بيان الكتب: بانوراما ثقافية على إمتداد حوالي ثلث قرن تعرض عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر حيث يلحظ المتتبع لحركة الثقافة العربية المعاصرة ان هناك ميلاً الى محاكمة الآخر ثم نفيه وتشريده بحيث يوضع هذا الآخر في قاعة تدريس او محكمة او زنزانة سجن بهدف التأديب والمحاكمة. في هذا الكتاب ينقض المؤلف تركي علي الربيعو ثقافة المحاكمة في الارهاب الفكري وتهم التآمر وعبارات التخوين وسجالات المثقفين وعملية جلد الذات المجتمعية باعتبارها مصدراً لكل الآثام والشرور وذلك في سياق تشخيص عيوب خطابنا العربي المعاصر بهدف تجاوز امراضه وعيوبه واشكالياته الزائفة وكذلك مرجعياته المؤدلجة التي تدفعه الى ارادة عدم معرفة. يقدم المؤلف لكتابه بنظرة تاريخية مبيناً علاقة الاستشراق بالخطاب العربي المعاصر الذي بقي ردحاً من الزمن يردد ما اطلقه المستشرقون من ثقافة المحاكمة التي تزينت بالحداثة محدداً الفترة الزمنية من نكسة عام 1967 حتى يومنا هذا متتبعاً التطورات الثقافية من خطابات اليسار مروراً بالخطاب الماركسوي العربي الحداثوي مستشهداً بسلسلة من الاسماء التي غزت خطاباتها محاكمة المجتمع العربي وتأديبه ليخرج الى عرض استنتاجه معرباً ان الخاصية الرئيسية لثقافة المحاكمة هي تصنيم الحداثة وتأليه الايديولوجية!. ففي مقدمة الكتاب تلخصت الآلية والمضمون هذا ويقع الكتاب في تسعة فصول متسلسلة. الفصل الاول تناوله المؤلف تحت عنوان «الخطاب العربي المعاصر» عقلية تآمرية وإتهامات وعرض فيه نماذج ثلاثة للخطاب النقدي المعاصر تمثل تيارات فكرية مختلفة الاول وهو إدوارد سعيد بين الاصولية وتهمة العمالة لقوى اجنبية معتمداً كتابه «الاستشراق» كمحور لتحليل الخطاب واهم السجالات الحاصلة حوله من قبل المثقفين والمنظرين. اما النموذج الثاني فهو انور عبد الملك المتهم ايضاً بالعمالة لقوى خارجية يابانية متناولاً اطروحة عبد الملك في الدعوة الى تغيير النظام العالمي الجديد ـ وقتها ـ بانبعاث الحضارة اليابانية ـ الصينية. ثم يطرح المؤلف نموذجاً ثالثاً هو عابد الجابري كممثل جديد للاستغراب الشرقي والانعزالية الجديدة، مستعرضاً اطروحاته من خلال كتابيه «الخطاب العربي المعاصر» وكتابه الثاني ذو الاجزاء الثلاثة «تكوين العقل العربي» و«بنية العقل العربي» و«العقل السياسي العربي» حيث اورد سجالات الجابري مع جورج طرابيشي كشاهد لتظاهرات النقد العربي في عقد التسعينيات ليظهر البعد الفلسفي في نقد النقد كمحاولة مشرقية لرد الاعتبار. الفصل الثاني ينتقل المؤلف من عرض محاكمة الذات العربية الى عرض محاكمة المثقف على اعتبار ان دراسة الذات الثقافية العربية تهدف لمحاكمة المثقف العربي عبر الدراسات التي تتوسل التحليل النفسي كوسيلة معرفية لمعرفة الذات المجتمعية العربية، متطرقاً لدراسات ابراهيم بدران وسلوى خمامش ومصطفى حجازي في كتابه «سيكولوجية الانسان المقهور» ليصل الى عرض مدخل علي زيعور