بيان الكتب: ينطلق طه عبد الرحمن في كتابه هذا من قناعة مفادها ان الاعوجاج الخلقي للحداثة الغربية بلغ تأثيره في النفوس حدا يستوجب التقويم، وهي مهمة يتصدى لها بنقد اخلاقي غيرمعهود ـ كما يقول ـ لمظاهر اساسية من الحداثة تعد عند الحداثيين سببا لتعظيم امر الحداثة، في حين تعد عند الكاتب سببا الى تعظيم حاجتها الى اخلاق الدين. ويبرر ذلك في اعتباره ان الحداثة ولدت قيما ومعاني من جنس وقائعها وظواهرها، ولاتنفع في تقويم هذا الاعوجاج الا اخلاقيات يكون لها من القوة، لا ما تضاهي به قوة الحداثة فحسب، وانما ماتجاوزها به درجة، حتى تقدر عليها وتتمكن من قطع اسباب الأذى فيها، وعلى قدر درجات المجاوزة للحداثة التي يقترحها في نقده، يكون حظ هذه الاخلاقيات من الإصلاح والتقويم. ويسعى الكاتب في نقده هذا الى الرد على الحداثيين العرب الذين يصفهم بالمقلدة، ويأخذ عليهم كونهم انتقدوا الديني بواسطة ماهو لا ديني، فلم لا يجوز عند سواهم ان ينتقدوا اللاديني بواسطة ما هو ديني، لذلك يدور كتابه على مقدمة حاول فيها توضيح ان الاخلاقية ترجح العقلانية في الاختصاص بالانسان، وثمانية فصول، تناول في الفصل الاول منها تحليل الاشكال الاساسية التي اتخذتها الصلة بين الاخلاق والدين في الفلسفة الغربية، ثم تناول مظاهر الحداثة في الخمسة فصول التالية، وخصص الفصل السابع لتخليص دعوة «الرجوع الى الاسلام» من انواع المحاصرة التي تلاقيها من خارجها وداخلها، والفصل الثامن حاول الاجابة فيه على اسئلة تدور على تجديد الفكر الديني الاسلامي، شروطا وظرفا. وفي اجراء لايخلو من نزعة جهوية يرى الكاتب ان الدعوة الى تجديد الاخلاق ليست غريبة عن تاريخ المغرب ولا عن موهبة المغاربة، وما دعوته في هذا الكتاب الا شاهد اضافي على ذلك. وينظر الكاتب الى الحضارة الغربية الحديثة بوصفها حضارة ذات وجهين: حضارة عقل وحضارة قول، ويرمي الى تقويمهما على مقتضى اخلاق الدين الاسلامي، مبرزا النقص الذي يقوم بالوجه الاول والظلم الذي يقوم به الوجه الثاني، حيث يعتبر ان هذه الحضارة من حيث هي حضارة عقل حضارة ناقصة ومن حيث هي حضارة قول حضارة ظالمة. وفي معرض اشتغاله في تبيان مظاهر النقص التي تسم هذه الحضارة، يعتبر الكاتب ان العقلانية الغربية بشقيها الارسطي والديكارتي اما انها تخل بمعايير العقلانية «السليمة»، واما انها تسيء استعمالها، لذلك يعدها مرتبة دنيا في العقلانية ويسميها العقلانية المجردة، وبناء على هذا يعتبر العقل المجرد هو العقل الخالي من اليقين في نفع المقاصد التي اختارها وبالاولى من اليقين في نجوع الوسائل التي اتخذها، بينما العقل المسدد (بفتح الدال وتشديده) هو العقل الذي اهتدى الى معرفة المقاصد النافعة، اما العقل المؤيد (بفتح الياء المشددة) فهو العقل الذي اهتدى الى تحصيل الوسائل الناجعة، فضلا عن تحصيل المقاصد النافعة، وبناء على هذا التمييز بين هذه العقول الثلاثة التي ينحاز الى ثالثها، يميز بين العقلانية المجردة التي يعتبرها خاصية الفعل الانساني الذي يقوم في السعي الى تحقيق مقاصد لا يقين في نفعها بوسائل لايقين في نجوعها، والعقلانية المسددة التي يعتبرها خاصية الفعل الانساني الذي يقوم في السعي الى تحقيق مقاصد نافعة بوسائل لايقين في نجوعها، والعقلانية المؤيدة التي يعتبرها خاصية الفعل الانساني الذي يقوم في طلب تحقيق مقاصد نافعة بوسائل ناجعة. والمتخلق بالدين وحده يصل الى رتبة العقلانية المسددة، لذلك فإن الحضارة الغربية ناقصة لخلوها كليا من اليقين في نفع المكتسبات ونجوع القدرات. ويبحث الكاتب في المضار الخلقية لحضارة القول فيجدها في ثلاثة اساسية: التضييق في مجاله والتجميد في حاله والتنقيص في شأنه، ليخلص الى ان حضارة القول التي هي الوجه الثاني لحضارة «اللوغوس» الحديثة ظلمت الانسان بترجيحها جانب القول على جانب الفعل، واتخذ هذا الظلم مظاهر تجلت في المضرات الثلاث التي اصابت الفعل الخلقي. والسبيل الى الخروج من ذلك هو الأخذ بالتجربة الخلقية التي هي من رتبة التأييد، لان قوة التخلق المؤيد تستطيع التغلب على مساويء حضارة القول ومظالمها للانسان، ثم ينتقل الى نمط المعرفة الحديث وكيفية معالجة ازماته الاخلاقية