رحلة طويلة مع الفن تلك التي قطعها الفنان الكبير رشوان توفيق أو «الحاج رشوان» كما ينادونه في الوسط الفني. خمسون عاما من العطاء لم ينحرف فيها عن الطريق الذي حدده لنفسه «طريق الالتزام والجدية» أمتعنا خلالها ومازال بأدائه المتميز وقدراته الفائقة على التعبير سواء في المسلسلات الدينية أو الاجتماعية. ولعلنا نذكر له دور «ورقة بن نوفل» في مسلسل «على هامش السيرة» و«عبدالله سبيرو» في «الحاوي» و«أبو العلا محمد» في «أم كلثوم».. وعشرات الأدوار التي حفر بها اسمه وصورته أيضا في قلوب المشاهدين، ورغم تقدم السن لم يرفض الحاج رشوان الوقوف على خشبة المسرح القومي عندما وقع بين يديه نص مسرحي جيد للكاتب أسامة أنور عكاشة وقرر فورا العودة الى المسرح القومي بيته بعد غياب 19عاما ليجسد شخصية المناضل العجوز في عرض «الناس اللي في التالت». التقينا به في حجرته بالمسرح وحاولت رصد مشواره الطويل والتعرف على أهم المحطات في حياته. في البداية سألناه عن سر قبوله العمل بالمسرح بعد هذا الغياب رغم الجهد الكبير الذي يتطلبه الدور فقال: ـ بصراحة، في البداية قلت للمخرج محمد عمر إني كبرت ولا أستطيع الوقوف على خشبة المسرح لأن ذلك يتطلب جهداً لا أقدر عليه، ولكني من منطلق حب الاستطلاع سألته عن المؤلف فقال اسامة أنور عكاشة، فقلت له على الفور: هات النص أنا موافق وبالفعل عندما أرسل لي النص لم أتردد في الموافقة خاصة بعد أن علمت أن بطلة العرض هي سميحة أيوب وهذه السيدة بالذات أتفاءل بها وعملت تحت قيادتها سنوات طويلة عندما كانت مديرة للمسرح القومي وقبله المسرح الحديث، وهي أيضا سيدة المسرح العربي والعمل معها متعة حقيقية. ـ عملت في مجالات أخرى غير التمثيل فهل كان هذا سببا في تأخر شهرتك؟ ـ البداية كانت من خلال المعهد العالي للفنون المسرحية حيث بدأت مع أوائل الخمسينات في العمل كمساعد مخرج بالمسرح وعندما تخرجت عام 1955 عملت بالتمثيل الى جانب الاخراج المسرحي، وكنت في بداية دراستي بالمعهد طالبا في نفس الوقت بكلية الحقوق لكني تركتها وأنا في السنة الثانية لأتفرغ للفن، وخلال فترة دراستي بالمعهد مثلت على خشبة المسرح القومي مع عمالقة التمثيل حسين رياض وسميحة أيوب وشفيق نور الدين وسناء جميل وحمدي غيث ويوسف وهبي. وكانت تنتابني حالة خوف لوقوفي وسط هؤلاء العمالقة لكني استفدت منهم كثيرا، وبعد حوالي خمس سنوات من التخرج والعمل المسرحي، افتتح التلفزيون فالتحقت به وعملت مساعدا للمخرج كمال أبو العلا في برنامج «من الجاني» ثم انتقلت الى مسرح التلفزيون لمدة 8 شهور بعدها استدعاني مدير عام البرامج بالتلفزيون لأخرج نفس البرنامج البوليسي «من الجاني» ثم قدمت مسلسلا آخر من اخراج وتأليف فاروق الهجرسي في قالب بوليسي بعنوان «الحجرة» واستمر لمدة ست سنوات من عام 1962 حتى عام 1966 بعدها قررت التفرغ تماما للتمثيل. ـ ولماذا ابتعدت عن السينما؟ ـ حلم السينما بالنسبة لي كان في الاخراج وليس التمثيل ولو افتتح معهد السينما في الخمسينات لكان هناك اتجاه آخر، فقد كان عقلي وتفكيري سينمائياً لكني التحقت بمعهد الفنون المسرحية باعتباره النافذة الوحيدة على الفن المسرحي، ولكن عندما افتتح التلفزيون اتجهت اليه وكان بالنسبة لي نافذة مهمة جدا، لأن المسرح كانت فلوسه قليلة وظروفنا كانت صعبة، ولكن الحقيقة أن ظروفنا المالية كانت أفضل ممن سبقونا رغم قدراتهم وشهرتهم الكبيرة، والآن الممثلين في وضع مادي أفضل من جيلنا لأن الانتاج زاد وتوسع والفرص زادت أمامهم. ـ هل معنى ذلك أن التلفزيون هو المحطة الأهم في حياتك؟ ـ بالتأكيد، التلفزيون هو الأهم في حياتي لأن الناس عرفتني من خلاله ولكن انتمائي كان للمسرح، أما السينما فأعتقد أنني لم يكن لي حظ معها رغم أنني قدمت في بداية حياتي مجموعة من الأدوار المهمة في أفلام «نادية» و«الملاعين» وحصلت على جائزة عن دوري في فيلم «جريمة في الحي الهادئ» اخراج حسام الدين مصطفى. وأعتقد أن انطوائي وعدم اختلاطي بالوسط الفني كان سببا في تراجعي سينمائيا، فلم أتعد الأدوار الثانية وفضلت الابتعاد. ثم بدأت بعد سن الأربعين في أداء أدوار صعبة مركبة وتحتاج الى قدرات تمثيلية جيدة، فقدمت منها الكثير في أعمال تلفزيونية كبيرة وعرف الناس أن هناك ممثلا جيدا اسمه رشوان توفيق ودخلت الى قلوب الناس في مصر والعالم العربي والحمد لله إنني طوال مشوار يقترب من الخمسين عاما لم أفرط في التزامي. ـ لماذا لم يتجه أحد أبنائك الى مجال الفن؟ ـ أنا أبعدتهم عن هذا المجال لأنني عانيت كثيرا فيه، ولم أشأ أن يعاني أحد منهم مثلما عانيت، وكان ابني الكبير توفيق رحمة الله عليه يهوى الموسيقى، لكني وجهته لدراسة القانون، وابنتي هبة مذيعة بالتلفزيون الآن وخريجة كلية الآداب «قسم انجليزي»، وقد عرض عليها التمثيل في مجال السينما والتلفزيون ولكني رفضت وهي أيضا فضلت العمل كمذيعة، أما ابنتي الثالثة فتعمل محاسبة ومتزوجة من قاضٍ. القاهرة ـ هشام الهلوتي