«شريط الذاكرة طويل كما السكة الحديدية» عبارة كتبها الشاعر التايواني البارز يو كوانج تشونج متذكراً النزهة الجميلة على القطار أيام الطفولة. وتمتد شبكة الخطوط الحديدية في هذه الجزيرة على طول 1100 كيلومتر، أي بمعدل 40 كيلومترا في الخط الحديدي لكل مليون نسمة أو 300 كيلومتر لكل 10 آلاف كيلو متر مربع من الأرض. ومنظومة السكك في تايوان تتحمل عبئا كبيرا، ففي عام 1999 حملت 128 مليون راكب و16.7 مليون طن من بضائع الشحن، أي بمعدل نصف مليون راكب و45 ألف طن من البضائع في كل يوم على مدار السنة. يعود تاريخ شبكة السكك الحديدية إلى عهد سلالة شينج الحاكمة السابقة، أي قبل نحو قرن مضى، لكن في عام 1992 فقط، استكملت إدارة السكك الحديدية في تايوان مدّ الخط الحديدي الجنوبي الذي يصل تانيونج على الساحل الشرقي بكاوسيونج على الساحل الغربي، لتكتمل بذلك شبكة سكك حديدية تغطي أنحاء الجزيرة كافة. وقبل تدشين الطريق السريعة التي تصل الشمال بالجنوب في عام 1978، كانت القطارات تهيمن على مشهد النقل المحلي وتتولى 40% من حركة الركاب والبضائع في الجزيرة. وكان لافتتاح الطريق السريعة أثر دراماتيكي في خفض حجم الاعتماد على القطارات إلى 10%. لكن في السنوات القليلة الماضية عاد الكثيرون من الركاب والمسافرين إلى عهدهم القديم مع القطارات نتيجة قلقهم من الاختناقات المرورية على طرق السيارات. وهذا يتوافق مع نزعة عالمية في هذا الاتجاه، إذ يقول ياي منجشان، أستاذ هندسة وإدارة النقل في جامعة فينج شيا في تايشونج سيتي بوسط تايوان: «السكك الحديدية تلعب الآن دوراً مهماً في تطوير أنظمة النقل الجماعي الضخمة، وبالمقارنة مع الطرق السريعة، نجد أن السكك الحديدية أكثر سلامة وراحة وفاعلية في استهلاك الطاقة وأقل تلويثا للجو. كما ان طاقة استيعابها كبيرة جداً». ويشير منجشان إلى أن بناء طرق سريعة جديدة يشجع الناس على شراء السيارات ويجعل أوضاع الطرق أسوأ من قبل وأن المجتمعات الديناميكية العصرية أصبحت تتبنى هذه الطريقة بالتفكير. فطوكيو على سبيل المثال باتت محورا لأكثر من ثلاثين خطا حديديا. ويقول منجشان: «لا شيء يمكنه الحفاظ على النظام في مثل هذه العاصمة الهائلة، كما تفعل شبكة الخطوط الحديدية المؤسسة على نحو حسن. ولو توقفت الشبكة الحديدية في طوكيو عن العمل لأصبحت هذه العاصمة النابضة بالحياة مدينة ميتة». من جانبه يشير لياو تشينج ـ لونج، مدير عام دائرة السكك الحديدية السريعة التابعة لوزارة النقل والمواصلات إلى أن جميع شبكات الخطوط الحديدية الفعالة الناجحة يتم تنظيمها من قبل ادارة مركزية، تضمن تطوير جداول مواعيد موثوقة. ويضيف: «سائقو القطارات مسئولون فقط عن سرعته وليس عن توجيه حركته، إنها وسيلة نقل سهلة التشغيل». وإذا كانت الخطوط الحديدية العادية بدأت فعلا توفر بدائل للنقل الجماعي أفضل من الطرق السريعة، فإن الخطوط الحديدية العالمية السريعة التي يجري التخطيط لبنائها الآن بين تايبيه ومدينة كاوسيونج على الساحل الجنوبي، ستشكل تهديدا حقيقيا لأحد أنجح الخطوط الجوية في الجزيرة. والسمة المهمة في تايوان أن المسافة الفاصلة بين أي نقطتين فيها لا تتجاوز 400 كيلومتر. فهي مكان صغير إلى حد ما. وضمن هذه الحدود فإن السفر جوا يستغرق وقتا أطول من السفر بالقطار السريع، نظرا للوقت والجهد اللازمان للوصول من وإلى المطار. ويقول تشينج: «القطار السريع سيكون بمثابة طائرة تسير على الأرض، باستثناء انه لن يطلب من الركاب ربط أحزمة الأمان وإيقاف هواتفهم النقالة». وفضلا عن ذلك فإن الخطوط الجوية مقيدة بطاقة استيعاب معينة، ومحكومة بنقل الركاب بين نقطتين محددتين فقط، على عكس الخطوط الحديدية التي توصل الركاب إلى وجهات عدة على طول خط سيرها، ناهيك عن طاقة استيعابها الهائلة. ومنظومة الخطوط الحديدية العالية السريعة «إتش إس آر» والتي يبلغ طولها 345 كيلومترا ستكون أول مشروع بنية تحتية ضخم ينفذه القطاع الخاص في تايوان. وعندما يستكمل بناء هذه الشبكة المتطورة في شهر اكتوبر عام 2005، ستصبح الرحلة بين أكبر مدينتين في الجزيرة تستغرق 95 دقيقة فقط، وفي ذلك اختصار كبير جدا للوقت، نظرا لأن الرحلة تستغرق الآن نحو أربع ساعات ونصف الساعة، سواء بالحافلة أو بالقطار. وثمة مشروع آخر يلقى حماسة كبيرة من قبل تشينج وهو تطوير صناعة قطاع السكك الحديدية في تايوان، حيث يقول: «إن استطعنا تطوير هذه الصناعة لنجعلها مربحة نظرا لتوسع السوق المحلية هنا، عندها لن يكون هناك داع لشراء جميع تجهيزاتنا من الخارج». ويشير تشينج إلى أن شركة الصناعات الفولاذية الحكومية «تشاينا ستيل كورب» تشارك الآن في مشروع الشبكة الحديدية، حيث يتوقع أن تساهم بشكل كبير في البنية التحتية للعربات والسكك الحديدية. ومن دواعي الحماس الأخرى أن الحكومة أنشأت في شهر يناير الماضي مجموعة تطوير صناعية بهدف تحفيز بناء وتشغيل منظومات السكك الخفيفة. لكن الأمر ليس بهذه السهولة فمثل هذه الخطوات لا تحتاج إلى المال وحسب بل إلى المهارات والخبرات الأكاديمية، ومن المؤسف كما يقول تشينج الذي يدرّس مواد النقل للمستوى الجامعي منذ عشر سنوات، ان قلة من طلابه يبدون اهتماماً حقيقياً أو تحمساً للدخول إلى ميدان أعمال السكك الحديدية. لكنه يأمل أن بوادر ازدهار صناعة النقل ستجتذب المزيد من الكوادر المؤهلة إلى هذا القطاع الذي يتوقع له أن يكون عماد النقل في مجتمع تايوان العصري. علي محمد