بيان الكتب: في نهاية عام 1872 في لندن، وامام جمعية علم آثار الكتاب المقدس عرض شخص يدعى جورج سميث، وهو من اوائل محللي النصوص المسمارية ، بأنه بين الرقيمات التي احضرت من نينوي (قرب الموصل الحالية) الى لندن، اكتشف رواية للطوفان تغطي على نحو تام بما فيه الكفاية، حتى من الجزيئات الصغيرة، رواية الطوفان الواردة في الكتاب المقدس، مع العلم ان لكل شعب روايته الطوفانية الخاصة به، وهذا يعني ان ذلك الكتاب الفريد وفوق الطبيعي، لن يعود اقدم الكتب جميعاً، الذي كتب من قبل الله شخصياً، او بإملاء او الهام منه، كما كنا نعتقد يوماً، تبين في الواقع انه مغمور ضمن تيار هائل من الفكر والادب الانسانيين، لم يعد يمكن اذن قراءته كما في السالف، على انه تنزيل من الله شخصياً، لقد تحول قبل كل شيء الى كتاب كتبه بشر، اياً كانت القيمة الخارقة لرسالته التي لا يضيرها تاريخه او طريقة تدوينه، او تأليفه في شيء. كان جورج سميث، في الحقيقة، يقدم ويترجم قطعة من اسطورة جلجامش الشهيرة (التي لم يكن يعرف منها آنذاك سوى بعض المقتطفات) جلجامش بنسختها البابلية المترجمة اصلاً عن السومرية. حين وصل جلجامش الباحث عن الخلود، الى الطرف القصي من العالم القديم، عن الكائن الانساني الوحيد الخالد، وسأله ماذا فعل لكي يحصل على ميزة الخلود، يجيبه بواسطة حكاية كارثة الطوفان التي افنت البشرية في السابق، ونظراً الى انه الناجي الوحيد من هذه الكارثة، والذي مر بطريقة تضمن للبشرية استمرار الحياة على الارض، وتضمن استمرار البشر كخلفاء لا غنى عنهم للآلهة، كافأته هذه الآلهة بأن منحته الخلود. وهذه الرواية الواردة في الكتاب المقدس: اختيار البطل الذي يقوم بإعداد الفلك لكي يصعد اليه مع اسرته وزوج من جميع الحيوانات، ومن كل زوجين اثنين: الطوفان نفسه، وابل هائل من المطر يغمر ويفني كل شيء في العالم، ثم توقف الطوفان، والطريقة التي لجأ اليها هذا البطل، حين اطلق ثلاثة طيور، لكي يعرفان كانت الارض قد بدأت بالظهور عند انحسار المياه، السفينة التي جنحت عند اعلى الجبل، عند جبل الجودي او سفح جبل سنجار، او عند جبل ارارات، عند قرية ثمانين، او حسب ميثيولوجيا كل شعب لأن كل امة قديمة لها طوفانها الخاص بها. ان تقدم علم الآشوريات، واكتشاف نصوص جديدة، ساعد كثيراً على فتح آفاق اكثر رحابة، فلم تعد حكاية الطوفان وحدها هي التي تكشف النقاب عن تبعية الكتاب المقدس، الذي كما في ايام جورج سميث، كان يعتبر المشهد المتكامل المتعلق بأصل الانسان، لنقارن بين قصيدة الحكم الخارق هذا المؤلف البابلي الذي روى قصة خلق الانسان، وبين اقدم رواية للخلق التي تبدأ بالآية الرابعة من الاصحاح الثاني من سفر التكوين. خلق الانسان من التراب، من الطين، مثلما فعل «انكي» في قصيدة الحكيم الخارق، وجعله حياً بأن نفخ في روحه، لكن الحكيم الخارق تؤكد على مسألة الدم، ومسألة الدم في نظر واضعي الكتاب المقدس، لما توجد آلهة اخرى سوى يهود الذي ليس له دم لأنه يعتبر نفسه صورة للإله نفسه، وكذا مدة تحديد عمر الانسان متماثلة في الكتاب المقدس وقصيدة الحكيم الخارق، عدا نوح الذي يلعب دور الحكيم الخارق. وزبدة القول، ان قصيدة الحكيم الخارق البابلية هي بأكملها النموذج الذي اقتدت به الاصحاحات الاولى في سفر التكوين، وهي لم تنقل حرفياً عن الرواية البابلية، لكنها لا تفهم تماماً دون اسناد ذلك الى النموذج الاول البابلي. وهنا يعترضنا سؤال مشروع: لكن كيف وصلت قصيدة الحكيم الخارق البابلية الى واضعي الاصحاحات التوراتية؟!. ونستطيع الاجابة بأنه تنقصنا الكثير من المعطيات الوثائقية لكي نقتفي الرواية الأولى بالأثر. لكن التماثل الاساسي للكتاب المقدس واسلافه من المدونات البابلية امران لا يناقشان، لكن الامر الذي لا يقل وضوحا هو ان واضعي الكتاب المقدس لم ينقلوا الى لغتهم النصوص او المعطيات البابلية كلياً وآلياً، بل فهموها واعدوا التفكير فيها لتكييفها وتبييئها وفق منظومتهم الدينية