بيان الكتب: عندما أصدر قاسم أمين كتابه (تحرير المرأة) من مطبعة الترقي بالقاهرة عام 1899م اشتعلت الدنيا، وتحولت أوراق الكتاب وسطوره الى حرائق لاتزال مشتعلة رغم مرور قرن من الزمان، واذا كان مقبولا أن تكون رسالة الكتاب صادمة في زمانها وكأنها قذفت فجأة كصخرة عاتية في مياه آسنة فهزتها هزا عنيفا، فإن العداء للكتاب ورسالته ومؤلفه حتى الآن من قطاعات واسعة في الثقافة العربية لا يمكن فهمه الا على اساس اننا نتقدم للخلف، وبوضوح شديد مازالت الثقافة المحافظة السائدة في العالم العربي تشعر بازورار وغصة في الحلق من مجرد ذكر اسم (قاسم أمين). وترى أن المرأة (عورة) ينبغي سترها أو التستر عليها. ولابد أن تظل (رهينة المحبسين): بيتها وزوجها! والا حدثت الفتنة ووقع المحظور. وعلى المستوى الاجتماعي تسلك فئات واسعة جدا في العالم العربي بما في ذلك قطاعات من المتعلمين تعليما جامعيا تسلك سلوكا وحشيا في تعاملاتها اليومية ازاء المرأة وتنظر اليها باحتقار شديد يضعها في منزلة دونية (انظر مثلا الى قاموس الشتائم في العالم العربي ستجد أن 90% منه على الأقل موجه للأم والأخت). وعلى هذا الاساس فإن هذه الفئات لا تتقبل فكرة (تحرير المرأة) أو استقلالها، أو تمتعها بإرادة حرة ومكانة ندية مع الرجل. وتنظر الى مثل هذه الأفكار بسخرية وتعقب عليها بتعليقات جنسية رخيصة تؤكد أن قشرة الحضارة التي لبسناها زورا وبهتانا لا تليق بأرواحنا الجاهلية. لكل هذا ظل اسم (قاسم أمين) رمزا لافساد المرأة وظل كتابه الذي تجاوزه الزمن مطلوبا من محاكم التفتيش لوضعه في المحرقة وظلت الثقافة المحافظة على مدار القرن العشرين تطالب برأسه بغية تقديمه للمشنقة.. ومن ناحيتنا فلن نألو جهدا في المطالبة برأس قاسم أمين، لا لندينه وانما لنتعرف الى فكره ورؤيته للعالم. ونفحص كتابه الذي كان ومازال صدمة مدوية، ونتعرف الى مقاصده وحقائق عصره والمناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي وضع فيه كتابه، ونقارن بعد هذا بين أوضاع الماضي الذي جاء الكتاب في سياقه وبين سيرورة الحاضر الذي اكتسبت فيه المرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل أقرتها الدساتير والقوانين. سيرته الذاتية بداية تقول البطاقة العلمية والفكرية لقاسم أمين انه ولد بمدينة الاسكندرية في أول ديسمبر عام 1863 لأم مصرية وأب تركي الأصل فورث عن أمه الهدوء والسكينة، وعن والده التوتر والانفعال، وبعد أن أتم دراسته الابتدائية في مدرسة رأس التين، انتقل الى المدرسة الخديوية الثانوية، ومنها الى مدرسة الحقوق فنال اجازتها عام 1881، واشتغل عاما بالمحاماة ثم سافر الى فرنسا مدة ثلاث سنوات لدراسة القانون، عاد بعدها الى مصر ليعمل في مجال القضاء وكيلا للنائب العام ثم قاضيا في العديد من المحاكم حتى رحيله في 23 إبريل 1908م. وتقول بطاقته الفكرية انه أصدر كتابه الأول (المصريون) عام 1894م وهو كتاب دفاعي في مواجهة المستشرق الفرنسي الدوق (داركور) الذي أصدر كتابا يتهم فيه المصريين والمسلمين باتهامات