الى الذات العربية واللاوعي الثقافي... ثم يعود لإيراد الطرابيشي كنموذج مرة اخرى ولكن من زاوية انزلاقه في التحليل النفسي لذبح المثقفين فنجد من كل ما سبق نزعة خفية وعلنية تهدف الى محاكمة المثقف العربي والحجر عليه وينتهي الفصل الثاني بعلامة استفهام يطلقها المؤلف تريد الكشف عن النزعة التدميرية في خطابنا المعاصر وهو ما يهدف اليه الكتاب اصلاً. في الفصول اللاحقة سيحاول الرد على السؤال ونزع اللثام عن الخطابات الثقافية والفكرية لإظهار هذه النزعة والمحاكمة الثقافية فينصرف في الفصل الثالث للحديث عما اسماه «الاستغراب» ومحاكمته وبين دعاته ومعارضيه فيعود لإدوارد سعيد من جديد لبحث نظرياته في النظم الاستشراقية مشيراً الى غياب المؤسسات الفكرية في الشرق التي تجعل من الغرب موضوعاً للدراسة وينتقل ليعرض نظرية سمير امين في الثقافة والمتمحورة حول نقاط اربع والذي تلقف المسألة التي تنعي غياب المؤسسات ليشيد نظرية في الثقافة تصبو الى دراسة الغرب والشرق وهذا ما كان يطمح اليه سعيد. وينتقل المؤلف مع عقد التسعينيات لأطروحات حسن حنفي من خلال كتابه «مقدمة في علم الاستغراب، ويورد نقد علي حرب لأطروحة حنفي المتمركزة حول «امبريالية الكلمات» ولـ «وهم الأنا» وفكرة «التسييج الحضاري» هذا ويطرح المؤلف سلسلة اسئلة في نهاية الفصل تاركاً للقاريء المجال في إيجاد اجابة عليها ثم يجيب. فيسأل هل ترقى المحاولات التي قدمها معارضو الاستغراب الى مستوى ارادة المعرفة؟ ام انها تقع في مستوى آخر؟ ويجيب معرباً عن رأيه بأنها ضلت الطريق وبقيت تنوس بين سفسطات حداثوية عند بعضهم وبين إرادة إيديولوجية تبسيطية تفصح عن تبعية واضحة للغرب لدى البعض الآخر ويستنتج تركي الربيعو في فصله الرابع باستشهاد لعبد الله عروي الذي يدعو الى تأسيس مدرسة تاريخية ماركسية معربة ليشير الى الدعوات السافرة لإحراق المجتمع العربي وما هي المناخات ويؤكد انه مع اواسط عقد السبعينيات توافرت كل مقومات وطقوس تقديم المجتمع العربي على مذبح الحداثة الكونية. ويناقش تركي وفي إطار سوسيو سيكولوجي موضوع خطاب الهيمنة الذكوري او خطاب السلطة الهرمية المطلقة والذي هو خطاب رعوي تحت عنوان «الاقلوي المنفي بحثاً عن الاقلوي في خطاب الهيمنة الذكوري ويقف عند ثلاث مواقف للخطاب القومي العربي المضمر بما اسماه بجنسانوية مبتذلة اعتبرها بمثابة وثائق تكنوغرافية. ويصل في فصليه السادس والسابع الى مناقشة اشكالية «ثقافة المحاكمة والسير في الاتجاه المعاكس» ليصل الى محاكمة المختلف واغتيال السياسي ويتناول هذا الموضوع بكل ابعاده سواء كان محاكمة العقل او محاكمة النظرية والدعوات التي طرحتها خلال عقدين من الزمان واتخذت اثواب وعناوين وشعارات وتحولت من نقد الى نقض ناهيك عن النفاق في الحياة السياسية والنزعة الذرائعية البراغماتية، ولعل موضوع محاكمة المختلف تقودنا للحديث عن صراع الدين مع الدولة والمصحف مع السيف والنظر في السياسات