صوت شفاف، وعين يقظة، إنها ناتالي ديساي المتلاعبة بالأنغام ومغنية السوبرانو، وديساي ليست بمغنية كلاسيكية، لكنها تطرب من يسمعها وتسعى وراءها كبرى المسارح الأوروبية والعالمية، وهي إلى ذلك ليست من محبي الشهرة، إلا في مجال الغناء فقط. إذ تسير مجهولة تماما في شوارع باريس منتعلة حذاء رياضيا، لا يلتفت إليها أحد، لا بل ربما مجهول آخر يجذبه الشكل الأنيق والنظرة المضيئة. لكن يكفي أن تمر على مسرح أوبرا أو في مسرح باريسي ليقف الجمهور مصفقا بحرارة كما لو كانت مغنية روك، علما بأنها هي نفسها ناتالي ديساي. تقول: «لا بأس أن أظل آمنة في شوارع باريس لكن ذلك محزن للموسيقى». هي سيدة نحيفة وبشوشة، حيوية التصرف، وبرهنت خفيفة الظل هذه، على أن بالامكان حيازة صوت ببساطة وبدون بهرجة تصنعها ملكات الغناء. حتى ولو عرفت منذ نعومة أظافرها أنها معدة للمسرح «منذ الخامسة من العمر عرفت أن مهنتي ستكون على المسرح، أشعر انه المكان الوحيد الذي أسمع فيه، وأؤدي بالشكل الأفضل ما أود تأديته». لكنها لم تكن تعرف آنذاك أن صوتها سيخط طريقها. ومن ملكة الليل في «المزمار السحري» لموزار في الأولمبيا إلى دمية «الحكايات» لهوفمان، مرورا بـ«لاكمي» لليو دليب و«المرأة الصامتة» لريشار ستروس التي مثلتها في مسرح شاتليه مؤخرا في باريس، أعطت ناتالي ديساي التي بدأت في المسرح، بعدا آخر لهذه الأدوار. مأساتي هي أنني أتماشى بشكل مفرط مع شخصياتي حتى حدود الانصهار التام في الانفعالات التي أمثلها. لكن الغناء حررني من ذلك. تقدم بطريقتها المتحمسة على مواجهة النوت الموسيقية، وتؤرجح الـ«فا» و«مي» مع نوتة ذاتية. الأوبرا هي بالنسبة لي حكاية أرويها، هي موسيقى وعمل أوحدهما. يعالج هذا الفن الناحية الإنسانية والعلاقة الغرامية والمؤامرة. الأوبرا هي قبل كل شيء مسرح وأحاول دوما ربط الأدوار بتجربتي الشخصية، أي أن أتناول الحد الأقصى من ذاتي. كانت حتى الآن تؤدي الأدوار الأليفة والمشهورة التي منحتها الشهرة، وتود أن تؤثر، وأن تعطي لصوتها جهورية متزايدة أكثر ضخامة، أن تحمله سماتا مأساوية كما أدت في جنيف «لاكونستانس» في « خطف السراي». وتحلم ناتالي ديساي بتأدية «لولو» لبيرغ: «إنه دور رائع كتب لنمط صوتي، لولو، تسحرني. لا أحد يعرفها لذلك باستطاعة المشاهد أن يسقط أحلامه عندها. لكن ما هي مواردي لأظل صورة طيلة ثلاث ساعات؟ يلزمني عام لاستيعاب هذا الظهور، إنني أتمتع بنشاط كثير لكنني بطيئة». بانتظار ذلك، تحضر المغنية المتواضعة دور «لوشيا دي لاميرمور» لدونيزتي باللغة الفرنسية في مدينة ليون لعام 2002، وستؤدي الأدوار النسائية الأربعة لحكايات هوفمان عام 2003، «أود أن أكون أنثى الفهد الوردية، كي لا يتعرف الجمهور عليّ بالرغم من صوتي، ان أسمن وأن أنحف وأن أحاول، انني مع تثوير خشبة المسرح كل مساء. أحب أن يتجاوز الاخراج ما يتصوره التقسيم. مللت من الاخراج التجميلي. في الخامسة والثلاثين من العمر، سميت بناتالي لأن أهلها كانوا من عشاق الممثلة ناتالي وود، وحلقت في سماء المغنيات بعد سنوات عشر من الغناء بدون خطأ، منكبة على متعة المهارة. جميل القيام بعمل لا يستطيع الآخرون القيام به. عملت بجد ودفعت الثمن للوصول إلى هذا المستوى من الدقة والسرعة، أقارن نفسي ببهلوان يتدرب ساعات وساعات ويرى أثر صورته على وجوه الآخرين. حتى المغنية مادونا سحرت بها وطلبت منها أن تأتي لتغني في حفل تعميد ابنها، وندمت لعدم تمكنها، إذ كانت تؤدي التمرينات في لاسكالا في ميلانو. وقتها مشحون بالأعمال والالتزامات وتحاول التنسيق مع زوجها عازف الباريتون، لوران ناوري وطفليها. ويعج جدول عملها بالالتزامات حتى عام 2005. قد تتمكن ناتالي ديساي وحتى ذلك الوقت من بلوغ أحد أحلامها وتأدية أغنيات كتبتها بيورك.