مشينة. وفي عام 1898م أصدر كتابه (أسباب ونتائج) الذي يضم مجموعة مقالات نشرها في جريدة (المؤيد)، وفي عام 1899م أصدر (تحرير المرأة) ثم (المرأة الجديدة) عام 1900 وبعد وفاته مباشرة نشرت جريدة (الجريدة) كتابه (كلمات) الذي يضم مذكراته الشخصية. وتقول البطاقة السياسية والفكرية للعصر الذي عاش فيه قاسم أمين أن الحركة الوطنية والسياسية كانت قد منيت بضربة قاصمة بعد هزيمة الثورة العرابية واحتلال الانجليز لمصر عام 1882، وقبلها كان الشيخ جمال الدين الأفغاني قد جاء الى البلاد عام 1871م بفكره التحريري، ودعوته لبعث الشرق من رقدة التخلف، وهاهي كوكبة من المثقفين تتحلق حول الأفغاني على قهوة (متانيا) على رأسهم تلميذه الامام محمد عبده، ويتكون الحزب الوطني الحر كتنظيم سرى ينظم العمل ويرتب الأولويات رافعا شعار (مصر للمصريين) لا للأجانب ولا للشراكسة، ويلتحم الحزب بالعرابيين وتتوحد الحركة لكن القصر الخديوي يأمر بنفي الأفغاني من البلاد عام 1879م. غير أن تلاميذه يحملون الراية، وتنفجر الثورة العرابية في 9 سبتمبر عام 1881، وعندما فشلت الثورة توزع رجالها، ونفي الامام محمد عبده الى بيروت، ومنها الى باريس، ليلحق بأستاذه الافغاني، ويصدران مجلة (العروة الوثقى). كان الاحباط قد خيم على البلاد بعد فشل الثورة، وعندما أصدر قاسم أمين كتابه (تحرير المرأة) عام 1899، كانت مياه كثيرة قد جرت في النهر، واختار المثقفون العمل بأساليب جديدة تقوم على طول النفس، فتغيير النظم الحاكمة وبعث الأمة من جديد، لابد أن يبدأ بتغيير الثقافة السائدة، التي تقوم على الخرافات والخزعبلات، ولابد من مواجهة الانحطاط العقلي والخلقي والجهل المتفشي في أوساط الشعب، والذي يجعله في النهاية قانعا خاضعا منساقا الى قبضة الاستبداد. وهاهو الامام محمد عبده يبدأ بتجديد الفكر الديني وبتفسير عصري للقرآن هو (تفسير المنار)، يحرر فيه النص الديني من سطوة الخرافات، ويقدمه برؤية عقلية جديدة تخلصه من زيف ماعلق به من فتاوى قديمة متخلفة، وهاهو الخديوي عباس حلمي الثاني خديوي مصر الجديد يبدي تعاطفا مع الحركة الوطنية وكراهية للانجليز، ويصدر أمرا بالعفو عن عدد غير قليل من رجال الثورة العرابية، وعلى رأسهم الامام محمد عبده الذي عاد الى مصر من منفاه وعين شيخا للازهر عام 1899 نفس العام الذي أصدر فيه قاسم أمين كتابه الشهير، لم يكن قاسم أمين اذن بعيدا عن كل هذا، ويقال انه عندما كان قاضيا لمحكمة طنطا عرضت عليه قضية الشاعر عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية ومفكرها فسعى لاستصدار أمر بالعفو عنه. حالة مظلمة..! كان قاسم أمين يضع استقلال الأمة وتقدمها نصب عينيه، وهو يخط كتابه (تحرير المرأة)، والفكرة الاساسية التي يقوم عليها الكتاب هي أن المجتمع المصري يعيش في دائرة من الانحطاط العام: انحطاط فكري وعقلي وخلقي واقتصادي وسياسي، أدى الى ضمور الحس الوطني والركون الى التخلف ولا يمكن للمجتمع أن يتقدم الا بالخروج من هذه الدائرة. ويرى قاسم أمين أن الاستبداد والفساد الاداري