كعادتها.. أمسكت بقدح الشاي الدافئ.. توجهت إلى ذلك المقعد المنصوب دائما أمام شاشة الكمبيوتر.. داعبت بعض الآزرار.. اضيئت الشاشة.. سألت نفسها بماذا تبدأ. لنبدأ بالرسائل.. ماهذا يبدو أنها كثيرة هذه المرة.. انها «علياء» تطلب أن تتصل بها فور قراءة الرسالة.. وهذا «عمر» يؤكد انه لن ينسى هدية عيد ميلاده التي لم يأخذها بعد.. وتلك رسالة «وفاء» تخبرها بميعاد زفاف ابنتها.. ماهذه الرسالة القصيرة.. رسالة من كلمتين فقط..!! دققت جيدا الرسالة حقا من كلمتين أنت طالق سارعت بالنظر في توقيع الرسالة.. انه هو.. زوجها.. ووقتئذ سقط فنجان الشاي. ومازالت التكنولوجيا تكتشف يوما تلو الآخر كلمات السر التي تدخل بها إلى حياتنا وتعبث بها كيف تشاء مقتصمة بذلك أدق خصوصيات الحياة. تلك التكنولوجيا التي تحمل أكثر من وجه فتارة هي الوديعة الهادئة النافعة لبني البشر في أمور دنياهم وتارة أخرى ترتدي وجهها الأكثر شراسة والذي يكسوها بملامح الرعب الذي يهدد الجميع.. هذا كله جائز وطبيعي وعلينا التسليم به ولكن مايخالف الطبيعة أن يبحث الإنسان بنفسه على الطريقة التي يحول فيها وجهها الجميل إلى الوجه الأكثر قبحا فيضر نفسه ويضر غيره. فها هو الأنترنت ذلك الحلم الذي لم يكن حتى يراود المفكرين في خيالهم يوما ما والذي صار أشبه بالبساط السحري الموجود فقط في الأساطير القديمة والذي يتخطى الإنسان حواجز الزمن والمسافة ليصل إلى مايريد فقط بمجرد لعبة بعض الأزرار وبه استطاع الإنسان وهو في مكانه أن يتعرف على آخر لا هو من قومه.. ولا يحمل قيمه ولا يتحدث لغته ومع هذا يراسله فيعرف ثقافته ويطلعه هو على ثقافته.. ولم يصل الأمر إلى هذا الحد فقد استطاع كل منا أن يمسك آلة صغيرة تزداد صغرا كل يوم حتى أصبحت أصغر من عقلة الأصبع وفجأة يأتيك صوت من يبحث عنك وتبعث اليه بصوتك تريح قلبه وتفيده بمايطلب. نعم.. كل هذا جميل ولكن ان تستيقظ الزوجة على ذلك الأزيز الخافت الذي يعرفها أن هناك رسالة من شخص ما فتداعت ازرار هاتفها المحمول فتقع عينيها على كلمتين قامت دنيتها بسببهما ولم تقعد فقد كانت اشارة بسيطة تعرفها أن حياتها الزوجية قد انتهت فقد بعثت هذه الرسالة من زوجها حيث تفضل سيادته قائلا «أنت طالق» ربما تفتح يوما امرأة أخرى بريدها الالكتروني باحثة عن رسائل جديدة فلا تفاجأ عيونها سوى رسالة من وسط عشرات الرسائل تفيد بأنها تركت عالم الزوجات لتدخل دنيا المطلقات أعتقد أن ذلك هو اسوأ مايمكن أن تستخدم فيه تكنولوجيا العلم الحديث. وهنا تثير عدة اسئلة نفسها.. أولا.. هل يرضى جيل الانترنت والمحمول عن أمر كهذا؟..! وماهو رأيهم في من يقدم على مثل هذا الفعل؟..! وماذا لو تعرضت احدى بنات هذا الجيل لشئ مشابه؟ والسؤال الأكثر أهمية.. ماهو مدى قانونية هذا الطلاق خاصة بعد أن ثار جدل غير عادي حول زواج الانترنت فما بالنا بطلاق الانترنت ولا ننسى أن نتعرف على رأي الشرع في ظاهرة كهذه يتحدد بها نهاية علاقة من أقدس وأقوى العلاقات بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي. اجابات تلك الاسئلة تحملها الينا السطور التالية.. راويه محمود سيف «25 سنة» تقول: إن من يقدم على أمر كهذا انسان مجنون ومريض نفسيا ولا يمكن أن يكون التعامل معه بشكل سوي لأنه في الأساس إنسان غير سوي وعلى الزوجة التي طلقها أن تحمد الله سبحانه انها تركته لأنه مجنون كان من الممكن أن يحدث منه أمرا أكثر من هذا. وتشاركها الرأي علا أحمد عز الدين وتضيف على كلامها: الرجل في أمر كهذا يتخيل أن أهم ملامح رجولته وأقوى مميزات بني جنسه وأقصد هنا القدرة على المواجهة وكان من باب أولى أن تختبئ المرأة خلف أزرار الكمبيوتر أو سماعة الهاتف أما هو فمن المفروض أن يكون على قدر مسئوليته كرجل ويواجه الموقف. ويقول على كارم «35 سنة» يقول: رغم أنني رجل ويجب أن أدافع عن معشر الرجال الا أنني أرى أن الرجل الذي ينهي حياته الزوجية بهذا الشكل ومهما كانت مبرراته رجل خائن للمبادئ الإنسانية ولا يستحق حتى مجرد الندم عليه.. وعلى زوجته أن تفرح لأنها اكتشفته ولم تكمل معه أيام عمرها المقبلة التي كلما مرت كان الاحتياج بين الاثنين أقوى. ويشترك «أحمد إبراهيم حزين 30 سنة» في الرأي مضيفا: كيف يمكن أن نصف رجلا كهذا بأنه رجل أعتقد أنه تخلى عن كل معاني رجولته وفضل أن يشترك في المعركة مختبأ خلف جدار زائف وعليه أن يندم مابقى من عمره وأن يتأكد أنه لن ترتضي أي امرأة أخرى أن ترتبط به لو علمت كيف انهى زواجه السابق بهذا الشكل المهين. تقول ميادة أبوالعلا «32 سنة» أعتقد أنه لو حدث لي ماتقول سأترك جهاز المحمول وأبحث عن وسيلة انتقم بها لكرامتي التي قتلها هذا الإنسان الذي وصل به الأمر إلى حد الاستهانة بالبشر في لحظة من أحوج بل هي أحوج لحظات حياتهم وأعتقد أن القتل هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تريح قلبي. ويضحك زوجها المسكين المتواجد في نفس المكان ويعلق انه بالقطع مع المرأة التي تعامل في طلاقها بهذا الشكل ولكن مع هذا أرفض مجرد كلمة قتل في حل أي مشكلة لأن المنتقم الأكبر هو الله عز وجل وبخصوصي فلن أسمح بدخول الكمبيوتر منزلي ولن أشتري لزوجتي هاتفا محمولا.. كما ذكرنا فإن السؤال الأكثر أهمية هو مدى شرعية هذا الطلاق وماهو مدى قانونيته.. وحول هذه النقاط الهامة كان للمستشار يحيى الجمل رأي نشر في احدى الصحف رأينا انه جدير بالعرض في هذا التحقيق وذلك لأنه يوضح لنا الفرق بين رأي الشرع ورأي القانون والذي يمكن أن يكون في حاجة إلى التفريق بينهما حيث يقول: يجب أن نفرق بين الجانبين الشرعي والقانوني فالجانب الشرعي يتم الطلاق فيه بعقد النية وابلاغ الزوجة به.. فإذا كان صحيحا ان الزوج عقد النية على الطلاق وأعلنه على زوجته فقد وقع الطلاق شرعاً أما من الناحية القانونية أو من ناحية اثبات الطلاق فإن القانون نص على اجراءات محددة وهي أن يتم الطلاق أمام المأذون أو أمام الموثق وان يتم اثباته ومادام ذلك لم يتم فمن الناحية القانونية لم