بيان الكتب: كان للشعر والموسيقى إله واحد هو «حورس» عند الفراعنة و«أبولو» عند الإغريق، وكان الفراعنة يعتقدون أن الغناء من نعم حورس، أغدقها عليهم تمديناً وتحضراً. ثم إن العرب كانت إذا روت شعر أحدهم قالت: أنشد قائلاً «وقد قال قائلهم في عصور متقدمة» ، إذا أعجزك أن تطرب القرشي فأسمعه ألحان ابن سريج في شعر ابن أبي ربيع فإنك ترقصه. «ولعل وظيفة الأغنية لا تقتصر على التطريب بل إنها تقوم بدور مهمّ في تكوين الذوق الفردي والمزاج العام للمجتمع وتساهم في تهذيب النفوس. فقد كان الحكماء يَزِنون الأمم بما يستمعون إليه من غناء. ولعل أهمية الغناء متأتية أولاً من أهمية الكلمة ومن احترام قدسيتها وهو ما يضطلع به كتاب الدكتور إيليا فرنسيس المعنون بـ «الشعر العربي المُغنّى».فالتجربة الفنية الثرية التي انقادت للفنان إيليا فرنسيس كفيلة بأن تضع كتابه في مقدمة الكتب التي ترصد حركة الغناء في قرن من الزمان، ذلك أنه يقف على الطرف التزامني لهذه الحركة فينقل عن حيوات نابضة، إذ إنّ أكثر نماذج الكتاب من شعراء وملحنين ومطربين مازالوا أحياء يرزقون، كان للكاتب فضل لقائهم، ولكتابه فضل الاستشهاد بآرائهم حول الشعر العربي المغنّى كلمة ولحناً وأداءً. ومن أسباب ثراء هذا الكتاب أيضاً أن الكاتب فضلاً عن كونه موسيقاراً وفضلاً عن امتهانه العمل الموسيقي كقائد لفرقة قوى الأمن الداخلي اللبناني فإنه يتحدّر من أسرة فنية، فأخوه وديع الصافي المطرب العربي الذي يعد علماً بارزاً من إعلام الغناء العربي أثرى الحركة الفنية وغنى أنواع الغناء جميعها ونوع في اتجاهاتها. ويدعّم أسباب الترحيب بهذا النتاج فقر المكتبة العربية بكتب الموسيقى عامة وبالكتب التي تدرس الشعر العربي المغنّى في القرن الماضي خاصةً. فعلى الرغم من ازدهار حركة الغناء وعلى الرغم من تنوّع أدوات البثّ حيث صار الغناء يشغل أكثر ساعات البث في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ويطغى على الحدث السياسي والاجتماعي والديني في أغلبها فإنّ حركة التأليف في هذا المجال ضعيفة جداً. فالموسيقيون لا يؤلفون الألحان ليكتبوها بل ليُسمعوها فقط، ويجعلوها ضمن المشاهد اليومية على شاشات البث مما يجعل الذاكرة سمعية بصرية أي نقلية لا عقلية ويجعل حركة التطور المتأتية عن النقد الموسيقي بطيئة جداً. ولعل أوّل ما يُحمد لهذا الكتاب من وجهة نظر نقدية منهجية هو اشتماله على التنظير والتطبيق في الآن نفسه، أي اقترابه الشديد من المنهجية العلمية وابتعاده عن أحكام القيمة الأمر الذي جعل دراسته موضوعية وجعل نقده هادفاً، توخّى فيه الكاتب عبر المقاربة والمقارنة والاستقراء والتحليل بيان مواطن القوة ومواطن الضعف في الكلمة واللحن والأداء، الطبيعي منها والمكتسب، فقام الكاتب على إصلاح ذات البين بين الأقانيم الثلاثة وعمل على تقويم الأخطاء، وستر عورات