والسياسي والحكومي هو الحاضنة التي تحافظ على الانحطاط وتعيد انتاجه، كما أن الاستبداد ليس قاصرا على النظم السياسية والادارية وانما هو أحد الركائز الجوهرية في بنية الوعي والعقل والثقافة السائدة التي تصوغ للناس طرائق حياتهم وسلوكهم ورؤيتهم لأنفسهم وتشكل عاداتهم وتقاليدهم، تلك العادات والتقاليد الموروثة التي يحافظون عليها الى درجة التقديس، ويرى أنه لكسر هذه الحلقة المفرغة، التي تنتج وتعيد انتاج التخلف والانحطاط، لابد من تغيير وضع المرأة في المجتمع، (فالمرأة مدرسة اذا اعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق)، واذا أهملتها وحقرتها وزرعت في عقلها التخلف والدونية فسوف تلد وتصوغ رجالا على شاكلة عقلها وروحها. وعندما نظر قاسم أمين حواليه وجد مجتمعا يضع النساء في أسفل سافلين فالأنثى عورة وعندما تكبر يغلفها في حجابين الأول: نقاب سميك لا يظهر سوى عينيها والثاني بيت مغلق الأبواب لا تبرحه الا في حراسة مشددة، وكان هذا المجتمع الذي يسلب المرأة ارادتها واستقلالها ويغلق عليها الأبواب ويرفض تعليمها كان يطلب منها أن تكون زوجة تحب زوجها وأماً تربي ابناءها وتصوغ للمجتمع الرجال، ولأن القسمة كانت ظالمة فقد عجزت (الأسيرة) التي دفنها المجتمع في غياهب الجهل عن صياغة مجتمع متحضر فالزوجة المصرية كما يقول قاسم أمين (مهما كانت لا تعرف من زوجها سوى انه طويل أو قصير، أبيض أو أسود، أما قيمة زوجها العقلية والأدبية وسيرته وطهارة ذمته ودقة احساسه ومعارفه واعماله ومقاصده في الوجود، وكل ماتصاغ منه شخصية الرجل منا، ويصير به الى أن يكون محترما محبوبا ممدوحا في أمته فهذا لا يصل إلى عقلها شئ منه. وان وصل فلا يؤثر في منزلته في نفسها وعلى هذا يكون أول من يجهل الزوج زوجته، فكيف يظن انها تحبه، نرى نساءنا يمدحن رجالا لا يقبل رجل شريف أن يمد لهم يده ليصافحهم، ويكرهن آخرين ممن نعتبر وجودهم شرفا لنا، ذلك لأن المرأة الجاهلة تحكم على الرجال بقدر عقلها). ولكن من الذي وضع المرأة في هذه المنزلة؟ يجيب قاسم أمين (سلب الرجال ثقتهم من النساء واعتقدوا انهن أعوان ابليس، فلا تسمع الا ذما لخصالهن، وتنقيصا لعقلهن وتحذيرا من مكرهن، وأنا لا أبرئ النساء الآن من هذه الصفات، ولكن أرى أن التبعة ليست عليهن، بل على الرجال. هل صنعنا شيئا لتحسين حال المرأة؟، هل قمنا بما فرضه علينا العقل والشرع من تربية نفسها وتهذيب أخلاقها وتثقيف عقلها؟ أيجوز أن نترك نساءنا في حالة لا تمتاز عن حالة الانعام؟، أيصح أن يعيش النصف من أمتنا في ظلمات من الجهل، بعضها فوق بعض، لا يعرفن فيها شيئا ممايمر حولهن؟ أليس بينهن أمهاتنا، وبناتنا، وأخواتنا وزوجاتنا؟).. وأمام هذه الحالة المظلمة بدا قاسم أمين متواضعا (ولست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل في التعليم، فذلك غير ضروري، وانما أطلب الآن، ولا أتردد في الطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل، وان يعتنى بتعليمهن الى هذا الحد مثلما يعتنى بتعليم البنين). انه لا يواجه بهذه المطالب البسيطة سلطة مستبدة فحسب، ولكنه يواجه ايضا رأيا عاما أكثر استبدادا يتمترس خلف منظومة بالية من العادات والتقاليد والأفكار التي تحيط النساء بأسوار حديدية ثم يتذرع بفهم خاطئ للدين الاسلامي يستر به تخلفه، لهذا فإن قاسم أمين سوف ينزع هذا الرداء الزائف ويكشف عن الجوهر الحقيقي للاسلام حين يقول (سبق الشرع الاسلامي كل شريعة سواه، في تقرير مساواة المرأة للرجل، أعلن حريتها واستقلالها يوم كانت في حضيض الانحطاط، عند جميع الامم، وخولها كل حقوق الإنسان، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية، من بيع وشراء وهبة ووصية، من غير أن يتوقف تصرفها على اذن أبيها أو زوجها. وهذه المزايا التي لم تصل الى اكتسابها حتى الآن بعض النساء الغربيات، كلها تشهد على أن أصول الشريعة السمحاء، تحترم المرأة وتساوي بينها وبين الرجل).. (ولكن وا أسفاه، فقد تغلبت على هذا الدين الجميل أخلاق سيئة ورثناها عن الأمم التي انتشر فيها الاسلام ودخلت فيه حاملة لما كانت عليه من عوائد وأوهام، ولم يكن العرفان قد بلغ بتلك الأمم حدا يصل بالمرأة الى المقام الذي احلتها الشريعة فيه، وكان اكبر عامل في استمرار هذه الاخلاق توالي الحكومات الاستبدادية علينا) وبالاجمال فإن قاسم أمين يرى ان الاسلام في جوهره أقر حقوقا للمرأة مساوية تماما لحقوق الرجل لأنه نظر اليها منذ البداية كإنسان كامل كرمه الله، ولكن عندما دخلت الحضارة العربية الاسلامية الى مرحلة التراجع والاضمحلال وبخاصة بعد سقوط الأندلس تقهقرت الأمة وانغلقت على نفسها وتراجع الابداع وأغلق باب الاجتهاد وازدهرت المفاهيم المتخلفة حول الاسلام والتي كانت خادمة للحكام والطغاة والسلاطين من غير العرب الذين تقدموا الصفوف في مراحل الانحطاط، والامة المظلومة لا يصلح جوها ولا تنفع أرضها لنمو الفضيلة، ولا يربو فيها الا نبات الرذيلة ومن طبيعة هذه الحالة أن الإنسان لا يحترم الا القوة، ولا يردع الا بالخوف. ويقول قاسم أمين بأسلوب بليغ (ولما كانت المرأة ضعيفة اهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالاحتقار والامتهان، وداس بأرجله على شخصيتها. عاشت المرأة في انحطاط شديد أيا كان عنوانها في العائلة زوجة أو أما أو بنتا، ليس لها شأن ولا اعتبار ولا رأي خاضعة للرجل لأنه رجل، ولأنها امرأة، فني شخصها في شخص الرجل ولم يبق لها من الكون ما يسعها الا مااستتر من زوايا المنازل. واختصت بالجهل والتحجب باستار الظلمات واستعملها الرجل متاعا للذة. يلهو بها متى أراد ويقذف بها في الطرق متى شاء، له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء والفضاء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر، له كل شئ في الوجود وهي بعض ذلك الكل الذي استولى عليه). واذا كان الأمر كذلك فهل تستطيع زوجة في هذا السياق أن تحب زوجها؟ يجيب قاسم أمين كما شاهد ولاحظ من حقائق عصره، وليس ماشاهده ببعيد عن حقائق عصرنا. يقول (سل جمهور المتزوجين هل هم محبوبون من نسائهم؟ يجيبونك: نعم، لكن الحقيقة غير مايظنون، اني بحثت كثيرا في عائلات ممايقال انها في اتفاق تام، فماوجدت الى الآن لا زوجا يحب امرأته، ولا امرأة تحب زوجها، أما هذا الاتفاق الظاهري الذي يشاهد في كثير من العائلات فمعناه انه لا يوجد شقاق بين الزوجين. إما لأن الزوج تعب وترك، وإما لأن المرأة تركت زوجها يتصرف فيها كما يتصرف المالك في ملكه. واما لأنهما الاثنين جاهلان لايدركان قيمة الحياة. وهذا الحال الأخير هو حال أغلب الأزواج المصرييين. ولا أرى مايقرب من السعادة الا في النوع الأخير، وان كانت سعادة سلبية لا قيمة لها. أما النوعان الأولان، فقد اشتريا الوفاق بثمن غال، وهو فناء أحد الزوجين في سبيل ابقاء الآخر. وغاية مايمكن أن أسلم به، هو انه قد يشاهد في عدد قليل من الأزواج شئ يقرب من المودة، يظهر في بعض الأحيان ثم يختفي، وهو استثناء يؤيد القاعدة، وهي عدم الحب.. عدم الحب من طرف الزوج لأن امرأته متأخرة عنه في العقل والتربية تأخرا فاحشا، بحيث لا يكاد توجد مسألة يمكن أن يتحدثا فيها لحظة بسرور متبادل، ولا يكاد يوجد أمر يتفقان في الحكم عليه برأي واحد. اما عدم الحب من طرف المرأة، فلأنها لا تذوق معنى الحب، ولو أردنا أن نحلل احساسها بالنسبة لزوجها نجد أنه يتركب من أمرين: ميل اليه من حيث هو رجل أبيح لها أن تقضى معه شهوتها. وشعور بأن هذا الرجل نافع لها للقيام بحاجات معيشتها. أما ذلك الامتزاج بين روحين اختارت كل منهما الأخرى من بين الآلاف من سواهما، وامتزجا امتزاجا تاما، فهما بعيدان عنه بعد السماء عن الأرض). الحمدلله اننا لم نعش في ذلك الزمان أي قبل مئة عام من الآن، ولكن هل وصلت العلاقات الزوجية في عصرنا الى تلك الصورة التي يفضلها قاسم أمين، صورة الامتزاج التام بين روحين، أكاد أشك في ذلك! تربية الانثى! ويخلص قاسم أمين الى ضرورة تعليم الأنثى وتربية عقلها ووجدانها واخلاقها، ويركز حديثه على مسألة التربية والتثقيف ولكنه في ذلك الزمان كان يتحدث باستحياء شديد عن عمل المرأة والحقيقة انه لم يتحدث عن عملها بشكل مباشر، ولكنه رسم صورة كلية للبطالة باعتبارها أم الرذائل، وحذر الرجل من أن المرأة العاطلة الجاهلة ستكون وبالا عليه لأنها لا تجد شيئا تملأ به وقتها: (فتارة تظن انه يحبها، وأحيانا تقارنه بأزواج جاراتها فيخرج من هذا الامتحان الصعب كاسبا أو خاسرا، واحيانا تجرب ميله لتعلم هل تغير أم هو باق. وأحيانا تدبر طريقة لتغيير قلبه على ذوي قرابته لتنزع منه محبتهم أن كان ودودا لهم. ولا تغفل عن مراقبة سلوكه مع الخادمات، وتراقب لحظاته عند دخول الزائرات، وتجعله دائما موضع شك ومن وسائل الاحتياط أن لا تقبل الخادمة، الا اذا كانت من شناعة الصورة وقبح المنظر وبشاعة الهيئة، بحيث يطمئن قلبها، واذا اجتمعت مع جاراتها وصواحباتها تقص مابينها وبين زوجها، وتفرغ كل مافي صدرها حتى لا يبقى سر من أسرارها حتى لو كان متعلقا بالفراش الا وقد أخبرت عنه). وينهي قاسم أمين هذه الفقرة بقوله (وعلى خلاف ذلك يكون أمر النساء المتعلمات) والسؤال بعد مئة عام عن هذه الصورة التي رسمها قاسم أمين للمرأة هل تغير الأمر كثيرا، وهل الزوجات المتعلمات تخلصن بالفعل من كل مظاهر السلوك النسائي الذي رصده ولاحظه عند النساء غير المتعلمات؟ حجاب المرأة ينتقل قاسم أمين الى الحديث عن حجاب المرأة، وهو بالمناسبة ليس ضد الحجاب العادي، أو غطاء الرأس الذي نراه الآن بل أنه يدافع عنه قائلا : ربما يتوهم ناظر أنني أرى الآن رفع الحجاب بالمرة، لكن الحقيقة غير ذلك. فإنني لا أزال أدافع عن الحجاب واعتبره أصلا من أصول الآداب التي يلزم التمسك بها) ولهذا فإنه يتحدث عن ثلاثة أنواع من الحجاب ساهمت في تخلف المرأة وأهدرت شخصيتها. أولها ذلك النقاب الذي لا يظهر من المرأة سوى عينيها ويمتد على جسدها مثل خيمة قبيحة، ويخفي شخصيتها تماما بحيث لا يمكن التعرف من خلاله على شخصية المرأة، ويرى قاسم أمين أن هذا النقاب ساهم في انتشار الرذيلة بحيث تستطيع المرأة الجاهلة أن تفعل من ورائه ماتشاء طالما أن شخصيتها غير معروفة، أما الحجاب الآخر فهو حجب النساء في البيوت، واذا خرجن لضرورة لا يخرجن الا في الليل وتحت حراسة مشددة، ولا يحدثن غريبا الا من وراء ستار. أما الحجاب الثالث فهو حجاب السلوك والتصرفات بحيث لا تتصرف المرأة في شئون حياتها الا من خلال رجل وصي عليها فتظل قاصرا مدى حياتها، ويشرح قاسم أمين الآيات القرآنية الخاصة بالحجاب في اطار المقاصد الكلية للشريعة، ويرى أن حجاب المرأة بالصور الثلاث التي أوردها لا علاقة لها بمقاصد الشريعة وانما هو نابع من عادات وتقاليد متخلفة توارثها الناس في مراحل الانحطاط والتأخر. ويتحدث بعد ذلك عن قضية الزواج والطلاق ويرفض ماتواتر في كتب الفقهاء من أن الزواج (عقد يملك به الرجل بضع المرأة) ويرى أن هذه المعنى مشين للرجل والمرأة معا، ذلك لأن المرأة ليست مجرد (بضع) ويضع قاسم أمين قاعدة أخرى يجب أن يقوم عليها عقد الزواج، وهي قاعدة (المودة والرحمة) من قوله تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة) ولهذا فلابد أن يرى الخطيبان بعضهما ويتأكدا، من تقارب وتجاذب أرواحهما وعواطفهما، وأفكارهما لكي تقوم الحياة بينهما على المودة والرحمة. ويتوقف عند ظاهرة تعدد الزوجات ويبدو أنها كانت منتشرة في عصره بقوة، ويرى قاسم أمين أن الاسلام أباح تعدد الزوجات، لكنه وضع شروطا قاسية جدا لهذه الاباحة فشرط الجمع بين أكثر من زوجة هو العدل (فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) وفي آية أخرى (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) إذن فالعدل مستحيل ومن ثم تنعدم الاباحة وتكون العلاقة الطبيعية والصحيحة مع زوجة واحدة. ويختم قاسم أمين كتابه بجدول احصائي يؤكد من خلاله صدق المقولات التي طرحها وهي أن تخلف المرأة يفضى الى تخلف الأمة وأن اهمال تعليم الأنثى وتربية عقلها ووجدانها واخلاقها ستكون نتيجته وخيمة، ومن الجدول الذي قدمه قاسم أمين نعرف أن إحصائيات الطلاق في مدينة القاهرة في الثماني عشرة سنة الأخيرة قبل صدور الكتاب دلت على أن كل اربع زوجات يطلق منهن ثلاث وتبقى واحدة. فتحي عامر