يقع الطلاق وبالتالي لا يعترف القانون بطلاق الأنترنت أو الفاكس أو حتى التليفون وفي هذه الحالة فالمطلق مسئول أمام ربه وضميره واستنادا لهذا المنطلق وجدت محكمة الأحوال الشخصية بمدينة الاسكندرية ان اجراءات طلاق جاكلين فاروق «22سنة» سنة من زوجها هشام محمود كانت اجراءات باطلة حيث كانت القصة كما يلي: تقدمت جاكلين فاروق بدعوى ضد زوجها ذكرت فيها أن الزوج هجرها بعد سبعة أشهر من الزواج حيث سافر إلى بعثة دراسية في الخارج وانها فوجئت ذات يوم برسالة عبر الانترنت داخل بريدها الالكتروني اخبرها فيها زوجها انه تزوج من أجنبية وأنها أصبحت «طالق» واستطردت جاكلين في دعواها: بعد ذلك بفترة طويلة عرض عليها الزواج فوافقت ولم تخبر المأذون الشرعي بزواجها وطلاقها الغريب الذي حدث لها.. وبعد أن علم الزوج الأول بماحدث هددها برفع قضية «زنا» لأنها مازالت في عصمته «وقد تقدمت هي للمحكمة بصورة ضوئية من الرسالة التي وصلت اليها عبر الانترنت تفيد بطلاقها ولكن كان حكم المحكمة في غير صالحها ورفضت دعواها وقالت في حيثيات حكمها إن المحكمة لا تعترف بطلاق كهذا لأنه وصل عن طريق الانترنت تلك الطريقة التي لم يعتد بها في مصر حتى الآن كدليل اثبات أو نفي من القضايا أو التعاقدات التجارية والمعاملات من أي نوع. رغم أن الحكم السابق صدر بالفعل من المحكمة الا انه بسؤال الشيخ «عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ» المفتي العام بالسعودية حول هذا الموضوع وبعد أن أحاله إلى اللجنة العامة لهيئة كبار العلماء كما جاء في احدى الصحفة السعودية تفضل بالاجابة «التلفظ بالطلاق تترتب عليه احكامه الشرعية وان لم يكتب أو يسجل لدى الجهات المختصة فمتى نطق به وقع». وزيادة في تفسير تلك الفتوى استطرد بيان دار الإفتاء السعودية قائلا :« مجرد نية الطلاق لا توقعه اذا حدث الإنسان نفسه ونواه مع نفسه ما استند في ذلك إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز عن أمتى ماحدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم به» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمام هذا التضاد مابين اقرار الحكم شرعا وبطلانه قانونا كان لنا هذا اللقاء الذي حاولنا دراسة الأمر فيه أكثر علنا نصل إلى نتيجة حيث تفضل الدكتور عبدالصبور شاهين بإبداء رأيه كعالم جليل له مكانته العلمية حيث قال: «ياسادة كفانا تهريجا.. نعم فمايطلق عليه طلاق الانترنت ليس سوى نوع سخيف من التهريج المبتذل الذي لاينفع ولا يضر.. إن هذا الطلاق تتوافر فيه كل أساليب الغش والخداع وعليه يستطيع أي عابث أن يطلق بواسطته نساء الدنيا كلها من رجالها لأن وسيلته صناعية سهلة يحترف جيدا كيفية اساءة استغلالها فمن الممكن جدا أن يكون مرسل رسالة الطالق أي انسان أخر غير الزوج ولكن آخر كل قدراته أنه يعرف فقط عنوان البريد الالكتروني للزوجة أو رقم هاتفها المحمول.. وبنبرة غاضبة تحمل لهجة الحسم استطرد فضيلته قائلا «تعال لنعرف معا شروط الطلاق ليكون شرعا طلاقا سليما واقعا ان أهم شروطه المواجهة والمباشرة وأن تعلم الزوجة بطلاقها مباشرة وليس عن طريق مجرد رسالة الكترونية. ووجدتني استوقف فضيلته سائله هل يمكن أن نقيس طلاقا كهذا على الطلاق الغيابي.؟ وبنفس اللهجة الحاسمة يسارع فضيلته بالرد: أبدا.. أبدا .. هناك فرق شاسع يلغي عملية القياس نهائيا فالطلاق الغيابي لابد أن يثبت فيه الزوج طلاقه أمام مأذون أو محكمة أو جهة رسمية وقبل ذلك يثبت شخصيته أما طلاق الانترنت فهو لم يثبت لا الطلاق ولا الشخصية.. ثم أن هناك نقطة هامة ذكرناها سابقا أن هناك امكانية لدخول أي شخص على الهاتف المحمول ويرسل رسالة عبره أو عبر البريد الالكتروني يطلق فيه المسكينة وهي في الواقع والشرع مازالت على عصمة رجل. وما رأي فضيلتكم في طلاق الهاتف اذن؟! قال هنا الوضع مختلف فلو كان الزوج غاضبا من زوجته وألقى عليها يمين الطلاق عبر الهاتف وهي متأكدة من صوته فهي طالق ولكن لن يعتد بهذا الطلاق الا بتوثيقه رسميا وشهادة الزوجين أنه طلقها وهي سمعت ويتوقف قليلا ليقول بنبرة حزينة أكثر منها غاضبة ثم تعال ياأخي أليس من باب أولى أن نهتم بشئون ديننا ودنيانا الهامة والتي نتعرض فيها كل يوم وكل ساعة لهجمات التشويه والتزييف بدلا من أن نتوقف أمام الانترنت وطلاقه وزواجه وشرعية رسالة المحمول من عدمها.. انني أرى أننا نواجه تحديات أقوى وأهم بل وأعظم من تلك الأمور.. الا ترى حقا أننا نهرج وعلينا بالفعل أن نكف عن هذا التهريج.. حقا.. كفانا تهريجا. وقالت د.سعاد صالح أستاذ الفقه الاسلامي بكلية الدراسات الاسلامية جامعة الازهر بخصوص الطلاق عبر الانترنت فقد سبق وتحدثت فيه أمام كثيرين من أبنائنا ليتعلموا كيف تكون المعاملة بين الزوجين في ديننا الحنيف حول بطلانه واقراره فإن الشرع يرى أن الطلاق واقع اذا ماصدر عن الزوج بعد النية وعليه فإن طلاق الانترنت أو رسالة المحمول أو التليفون العادي كلها تدل على طلاق واقع شرعا ولكن الشرط الأساسي لصحة وقوع هذا الطلاق هو تأكد الزوجة واقرارها بأن صاحب الرسالة التي وصلتها هو الزوج نفسه ولا أحد غيره يعبث بهاتفه المحمول أو الكمبيوتر الخاص به. وتستطرد د. سعاد قائلا «إن المحزن للأسف الشديد انه وحتى الآن هناك تضارب بين الشرع والقانون من حيث رؤية كل منهما القضية الطلاق عبر الرسائل الالكترونية والمشكلة الأكبر هي عدم القدرة على تحديد «عدة» المطلقة في حالة الأخذ بصحة وقوع الطلاق فالمشرع يرى أنها طالق لحظة معرفتها بالرسالة والتأكد من أن الزوج هو المرسل وهنا تبدأ عدتها.. بينما لا يقتنع القانون الا بالطلاق الموثق ولا تبدأ عنده عدة المطلقة الا منذ لحظة توثيق الزوج لهذا الطلاق وهو الشكل الذي سيساعد الزوج سيئ النية في التلاعب وكسب الوقت لاغراضه الخاصة أو ربما عدم التسجيل نهائيا حتى تبقى هي على ذمته رغم أنه طلقها.. وهكذا فالطلاق على الانترنت مشكلة كبيرة ندعو الله أن يساعدنا في التغلب عليها. القاهرة -احمد عبدالمنعم