ليخلص الى انه نمط غير صالح للتوسل به في بناء نمط معرفة اسلامية حقيقية، كونه مصابا بأزمتين شديدتين، وهما: ازمة الصدق الناتجة عن فصل العلم عن الاخلاق، وازمة القصد الناتجة عن فصل العقل عن الغيب. ويناقش الكاتب نظرية التواصل لدى الفيلسوفين الالمانيين «كارل أوتو آبل» و «يورغين هابرماس» مقرا انها وضحت حدود التحكم ودعت الى تأسيس اخلاق شاملة عن طريق التناظر بين الجماعات والثقافات المختلفة، وعملت على تقييد المعرفة العلمية بمعايير كلية تنفذ آثارها في المقاييس الاجرائية التي تعتمدها المعرفة، لكنه يأخذ عليها وعلى النظريات المعرفية الاخرى التقصير عن الاسهام في الاصلاح الاخلاقي للنظام العلمي ـ التقني للعالم، لكونها اخلت اخلالا مزدوجا بشرط التناسب القاضي بأن تكون الوسيلة على قدر القصد شكلا ومضمونا. وفي محاولة لاستجماع افكاره يرى الكاتب انه مطالب اكثر من اي وقت مضى بوضع فلسفة اخلاقية اسلامية جديدة تجيب عن اسئلة السائل في العالم المنتظر. فوضع ذلك مسلمات اعتبرها عناصر اساسية في كل فلسفة اخلاقية، كمسلمة الصفة الاخلاقية للانسان ومسلمة الصفة الدينية للأخلاق، ثم حدد ممارستها في تتبع احد الطريقين: اما طريق الالزام، واما عن طريق الاعتبار، ووضع ثلاثة أركان لهذه النظرية: أولها «ركن الميثاق الأول» الذي يتعلق بالجمع بين العقل والشرع، وثانيها «ركن شق الصدر» ويتعلق بالجمع بين العقل والقلب، وثالثها «ركن تحويل القبلة» الذي يتعلق بالجمع بين العقل والحس، ثم يدعو عبدالرحمن الى «اخلاق الاسلام» وفك الحصار عنها، وهذا الحصار ذو شقين «حصار من الداخل» و«حصار من الخارج» ويرى الا طريق الى رفع الحصار غير التوسل بالاسباب التنويرية والتحريرية التي تنبي عليها هذه الدعوة ذاتها، ويختم كتابه. بالدعوة «تجديد الفكر الديني الاسلامي» من خلال البحث في شروط هذا التجديد وموانعه، مؤكدا على أن الاخلاق في الدين الاسلامي هي الاصل في كل عمل، وان الفعاليات الاخرى فروع لها، لذلك يجب على «الانبعاث الاسلامي الجديد» الانتباه الى هذا الجانب الروحي وتقديمه على الجانب المادي الذي يستعجل التقدم الحضاري طلبا لمحاكاة الحداثة الغربية. ختاما، نلاحظ ان الكاتب انشغل في نقده الاخلاقي للحداثة الغربية عن سبل وكيفية تحديد معالم هذا النقد، فالمجال الذي تناوله عريض وواسع، وضع عنوانا عاما وغائما له سماه الحداثة، وكأن الحداثة واجهة او مكان يقتصر على المعنويات، وليست صيرورة مركبة وتاريخية، نشأت بفعل تراكمات معرفية وعلمية واقتصادية واجتماعية.. الخ. فكان نقده الاخلاقي مجردا، استند فيه الى مفاهيم مجردة وميتافيزيقية، حيث انشغل في تشطير المفاهيم والمقابلة التفاضلية فيما بينها. مثلا مفهوم العقل الذي قسمه الى ثلاثة أقسام: مجرد، ومسدد، ومؤيد، يمكن رده الى تقابلين متنافرين: عقل مجرد/ عقل غير مجرد، وينتسب الى ثنائيات الميتافيزيقا التقليدية القائمة على التقابل والفصل والاحالة. ويبني الكاتب على مشكلة فلسفية عاصرها الفكر الفلسفي الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، ووجه اليها هذا الاخير نقدا واسعا في القرن العشرين، فما الطائل من هذا البناء وفق الاخلاقيات الاسلامية غير المسبوقة كما يصفها. من جهة أخرى يزج عبدالرحمن في كتابه هذا مذهبه الخاص وهو المالكية المغربية، ويخصص «ضميمة» لتبيان فضل هذه المالكية على سواها من المذاهب الاسلامية، كونها تأخذ «بالبعد عن التجزئة والبعد عن التجريد والبعد عن التسييس» مما يجعل عطاؤها على حد قوله عطاء تكامليا تداوليا تأنيسيا. هذا الاقحام لا مكان له ولا مبرر وان دعوة الكاتب بناء على ما تقدم الى حداثة من ابداعنا، لا من ابداع الاجنبي هو قول تجنيسي، مع ان الافكار والعلوم والمعارف لا تعرف التوطين ولا التجنيس ولا جوازات السفر. والسؤال المطروح هنا هو: هل يمكن اعتبار هذا الكتاب استئنافاً للقول الفلسفي العربي الاسلامي كما يبشر الكاتب بهذا في معظم كتبه؟ خاصة وأن حقله المرجعي مركزه ليس قائما على مقام يصلح لتشييد قول خاص به. لكن الجهد الذي بذله الكاتب بين الحاجة الملحة لهذا المقام الذي نشيد عليه المفاهيم، وتتواضع المشكلات عليه وفق مآلنا وصيرورتنا. عمر كوش