الألحان، ورتق عيوب الوصول والاستمرار. ولعل في اختياره لأعلام الكلمة الشعر وأعلام التلحين، وأعلام الغناء شيء من الذكاء، فأسماء مثل الأخطل الصغير وأحمد شوقي وسعيد عقل ونزار قباني والأخوين رحباني وعبد الوهاب وفيروز ونجاة وعبد الحليم أسماء تبقى تشع في أعتى زوايا الذاكرة عتمة وأيّ ذكر لأحدهم يستدعي العودة إلى كتاب الشعر العربي المغنّى الأمر الذي يستوجب عرض الكتاب. يقع كتاب الشعر العربي المغنّى في 304 صفحات من القطع المتوسط، ويتألف من مقدمة وبابين وخاتمة وملحقين.أ ما الباب الأول فقد عنونه الكاتب بالشعر الموسيقى، وضم خمسة فصول تحدّث الكاتب في أولها عن الكلمة واللحن ورأى بأنهما توأمان يجسدان الجمال والخير ويكمّل أحدهما الآخر. فإذا اعتبرنا القصيدة هي أقدم تراث وجب علينا أن نعتمد الشعر الموزون أصلاً للغناء العربي، ويسرد الكاتب في عجالة أنواع الشعر المغنى في الجاهلية الحداء، الهزج، الإنشاد ويعرج على أشهر المغنين في العصر الأموي سعيد بن مسجع وجميلة ويعد سعيداً المنظر والمنظم للموسيقى العربية في جانبيها النظري والتطبيقي، لما نهله من علوم موسيقية سعى إليها في بلاد الشام وفي بلاد فارس. ثم يعرّج على بلاط الرشيد الذي وصفته كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد ونهاية الإرب بأنه كان محجاً لكل بارع في فنيّ الشعر والغناء ويقفز الكاتب إلى القرن العشرين دون أن يعلمنا عن حال الغناء في الفترة الممتدة من بلاط الرشيد إلى القرن العشرين. ويتحدث نظرياً عن الأصوات في الموسيقى والكلمات في اللغة فيرى أنّ الأصوات في الموسيقى تقابل الكلمات في اللغة في مهمة حمل المعنى، وهما وسيلتان تناقليتان بين البشر. وينتهي إلى أن المعنى في الموسيقى تحمله الألحان. ثمّ يتحدث عن وظيفة الشعر المغنّى ووظيفة الشاعر ووظيفة الملحّن وهي ما سنطلع عليه من جديد وبكثير من الاستفاضة في الباب الثاني الأمر الذي جعل هذا الفصل حشواً لا مبرر له. وفي الفصل الثاني يتحدث الكاتب عن اتجاهات الشعر العربي المغنّى فنعرف من خلاله أن للشعر العربي المغنّى اتجاهاً قومياً ووطنياً يُعبر عن وعي تام بالقضايا القومية ويجسّد الشعور القومي ويستعرض الحركات ويمثّل له الكاتب بنماذج كثيرة منها بلادي بلادي لسيد درويش، وجبل الصوان وأيام فخر الدين للرحابنة، والنشيد الوطني اللبناني.. إلخ. إن للشعر العربي المغنّى اتجاهاً عاطفياً وجدانياً يعبّر عن أحاسيس الإنسان، لواعجه في الفرح والحزن وفي اللقاء والفراق. وربما كان أكثر شعرنا العربي المغنّى قد ذهب في هذا الاتجاه، ويمثّل له الكاتب بأراك عصي الدمع لأم كلثوم وأبي فراس الحمداني، ويا جارة الوادي لمحمد عبد الوهاب وأحمد شوقي، وجفنه علّم الغزل لمحمد عبد الوهاب والأخطل الصغير، وقارئة الفنجان عبد الحليم حافظ ونزار قباني.. إلخ. ولا بدّ من تصويب خطأ الكاتب في