الموسيقى منتشرة بشكل مكثف في عالمنا اليوم، ويقول علماء الاعصاب ان الالحان الموسيقية التي وضعها اشخاص كموزارت تنبه الخلايا العصبية في الدماغ بشكل متزامن وتمنح شعورا رائعا للمستمع. ولكننا لا نحتاج الى العلماء كي يخبروننا ان الموسيقى تجعلنا نشعر بالسعادة وذلك لان الموسيقى هي غذاء الحب، فهي تملأ قلوبنا وتحرك مشاعرنا وتثير أحاسيسنا وتهديء ارواحنا ويقول هنود قبيلة السويا في البرازيل: عندما نغني ونرقص، فاننا نكون الاسعد. ويبدو ان الحاجة لعزف الموسيقى لها جذور عميقة في النفس البشرية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: متى بدأ اهتمام الانسان بالموسيقي؟ هي يعتبر التأليف والاداء الموسيقى مهارة بشرية حديثة فقط، كما يقول الافتراض الشائع، ام ان هناك دليلا على ان اجدادنا المنقرضون من البشر كانوا يترنمون في الغابة على صوت الموسيقى؟ مما لاشك فيه ان الاكتشاف الحديث لقيام قرود الشمبانزي بالقرع على الاشجار يوحي بأن عملية صنع الموسيقى قد تصل الى ماهو ابعد في ماضينا التطوري مما نعتقد، وبحسب عالم الرئيسيات كريستوف بوش، الذي امضى 20 عاما في دراسة الشمبانزي في غابة تاي الوطنية في ساحل العاج غربي افريقيا، فان «قرود الشمبانزي تعتبر اكثر الحيوانات صخبا في الغابة». وقد لاحظ ان قرود الشمبانزي الذكور في الحديقة تضرب بأقدامها على القواعد الناتئة لجذوع الاشجار لاصدار صوت عميق رنان يتردد صداه في الغابة، وهي تتواصل مع افراد جماعتها وتحذر الاخرين من وجودها بإيصال رسالتها عن طريق القرع على جذوع الاشجار الى حدود منطقة نفوذها. غير ان محاولة العثور على دليل اثري على قدرة اسلافنا المنقرضين على صنع الموسيقى ليست بالمهمة السهلة فالصوت البشري هو الاداة الموسيقية الاساسية ولكنه لا يتحجر لسوء الحظ، وهذا لايحدث ايضا مع الادوات الموسيقية البسيطة مثل الطبل المصنوع بشكل اساسي من مواد عضوية قابلة للتحلل مثل الخشب والجلد. هنالك دليل تشريحي من شكل ووضع عظام لامي متحجرة «العظام التي تقع عند قاعدة اللسان» على ان الانسان النياندرتالي ربما كان قادرا على الغناء مثلنا تماما لكن الامر الذي لايزال موضع خلاف حاد فهو مسألة استخدامهم من عدمه للادوات الموسيقية. ويعتقد بأن عظمة فخذ مخرمة لدب صغير عثر عليها في عام 1995 بأحد كهوف سلوفينيا لها علاقة باستيطان الانسان النياندرتالي للكهف قبل اكثر من 3500 سنة، وعلى الرغم من ان العظمة مكسورة من طرفيها، الا ان وجود خرقين دائريين قد اثار التخمينات بأن تكون تلك العظمة عبارة عن مزمار بدائي. واذا ماصح هذا الاعتقاد، فان الانسان الاول المعروف بالنياندرتالي والذي يوصف عادة بأنه شخص خطير ومتوحش قد يكون اكثر تحضرا مما كان يعتقد في السابق، لقد قام عالم الموسيقى بوب فنك من ساسكاتشوان في كندا بتحليل المسافة بين الخروق في العظمة وقال انها «متطورة موسيقيا». غير ان علماء اخرين يراودهم الشك حول هذا الموضوع ويشكون بأن تكون الخروق من صنع الانسان ويرجحون ان تكون آثارا لاسنان احد الحيوانات المفترسة كالضباع مثلا. لم يكن هذا الاكتشاف هو الوحيد من نوعه فقد اكتشفت عظام اخرى مشابهة في مواقع استيطانية لانسان النياندرتالي في فرنسا واقليم الباسك في اسبانيا، واذا كان انسان النياندرتالي عازفا فان الاولى بأسلافنا المباشرين الذين يطلق عليهم ال «كروماجنونز» ان يبرعوا بفنون الموسيقى. لكن المشكلة تبقى في توفر الادلة الدامغة على ذلك فكل ماهو متوفر حتى الان لايعدو كونه قطعا مخرقة من العظم لحيوانات كبيرة وطيور مختلفة، ولايمكن الجزم بشكل قاطع ما اذا كانت تلك الادوات تستخدم لاغراض موسيقية ام انها مجرد ادوات استخدمت في وظيفة عملية. يشير تاريخ الادوات القديمة هذه الى ان ظهور الصوت الموسيقي ربما تزامن مع الاستخدام الاول للون والطقوس من قبل البشر القدامى قبل حوالي 35.000 او 30.000 سنة. وهكذا يمكننا ان نفخر نحن البشر بأننا كنا الجنس الاول والوحيد الذي قام بصناعة ادوات مكرسة للموسيقى. ضرار عمير