بيان الكتب: «كان فوكو قد أعلن أن المعرفة لا يمكن لها أن تقيد العالم» وفي الأوساط الأكاديمية تم تشويه الفيلسوف الفرنسي (1926 ـ 1984) كثيرا واتهم بأنه مجرد شخص يردد أقوال الآخرين رغم أن الواقع هو أن المعرفة، التي توصل إليها فوكو هي كل ما يستعصى على الآخرين فهمه دائما، يقدم فوكو في هذا المجلد الثالث من السلسلة المترجمة التي يعنى فيها بمناقشة موضوعات متنوعة عددا من مقالاته الصحفية ومقابلاته ومحاضراته التي يعرض فيها على القاريء منهجه الفلسفي وسيرة حياته وتطور أسلوب البحث الفكري لديه. وتحمل السلسلة عنوان «السلطة، الأعمال الكاملة لفوكو». لكن أكثر الموضوعات التي يعطي لها فوكو أهمية هي مقابلاته التي قام ناشره بجمعها من العديد من المجلات التي أجرت معه لقاءات تتسم بالتحدي وبمطالبته بابداء ردود فعل تستجيب لرغبات وانتقادات نقاده وقرائه. وفي احدى هذه المقابلات يسعى فوكو جاهدا للعمل على تصحيح آراء أولئك الذين كانوا قد قرأوا أعماله واعتبروها مجموعة انتقادات موجهة للرأسماليين أو للنظام الجزائي أو للمؤسسة الفكرية وذلك في أثناء إصراره على القول بأنه يحب النظر إلى أعماله على أنها بحث في تاريخ هذه المؤسسات وأن نقاده الذين أغرتهم النتائج التي توصل إليها هم من قام في الواقع بتشويه نواياه. وسواء كنا من المصدقين أو غير المصدقين لفوكو فإن دفاعه عن آرائه ومنهجه وعن نواياه التي يقر بها صراحة تبرز على نحو شديد الوضوح، شديد الاقناع. وفي موقع آخر يتحدث بسرعة عن التيارين الفكريين الرئيسيين اللذين كان قد تأثر بهما وهما «الهيجليه» وعلم الفينومينولوجيا (الذي يهتم بدراسة تطور العقل فلسفيا)، مبينا كيف انه قاوم هذه التيارات الفلسفية في البداية وكيف انهما أصبحا بمثابة التحدي بالنسبة له على الرغم من ذلك حتى أوصلاه في النهاية إلى برنامجه الفكري وطريقة تصور مقرراته. وبالنسبة لإخفاقاته كان فوكو شديد الصرامة باستمرار وعلى سبيل المثال كان نقص معلوماته المتعلقة بمدرسة فرانكفورت وتخميناته للمشكلات الملازمة لبرامج الرعاية الصحية الوطنية من الأشياء التي تقود على الدفاع عنها بقوة وبكفاءة أيضا.أ ما المقالات الافتتاحية، فعلى الرغم من كونها موضوعات تعالج قضايا مهمة إلا أنها تبدو في الوقت ذاته بعيدة عن روح العصر مما يؤكد انه كان شديد الاهتمام بمشكلات عصره السياسية بتوفير الأساليب المنهجية التي يمكن تطبيقها. في سنة 1973 وفي محاضراته في «الحقيقة والأشكال المعرفية» تعرض فوكو لآراء الفيلسوف الألماني الشهير «نيتشة» المعروف بقوله بأن الرؤية الاسطورية للعالم قد ماتت وكان يهدف إلى مناقضته. وهنا يذهب فوكو إلى أن الوسيلة الوحيدة للدفاع عن أنفسنا تكمن في محاربته المحرمات المسوقة بالعاطفة وبطبيعة الحال فهو يدعو من خلال ذلك إلى استخدام الفكرة للثورة على القوالب الثابتة حتى لو وجد الإنسان نفسه مصنفا كخارج على القانون الذي تتلخص مهمته الوحيدة في الحفاظ على النظام والعقاب لضمان استمرار ذلك. من بين النصوص الأخرى التي تحتوي عليها مجموعة فوكو «السلطة» مقالة بعنوان «حياة رجال سيئ السمعة»، وهي مقالة تسلط الضوء على معلومات أرشيفية موثقة تم الكشف عنها مؤخرا بين مجموعة ما عثر عليه من مقتنيات سجن الباستيل. وتتضمن المقالة تعليقاً على سلسلة أعمال الرعب والفضائح والفسق والتفسخ الاجتماعي وتبديد الأموال العامة أو هي الظواهر التي يعتقد بأنها كانت السبب الرئيسي في تدمير الفضيلة والأعمال البطولية التي عرفتها فرنسا عبر تاريخها الطويل. ومن بين النصوص الأكثر أهمية أيضا هذا النص القصير المشتمل على هجوم قوي مشبوب بالعاطفة والموجه ضد الرئيس الفرنسي السابق «جورج بومبيدو» وبالتحديد على استخدامه وسائل لمنع إعاقة اقرار مشروع قانون يتعلق باعدام سجينين في سنة 1971 فيما يصفه بأنه الرغبة أو الافتتان بالموت التي يجسدها شكل المقصلة في الأساس وهو ما يكشف عما يسميه بالفاشية في داخلنا. وعلم الاجتماع لدى فوكو شيء يمكن فهمه بسهولة وعلى النحو الصحيح ويعمل هذا لدى فوكو على هيئة الكتابة والتدوين للسيرة الذاتية أو لمجموعة من القوانين، فهو بداية يعنف بقسوة قانون العدالة وينظر اليه باعتباره مستهلكاً متخصصاً في الوصول إلى غاياته بأسلوبه المتحفظ غير المشروع. وبهذا المجلد الأخير من ثلاثة مجلدات صدر منها سابقا «الأخلاق» في سنة 1997 و«الجماليات» والمنهج والمعرفة «في سنة 1998» التي تشتمل على مناقشاته ومقابلاته ومحاضراته لا يحتاج فوكو إلى من يزكيه كمنظر سياسي على الرغم من انه لم يدع ذلك، ففي النهاية لا يبقى إلا هذا الشعور بردود فعله المثيرة المفعمة بالحيوية وفضوله وشوقه المفرط إلى المعرفة وبأصالة وصدق نظرياته. كما ان هذه السلسلة من الأعمال الكاملة (1954 ـ 1984) تلقي الضوء على مساهمات هذا الفيلسوف التي عالج فيها ما كان يعتقد بأنه الممارسات الناقصة للتحليل السياسي، هذه المساهمات التي تغطي أيضا جوانب كان يأمل بأن تكون طرفاً في جوهر البرنامج السياسي للثقافة الغربية وفي مجالات الطب والطب العقلي والمؤسسة العقابية والحياة العاطفية كما تحدث عنها في موضوعات «ولادة الطب السريري» و«النظام والعقاب» و«السلطة» التي تؤكد على أهمية تحليلاته الثورية لسياسات الادارة السلوكية الفردية والحرية. وبما في ذلك كتاباته في الأدب والموسيقى وتعليقاته على الحركات الفلسفية الأخرى فإن فوكو يبرز كمفكر بطريقته الخاصة وليس أدل على ذلك من قوله وعلى نحو يجسد موقعه الحقيقي على خارطة المعرفة «لا تسألني من أكون». ان الخطاب المباشر هو أهم عناصر الفكر لدى فوكو وهو ما أدخله في دائرة النقاش مع فلاسفة آخرين كبار من أمثال نيتشه و«فرويد» و«ماركس» و«ديريدا» وغيرهم من فلاسفة القرن العشرين. مريم جمعة فرج