هل تذكر خروشوف زعيم الاتحاد السوفييتي القوي؟ لقد كان أول وآخر من خلع حذاءه في الأمم المتحدة وخبط به على الطاولة اعتراضا على مايسمع. وكان في خروشوف صفتان خطيرتان: أنه كان ينتمى الى العمال ولا عيب في هذا الطبع لكنه لم يتعلم ولم يتهذب والثاني انه كان سكيرا ولذلك يفلت لسانه وسلوكه بمالا يليق وكان خروشوف هو أول من وقف وانتقد ستالين وعصره، وبدأ سقوط الاتحاد السوفييتي والمدهش ان الناس الآن يذكرون ستالين ونسيوا خروشوف. فلقد كان ستالين النجم اللامع لأكثر من ثلاثين عاما وبعده جاء ثلاثون نجما لا يذكرهم الا المهتمون. ولأن خروشوف كان منفلت اللسان فله طرائف تنافس طرائف جحا. بل أعتقد أنه حدث معه مثلما حدث مع جحا، الذي نسب له الناس طرائفهم، تخيل لو انه حدث معك حادث طريف وحكيته لأصدقائك، ربما ضحكوا وربما لم يضحكوا. طيب! بدلا من هذا ابدأ حديثك: أتعرفون ماحدث بالأمس قابلت بالصدفة عادل امام أو: هل عرفتهم ماحدث منذ يومين كنت أنا وفلان في فندق كذا وقابلنا دريد لحام. ثم تحكي ماحدث لك. بالتأكيد سيسقط أصدقاؤك من الضحك، لأن الحكاية نسبت الى عمدة من عمد الفكاهة. ولقد كان لنا صديق من أشهر أهل الفكاهة وهو عبدالعظيم عبدالحق الذي كان ممثلا متميزا، وملحنا كبيرا، وكان سليل أسرة عريقة، وكان أخواه الأكبران وزيرين، وانسلخ عنهما حتى انني سألته ذات مرة عن تاريخ وفاة أحدهما، فأحالني الى بعض أفراد الأسرة. وكنا أحيانا ننسب له ماحدث لنا، أو مانسجه خيالنا من مواقف طريفة. واذا كان حاضرا نظر لنا خلسة بنظرات فاحصة تزن الحكاية، فإذا قبل شرف نسبتها اليه، عدل فيها ولمعها حتى تصبح شيئا آخر وذات مرة لم يفهم أحدهم اللعبة، فصمم على تصحيح الحكاية. وتأمله عبدالعظيم بهدوء وقال له: ياابني نحن لم نطلبك شاهدا في المحكمة ! ومثل جحا وعبدالعظيم عبدالحق وقراقوش وغيرهم نسبه الناس الى خروشوف مالم يقله. ولكنه بالتأكيد هو بطل القصة التي سأحكيها لك حالا. وبالتأكيد قال ماقاله. وكان خروشوف قد زار بريطانيا وأظنه أول زعيم سوفييتي زارها. وبالطبع قابلته الملكة، وقدمت له زوجها الأمير فيليب ونحن نعرف ان الملكة ـ أو الملك ـ في بريطانيا تملك ولا تحكم أما زوج الملكة فهو لا يملك ولا يحكم. وسأله خروشوف عن وظيفته. فقال له الرجل انه زوج الملكة. وعندئذ قال له خروشوف بجلافة. وماذا تفعل في النهار؟ ! ودوى التعليق الساخر في أرجاء الدنيا. وبعد أربعين عاما مازال الناس يتناقلونه، ومازالت المجلات ترويه وكأنه حدث بالأمس. ومن الغريب أنه منذ وقت قريب جدا وقع الامير فيليب نفسه في تعبير جلف فلقد كان في زيارة لاحدى جامعات بريطانيا وتفقد فيها مشروعا لتطوير الصواريخ. وها هو يفعل شيئا في النهار كان من الممكن أن نفحم به خروشوف ورأى الأمير فيليب بين من رأى صبيا ملئ الجسم هو أندرو آدم. وقال الصبي أن من أحلامه اتمام مشروع الصواريخ، وأن يكون هو أحد الرواد البريطانيين، ويصعد الى الفضاء. وضحك الأمير فيليب وما كان يجب أن يضحك وقال له: لابد أن تقلل وزنك.. أنت سمين جدا! وحاول الصبي أن يضحك معتبرا انها ليست سخرية بل فكاهة طيبة. وهل جدود أندرو يعودون الى العصر العثماني أو المملوكي عندما كان يقول الناس: