطيات العولمة التي اصبحت واقعا لا يمكن الفكاك منه. واذا «كان سيرج داسو يؤكد على رفض الايديولوجيات فإنه يطالب بالمقابل وبحزم بتبني عدد من «القيم» التي يرى بأنها ينبغي ان تقود عمل الامم والشعوب وفي مقدمتها الاعتراف بـ«كرامة الانسان» مما يستدعي بالضرورة التأكيد على «التسامح» و «التضامن» و«الحرية» و «المسئولية» وبحيث ان يكون تحسين مستوى معيشة البشر هو الهدف الاساسي لاية سياسة واذا كانت الاحزاب والقوى السياسية وبرامج الحكم كلها تتفق على مثل هذا فإنها تختلف فيما بينها على الوسائل لكنها فشلت كلها حتى الان، لانها لم تطبق «الليبرالية التشاركية» كما يقول المؤلف. ان الشر الاكبر الذي ينبغي محاربته في المجتمعات الرأسمالية، الغربية المتقدمة اليوم يتمثل في «البطالة» حيث يؤكد المؤلف على ان الخطوة الاولى في هذا السبيل تتمثل في تقليص حدة التفاوت الاجتماعي، الامر الذي يتطلب زيادة الثروات العامة كمدخل اساسي لتحسين مستوى المعيشة وايجاد فرص العمل، وهذا بدوره لايمكن الوصول اليه الا عبر تأمين «حرية العمل» بالنسبة للمؤسسات والشركات و «تقليص الضرائب والرسوم» المفروضة عليها لاسيما وان «الضغط الضرائبي» يقلل من حوافز اصحاب الشركات والمستثمرين ويقدم المؤلف ضمن هذا السياق صورة عن واقع كلفه الانتاج الكبيرة في بلد مثل فرنسا الى جانب نقص «المرونة» في العمل ،هذا في الوقت الذي ينبغي فيه مساعدة المؤسسات والشركات كي تكون قادرة على المنافسة في الاسواق العالمية وليس «خنق المبادرة بدلا من تشجيعها». « ليس ممنوعا ان نحلم ولاشيء يمنع الانتقال من الحلم الى الحقيقة اذا تم امتلاك الارادة، من اجل ذلك ولهذا قمت بتأليف الكتاب» يقول «سيرج داسو» في المقدمة.