الخاصة، المنظومة التوحيدية الحصرية «الروحانية» والاخلاقية، انها استلافات قام بها واضعوا الكتاب المقدس من مؤلفات ما بين النهرين. في عرضنا الموجز لهذا الكتاب القيم، والذي يميط اللثام عن مرجعية تاريخية واخلاقية موجودة بين ظهرانينا، وتعتبر احدى العلامات الفكرية الانسانية على مر العصور قام بدرسها الباحث الفرنسي جان بوتيرو والذي يعتبر حجة في علم الآشوريات وقد جاء هذا الكتاب على شكل حوارات اجرتها معه الصحفية الفرنسية هيلين مونساكريه، وترجمتها الى اللغة العربية روز مخلوف، غير انني استطيع ان ادون بعض ملاحظات حول هذه الترجمة القيمة في موضوعها، والحجة الاساسية هي ان روز مخلوف لم تدرس موضوع ترجمتها جيداً، فالموضوع يتألف من شقين واسعين هما: بابل اولاً، والكتاب المقدس ثانياً، وعلى المترجم الذي يتصدى لمثل هذا الاشكال الفكري الشائك، عليه ان يكون متسلحاً ما اصطلح عليه بعلم الآشوريات، وفي الشق الاخر علم الكتاب المقدس، وهذه الملاحظات تنبع اساساً من عدم معرفتها بموضوعها المترجم، فهي، تترجم اسم صموئيل نوح كريمر وهو حجة في علم السومريات والآشوريات تترجمه باسم. س. ن. كرامر، وهي تترجم اسم نوح باسم نوا، اما الاب بيوس العاشر فتترجمه ببيه العاشر، آخذة الرسم الفرنسي للاسم، اما قاموس شيكاغو الآشوري، فيصبح لدى مترجمينا، قاموس شيكاغو اسيريان، واسم «مادون» وهو اسم كنعاني معناه خصومة ومادون مدينة كنعانية كان يحكمها ملك اي انها مدينة مهمة، وقد قام يشوع تاو يوشع بقتل ملكها ويرجح انها خربة مادين بالقرب من حطين في الجليل تصبح في الترجمة ماديان، وكتاب التنين (اللوياثان) يصبح اسمه كتاب التمساح، وهكذا اصبح التنين تمساحاً. والامبراطور الفارسي قمبيز يصبح اسمه كامبيز، وهي تجهل كتاب اندريه بارو عن ماري «تل الحريري» الذي ترجم في سوريا وصدر عن وزارة الثقافة في السبعينيات، اما سفر دانيال فيصبح في الترجمة اسمه سفر دانييل !! ونستطيع ان نشير الى ان الكثير من الاعلام واسماء الاماكن والكتب ومجمل الثقافة العميقة التي يتمتع بها جان بوتيرو في كتاب المحاورات هذا، يستلزم من ناقل الترجمة ان يشير في الهامش او يعمل ملحقا لكل فصل وبشكل مكثف ومبسط لكل ما غمض على القارئ، من هذه الاشكاليات التي اصبحت عبئاً على الترجمة، واشير الى واحدة فقط من هذه الملاحظات، علماً انني سجلت بهذا الخصوص عشرات الملاحظات في اثناء قراءتي لهذا الكتاب الممتع، واورد ملاحظه واحدة فقط، فعن الاشارة الى الترجمات القديمة للكتاب المقدس يشير المؤلف الى ترجمة اسمها الفولغات وكان يجدر بالمترجمة ان تسارع لاعطائنا ولو لمحة وجيزة عن هذه الترجمة، وهذه الملاحظة تتعلق بالترجمة الشعبية او الفلجاتا ـ وليس فولغات ـ وهي انه لما دعت الحاجة في القرن الرابع الى ترجمة لاتينية موحدة مقبولة اللغة، طلب دماسوس اسقف رومية من ايروينموس (340 ـ 240م) وكان اعظم علماء المسيحيين في عصره، ان يقوم بتنقيح العهد الجديد (الانجيل) اللاتيني، وقد نشر تنقيحه للأناجيل بمقابلتها باللغة اليونانية عام 384م وكذلك ترجمتين للمزامير بمقابلتها بالترجمة السبعينية، ارسل احداهما الى رومية عام 384م والثانية الى بلاد الغال فرنسا عام 387 ـ 390م، وقد انتقل ايروينموس الى دير «في بيت لحم »عام 387م حيث ترجم العهد القديم (التوراة) عن اللغة العبرانية رأساً بالمقابلة المستمرة مع الترجمات اليونانية، ولما كان قد بدأ درس اللغة العبرانية في حداثته فقد اكمل دراسته فيها حال انتقاله الى بيت لحم، مستعيناً ببعض الاساتذة اليهود، وهكذا بدأ عمله في ترجمة الفلجاتا عام 390م وانهاه عام 405م وهذه ملاحظة واحدة من عشرات الملاحظات التي استطيع ان اشير اليها، وانني ادعو المترجمة روز مخلوف الى اعادة طباعة هذا الكتاب القيم، آخذة بعين الاعتبار، مهنة المراجع الحقة التي نفتقدها في مؤسسات النشر لدينا وفي هذه الحالة يكون المراجع مختصاً بالآشوريات اولاً، والكتاب المقدس ثانياً. عبداللطيف خطاب