ضربك شرف ياأفندينا! ولكن أم أندرو غضبت جدا وقالت: - هذا رجل محترم في منصب كبير جدا، كيف يقول لصبي هذا الكلام الجارح! ولابد أن الملكة لامت زوجها على ماقاله فالملكية العريقة في بريطانيا اصبحت على كف عفريت. واذا كان ماقاله الزوج من الممكن أن ينتهي أثره بعد فترة، الا أن تراكم الاخطاء قد يفعل مالا يتوقعه أحد. أما الصحافة البريطانية وهي أقل وقارا وحرصا من البريطاني العادي، فلقد فتحت النار على الأمير الزوج، ونشرت تاريخ حواراته السقيمة عندما زار فيليب الصين في الثمانينات اجتمع بالدارسين البريطانيين الذين يقومون بدراسات في الصين. وقال لهم: ـ عودوا الى بريطانيا بسرعة. فلو طالت اقامتكم هنا، ستضيق عيونكم مثل الصينيين! وكانت أزمة خاصة انه وصف بكين آنئذ بأنها مدينة أشباح! وكانت عجائز النساء زمان يقلن أن الملافظ سعد! وهذا صحيح. كنا ذات مرة في انتظار أحد المسئولين، وتأخر أكثر ممايجب وادهشنا هذا ثم رأيناه يدخل مندفعا ويعتذر: أنا آسف فلقد نسيتكم! ـ وساد الجو توتر، فلقد كان المنتظرون من الذين يصعب نسيانهم. وهمس أحدهم بأن ماقاله ليس بريئا، بل قصد أن يقوله. لكن بالتأكيد كان مجرد خطأ. وبعض الاخطاء قاتلة. ومن اخطاء اللسان التي اصابتني اننا كنا في مهرجان السينما. والزحام شديد، والخطأ وارد وكان يوسف أدريس في طريقه الى الخارج، فحياني وهو يمر بي، وقال لي: سنتكلم ياعصام! وأعتبرته فلتة لسان، فأنا أعرف يوسف أدريس منذ عمله كطبيب صحة، وقبل أن يصدر كتابه الأول. وأبدى من معي دهشتهم لهذا الخطأ، بل واحتجاجهم عليه. وأخذت أضحك وأهون الأمر عليهم، فهو خطأ لا أهمية له. وعرفت بعد ذلك ماحدث فلقد اكتشف يوسف أدريس الخطأ الذي وقع فيه وقرر أن يكلمني ليعتذر. ولكن رقم التليفون الموجود عنده لم يرد. إذ كنت قد تركت الشقة. فاتصل بكل الذين لهم نفس الأسم، وادار معهم حوارا. وكانوا خمسة. بعضهم سعد أن يتكلم معه يوسف أدريس. وبعضهم استاء لأن الوقت تأخر. ولما اكتشف أن رقم تليفوني ليس أحد هؤلاء، طلبه المخرج الكبير محمد فاضل. فقالوا له أنه في المونتاج. واتصل بالاستديو وقال له فاضل أن رقم تليفوني في البيت. وعندما ايقظني صوت يوسف أدريس كانت الساعة الثانية صباحا. قلت له: ـ لم يحدث شئ له أهمية على الأقل هو أقل أهمية من ايقاظي في هذا الوقت! واعتذر ليضع السماعة. ثم يوقظني مرة أخرى في السابعة صباحا معتذرا عن انه ايقظني في الثانية! وليس فينا من لم يقع في شئ كهذا. فلقد قدمت أحدهم لآخر وفوجئت به يصحح الاسم. وأما الكارثة فإن هذا تكرر مرة أخرى. ولذلك قررت قطع علاقتي به !! أما اسوأ المرات التي اخطأ فيها أحد، فلقد كانت عبده مشتاق. وهو اسم يرمز للحالمين بالوزارة. وكان صاحبنا من أشهر الذين ينتظرون الى جوار التليفون متهيأ للمنصب. وكنا في لقاء فيه مسئولون كبار. وطلب عبده مشتاق الكلمة لينعي أحد الأعضاء الذي مات في عز الشباب. ولكن بدلا من أن يقول اسمه قال اسم ابن أحد كبار المسئولين. وفي ثانية رأيت شعر الموجودين فلقد اختفت وجوههم عندما اخفوها في الأرض! سلمنا الله من هذه الاخطاء القاتلة. وجنبنا تفسيرات فرويد وحواريه الذين يقولون ان الخطأ يعبر عن شئ في نفس المخطئ! والله ابدا!