مع ازدياد الطلب على الكهرباء، المتوقع خلال العقود القريبة المقبلة، والنهاية المبرمجة للوقود الاحفوري، والمشكلات التي تطرحها النفايات النووية، تستكشف الابحاث المتعلقة بالطاقات المستقبلية، النظيفة والوفيرة والمتجددة، السبل المؤدية الى انجاز مشروع المحطات الشمسية المدارية، هذا المشروع المستقبلي يقوم على وضع الواح شمسية ضخمة مقرونة باجهزة قادرة على اطلاق الطاقة الملتقطة من الفضاء الى الارض على شكل موجات ميكروية، وقد اعلنت اليابان، في بداية 2001، عن نيتها بناء محطة شمسية مدارية من الآن وحتى العام 2040، ومولت الولايات المتحدة مؤخرا دراسة جادة حول هذا الموضوع. ان المحطات الشمسية المدارية ترتكز الى مبدأ نقل الكهرباء دون اسلاك مع امكان التطبيق ايضا على الارض. تعاني كاليفورنيا من انقطاعات متكررة في الكهرباء، وقد بلغ فيها سعر الكيلواط ساعة 25 فرنك فرنسي، اي اعلى بسبع مرات من ولاية نيوجرسي وبخمس مرات من فرنسا. وفي 9 مايو، اعلنت البرازيل عن ترشيد في استهلاك الكهرباء، واستراليا مهددة ايضا. لاتزداد الاجابة على السؤال «ماهي طاقة الغد؟» الا صعوبة. ومع ازدياد سكان العالم، وانضمام الكثيرين الى الرفاه الكهرومنزلي، قد يشهد الطلب على الكهرباء في الكوكب زيادة تصل نسبتها الى 75% من الآن وحتى العام 2020، كيف السبيل الى مواجهة هذا الوضع؟ يتنامى الوعي بضعف ارضنا وحساسيتها يوما بعد يوم، مشحذوا ببحوث حول ارتفاع الحرارة وظاهرة البيت الزجاجي، وقد يحد من اللجوء الى الوقود الاحفوري، الذي لا تتمتع موارده على كل حال بالتجدد. وبالطريقة نفسها، يصطدم انعاش الطاقةالنووية، الذي توصي به الحكومة الامريكية، وبشكل متنام، بمشكلة تخزين الفضلات الشعاعية النشاط. طاقة المستقبل يهدف المشروع المستقبلي الاستثنائي ـ النظيف بالنسبة للبيئة ـ الى وضع الواح شمسية عملاقة في المدار حول الارض، مقرونة بهوائيات ترسل حزما عريضة من الموجات الميكروية باتجاه مستقبلات ضخمة تتموضع على الارض. ويمكن ان ينتج كل واحد من المحطات الكهربائية الفضائية بين 1 الى 10 جيجاواط. وعلى سبيل المقارنة، يعطي مفاعل المحطة النووية ـ تضم المحطة عدة مفاعلات بشكل عام ـ نحو 1 جيجاواط. ولكن، لماذا الفضاء بدلا من الارض لنصب هذه الجيوش من الخلايا الفلطائية الضوئية؟. كان السبب الرئيسي قد اوضح في مقالة ظهرت في ابريل 2000 في صحيفة «الكتريك بوير رزيرش انستيتيوت»: وسطيا، تتلقى الالواح الشمسية من ضوء الشمس في المدار الساكن (على ارتفاع 36000 كم) ثمانية اضعاف ما تتلقاه على الارض. وليس هنالك جو على هذا الارتفاع، وبالتالي لا وجود للغلاف الغباري ولا للسحب العاكسة، كما ان دورات ليل ـ نهار بهذا الارتفاع هي اقل تأثيرا مما هي على الارض مع اسطول من الاقمار الصناعية في المدار. ليست فكرة المحطات الشمسية المدارية جديدة كانت موجودة منذ عام 1968، وتعود للمهندس الامريكي التشيكي الاصل «بيتر غلازر»، الذي استند الى امكان ترحيل الطاقة عبر الموجات الكهرومغنطيسية، يقول الباحث «حان ـ دانييل لان سون لوك»، الاستاذ في جامعة «لاريونيون»: لقد نظرنا الى الموجة دائما على انها حامل للمعلومة، ولم ينجز احد حتى الآن الثورة الفكرية التي تقوم على اعتبارها حاملا للطاقة. كانت هذه موجهة دائما عبر الاسلاك. في العام 1974، عقب الصدمة البترولية، درست وكالة الفضاء الامريكية، بتوجيه من وزارة الطاقة الامريكية، فكرة المحطات الشمسية المدارية، ولكن سرعان ماتخلت عنها بسبب كلفتها وعدم فعالية الالواح الشمسية، في ذلك الحين، لم تكن هذه الالواح تحول الى كهرباء سوى اقل من 10% من الضوء المستقبل من الشمس. لكن هذه تحسنت فيما بعد وتجاوزت