نسبه قصيدة لا تكذبي إلى نزار قباني فالقصيدة للشاعر الغنائي مأمون الشناوي، واللحن لمحمد عبد الوهاب والغناء لعبد الحليم حافظ. وللشعر المغنّى اتجاه صوفي ديني أيضاً يمثّل له الكاتب بدعاء الشرق لمحمد عبد الوهاب، ورباعيات الخيام لأمّ كلثوم، وزهرة المدائن لفيروز. أما الفصل الثالث فيعنونه الكاتب بالموسيقى والبحور الشعرية ويدرس فيه أولاً موسيقى الشعر متضمنة الإيقاع الموسيقي والتذوق الموسيقي، ثم يدرس تطور الإيقاع الموسيقي ويعرّج على تنوّعه ويدرس البحور الشعرية متضمنة موسيقاها وجوازاتها، والإيقاع الغنائي على الإيقاع الشعري. ولعل ما يلطّف هذا الفصل هو السرد الجميل الذي يقدمه الكاتب حول خصائص البحور. ثم ينتقل إلى الفصل الرابع والذي يعدّ امتداداً عضوياً للفصل الثالث فيدرس المقامات اللحنية والصور الشعرية فيعرض أولاً بالمقامات اللحنية ثم يدرس علاقتها بالصور مع المناخ اللحني العام، وارتباطها بموسيقى الشعر ووزن الشعر ومناخه وجوه العام من حزن وفرح وذكريات، ويصل إلى أن الموسيقى العربية لها مقاماتها التي ترصد بيئة العرب وترصد حياتهم ومشاعر الحزن والفرح والشوق والحماسة و اللوم التي تعتريهم ولا ينسى أن يذكر أن العرب في المشرق وفي الأندلس قد اهتموا بألحان الشعوب الأخرى وتفاعلوا مع الجوار الجغرافي ونقلوا عنه وأدخل الموسيقيون ألحاناً وأنغاماً مختلفة المصادر ومقامات متعددة المشارب أغنت التلحين ورفدت الفكر الموسيقي عند العرب. ويعدد المقامات التي اعتمدت عليها الموسيقى العربية. ويعمّق الكاتب الفصول الأربعة الماضية التي غلب عليها التنظير بفصلٍ خامس تطبيقي يعرض فيه نماذج من الشعر المغنّى مما تركه كبار الشعراء في مصر ولبنان وسوريا وبعض الأقطار العربية الأخرى. ويقوم بتحليلها تحليلاً شاملاً ونقدها نقداً لا يغفل عن هنات الملحنين أو المغنين فيها. فيدرس مثلاً النشيد الوطني اللبناني، ونشيد قوى الأمن الداخلي اللبناني الذي وضع ألحانه الكاتب نفسه، ونشيد الجامعة اللبنانية ونشيد مصر القومي وكليوباترا لعلي محمود طه، ولي صخرة لسعيد عقل، ويا عاقد الحاجبين لبشارة الخوري، كما يعالج ألحاناً كنسية نشيد الشروبيم وأسرار المج، وصلاتُك معنا.. إلخ. ولعل الدراسة قد اتخذت نهجاً علمياً، إذ يورد الكاتب النشيد ويذكر مؤلفه وملحنه ثم يضع نوتاته الموسيقية الممثلة للجنة رسماً، ثم يبدأ بدراسة تشمل المضمون والإيقاع ويحلّل النشيد من الناحية التقنية والجمالية متطرّقاً لموسيقى الشعر في كلّ نشيد، فيعرض للمقام اللحني والبحر العروضي والإيقاع الشعري والموسيقي ثم يحدّد نوع النشيد ويدرس فيه عنصر الإنجذاب، ومن ثم يقوم بالتحليل الموسيقي للنشيد: فيدرس بناءه الفني ويقدم نقداً يبيّن فيه جوانب القوة والضعف ومن منطلق غيرته على الكلمة واللحن والأداء يعمل على رأب الصدع في مواطن الخلل. ولعل هذا الفصل هو واسطة