الاسلامية المعاصرة ويحاول المؤلف إدراج مجموعة دراسات وعناوين طرحت في اواسط الثمانينيات ويحللها ليثبت عدة نقاط هي ان هناك نزعة تراكمية في الخطاب اي انه يراكم في مجال نقد للمحركات الاسلامية ويعيد انتاج نفيه وذلك عبر ضرب من النقد الذاتي الذي يسعى للانفلات من ربقة الايديولوجيا اليسراوية. كما ان هناك حضوراً ايديولوجياً واستشراقياً في قراءة العنف داخل الحركات الاسلامية المعاصرة حيث ينسب العنف والرصاص الى النص الديني ويمكن الانطلاق من كل ما سبق لفاتحة نحو قراءة سياسية للظاهرة ولعل كتاب «الحالة الدينية في مصر» لـ«نبيل عبد الفتاح» يعبر عنه نزعة امنية سياسية تتبنى وجهة نظر الدولة في ظاهرة الاسلام السياسي الذي يركز على دور اقباط المهجر في دعوتهم للقومية القبطية. الفصل الثامن يورد فيه المؤلف نماذج في الخطاب السياسي السلطوي والتحول من نقد الخطاب الى نقد الممارسة وتطور تكنولوجيا السلطة الرعوية ومفهوم الراعي والقطيع واعتماد الدولة الرعوية الى علاقة فردية اخلاقية لا علاقة قانونية وحيث يأخذ الخطاب السياسي شكلاً نحوياً «انفخ فيجتمعوا» ويعرض المؤلف تطبيقات هذا المفهوم في الخطابات السياسية حيث يتحول الخطاب الايديولوجي الى راية حرب والعلاقة بين المخاطب والمخاطب علاقة امر ونهي والجواب الوحيد المقبول هو الامتثال والقبول فنجد ان جرثومة العنف نشأت في احضان الدولة التسلطية وتكاثرت وبذلك هيأت لنشوء العنف المضاد. ومع الفصل التاسع ينتقل المؤلف الى محور جديد يطرح فيها سؤالاً هل حدثت هزيمة المثقف في مكان آخر؟ ويعرض لكتاب علي حرب «اوهام النخبة او نقد المثقف» والذي يدعو فيه حرب الى تخلي النخب عن نخبويتهم لانهم سيصبحون اقدر على ممارسة فاعليتهم لان وجهاً من وجود ازمتهم يكمن في نخبويتهم بالذات ويعتبر المؤلف ان هذا الطرح يعني «موت المثقف» ويتساءل تركي في هل ان فشل الامة ناتج عن فشل النخبة المثقفة متهماً حرب بالتشاؤمية والعدمية معتبراً ان اي قراءة اخرى من شأنها ان تعزو ذلك الفشل لأسباب عدة. ويختم المؤلف كتابه بسؤال هل العداء للديمقراطية ظاهرة عربية صرفة؟ ثم يورد مقتطفات عدة تكلمت عن كوننا امام إشكالية ديمقراطية عربية حقيقية إتخذت عند خدروي مثلاً طابع التظاهرة العربية المعادية للديمقراطية وعند غليون التمسك بالديكتاتورية ضداً للديمقراطية وهذا يعني ان طريق النضال الديمقراطي لا يزال محفوفاً بالخطر والجهل ويتساءل المؤلف ولكن هل يعني «اعلان الهدنة» الذي يدعو اليه طرابشي تأجيلاً للمشروع الديمقراطي لان الازمة مستحكمة؟ ويجيب هذا مالا يقوله احد خصوصاً ان قوى عديدة حزبية وعربية ومثقفين عرباً بشتى صنوفهم لا يزالوا يحلمون بالوعد ويعملون للنضال من اجله وهذا من شأنه ان يمد من التظاهرة المعادية للديمقراطية لـ «الهيئة الديمقراطية» التي تتمرغ بها القوى المؤدلجة لتحقيق غاياتها في ابقاء ثقافة المحاكمة وتبرير الارهاب الحداثوي على حد تعبيره. مروة كريدية