بكثير 20% في الاقمار الصناعية الموضوعة اليوم في المدار. وهذه النسبة قابلة للزيادة ايضا. ثم ان وكالة الفضاء الامريكية، التي خصصت عام 1999 ـ 2000 نحو 22 مليون دولار لبرنامج بحثي حول هذا الموضوع، لم تكن آخر من اهتم بهذه المحطات الشمسية المدارية، الا ان «لان سون لوك» يرى ان النماذج من هذه المحطات لابد وان تكون يابانية، اذ لما كانت لا تمتلك اي وقود أحفوري، فقد اهتمت اليابان منذ زمن طويل بهذا الموضوع. وفي بداية 2001، اعلن «اسامو تاكنوشي»، رئيس فرع الفضاء في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية، انه سيكون لبلاده استثمارات في بحوث ودراسات الجدوى على صعيد المحطات الشمسية المدارية من قدرة جيغاواط. قمر صناعي سيزود القمر الصناعي المخصص للعام 2040، بلوحين شمسيين عملاقين بطول 3 كم وعرض 1 كم ووزن 2000 طن. وتقدر وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة ان سعر الكيلواط ساعة المنتج بهذا الشكل سيرتفع الى اقل من 150 فرنك، وبالمقارنة مع سعر الكيلواط ساعة «النووي»: اقل من 20 سنتيما للانتاج في فرنسا وبين 50 و 70 سنتيما وسطيا للبيع للجهات الخاصة. العقبة الاولى التي يصطدم بها انجاز مثل هذه المحطات الشمسية المدارية هي ذات طابع اقتصادي، لان الطاقة لاتزال رخيصة حتى اليوم. ولكن اذا حدثت صدمة طاقية، فان السيرورة ستتسارع وسيلزم ايضا تحسين مجمل المنظومات وايجاد مكونات افضل ومواد اخف لتقليل كلفة النقل، على حد عبارة «لان سون لوك»، الذي يضيف: بناءالمحطات نفسه ليس واضحا، ونفكر اليوم بالنمو الذاتي: بعد مجيء العناصر الاولى عبر سفن الفضاء، سيجري التركيب بواسطة روبوتات صغيرة تغذى بالطاقة التي يكون قد بديء بالتقاطها منذ وقت سابق. وهناك فكرة اخرى ـ للافق الابعد ـ لتقليص كلفة النقل، وتقوم على تصور قاعدة قمرية تستخرج منها المواد الاولية وتصنع فيها بنى المحطات في مصنع مؤتمت قبل وضعها في المدار حول الارض ، آخذين بالحسبان ان التخلص من جاذبية القمر هو ابسط بكثير من التخلص من جاذبية كوكبنا. سيلزم ايضا اقناع سكان الارض بان هذه المحطات الشمسية المدارية لن تشويهم في اماكنهم .. ستوضع الهوائيات المستقبلة في الصحارى، وعلى قمم الغابات او في المحيطات ليس ذلك بسبب وجود مخاطر محتملة، بل لانها ستشغل حيزا كبيرا من المكان، عدة كيلومترات مربعة. ذلك بالتحديد من اجل اتاحة بث حزمة عريضة يتخفف فيها الدفق الطاقي يقول «لان سون لوك»: المعيار الذي حددناه لانفسنا هو 50 واط/ م2 على الارض، علما ان شدة القدرة الوسطية للشمس هي 1000 واط/ م2 لنتذكر ايضا انه كي تتفاعل الموجة مع المادة، يجب ان يكون طولها بنفس حجم الذرة. الا اننا هنا ازاء موجات سنتمترية يمكن مقارنتها بتلك المستخدمة .. في الهواتف النقالة. برنامج «ناسا» الاستكشافي: في العامين 1999 و 2000، سيرت وكالة الفضاء الامريكية «ناسا» برنامجا بحثيا استكشافيا حول المحطات الشمسية المدارية هدف الى تحديد المنظومات المستقبلية وصعوبات الانجاز المطلوب تجاوزها. وقد اشتركت فيه 8 مراكز من الوكالة، و 30 شركة صناعية امريكية، و 20 جامعة، وعدة وكالات فضائية اجنبية. ووفقا لهذا البرنامج الاستشكافي، فإن نماذج الاختبار الاولى (100 كيلواط) ستنجز في العام 1906 ـ 1907، ثم الانتقال الى الميجاواط عام 2011 ـ 2012، ثم وضع النموذج البدئي للمحطة الشمسية المدارية بقدرة 1 الى 2 جيجا واط بين 2025 و 2035، واخيرا، بدءا بعام 2050 استكشاف محطات بقدرة 10 جيجاواط واكثر. وفضلا عن تغذية الارض، يمكن ان ترسل هذه المحطات الطاقة الى المسابير الفضائية الروبوتية، التي ستحلق مع نهاية القرن باتجاه النجوم الاقرب الينا.