العقد وذروة العمل فإليه ينتهي الباب الأول ومنه يبدأ الباب الثاني المعنون بالشرعة الموسيقية إذ يضع الكاتب نهجاً تنظيرياً يرسم فيه شرعة الناظم بالبحور الشعرية وجوازاتها وخصائصها الإيقاعية، ثم يتحدث باستفاضة عن القافية ودورها الموسيقي وأقسامها وعن دور الناظم في اختيار المفردات والحروف الملائمة. وعن دوره في فهم التفاعيل وجوازاتها وأسبابها وأوتادها وفواصلها، ويعرض جدولاً يضمّنه أشهر التفاعيل في نظم الشعر. ويتحدث أيضاً عن أنواع المنظومات قصائد وموشحات وعن الجرس ومفهومه من حيث هو قيمة جوهرية في الألفاظ وأداة للتأثير الحسي بما يوحيه للسامع مع اتساق اللفظة وتوافقها مع مثيلاتها في التعبير. أمّا الفصل الثاني شرعة الملحن فإن الكاتب يضع بعض المقاييس التي يمكن الاعتماد عليها في تحديد جمال الألحان. إذ يجب أن يملك الملحن جمالاً موسيقياً يبعث على الطرب بما هو خفة تعتري الروح من الفرح أو الحزن أو غيرهما من المؤثرات المتنوّعة. ويجب على الملحّن أن يكون صاحب موهبة أساساً ثم يجب عليه صقلها بالعلم والإرادة والمران، وعلى الملحّن أيضاً السعي لمطابقة مسموع اللحن لمقتضى المعاني المقصودة فيه، والتنويع، وتحاشي العيوب التي تنافي الفصاحة الموسيقية: كتنافر الأصوات والغرابة ومخالفة القواعد وتعقيد الأصوات وكثرة التكرار وضعف التآلف. وعدم تطابق الميزان الشعري على الميزان الموسيقي.. إلخ. ويجب عليه قبل هذا وذاك أن يجمع الناظم والمغني أثناء عملية التلحين على فائدة واحدة أي أن يبقيا في ذهنه. أما الفصل الثالث شرعة المؤدي فقد رأى الكاتب فيه أن المؤدي الناجح هو موسيقي بالدرجة الأولى وآلته الموسيقية هي حنجرته، وتحضير هذه الحنجرة يتطلّب دراسة ومِراناً، فينبغي عليه أن يكون عارفاً بالقراءة الموسيقية الصولفيج لأجل صوته، وان يؤدي تمارين في المقامات الشرقية والغربية ويجب أن يتمتع بسلامة النطق وجمال الصوت وعُربه. وأن يحسن الوقوف بشكل مستقيم ليسهل الغناء عليه بطريقة صحيحة وأن يتمرّس على التنفس يومياً لتقوية الحجاب، ويجب عليه أيضاً أن يوسّع مجال طبقات صوته إلى الحاد والغليظ، وأن يصحّح عيوب الصوت الحلقي والمنخري والمرتجف والمبحوح والمخنوق وعليه أن يتدّرب على تأدية جمل غنائية متعددة المعاني تساعده على الأداء الصحيح للمقطوعات الغنائية من حيث التعبير والإحساس الصحيحين. وأخيراً قام الكاتب بوضع الكتاب بملحقين يمتان للمتن بصلة وثيقة. الأول يتحدّث عن لقاءات أجراها الكاتب ممع مشاهير الطرب والتلحين والغناء وذكر آرائهم حول الشعر المغنّى كلمةً ولحناً وأداءً. وقد كان بإمكانه تضمين هذه الآراء في المتن النصي. أمّا الملحق الثاني فهو ذو أهمية كبيرة أورد الكاتب فيه معاني المصطلحات الموسيقية الواردة في الكتاب ليسهل على غير أهل الاختصاص قراءته والاستفادة منه والاستمتاع به. نهلة فيصل الأحمد