كان الدخول الى اسواق «الأنتيكا» التي تبيع أثاثا قديما في شوارع بيروت، وضواحيها، ضربا من الاحراج والشعور المسبق بالخجل، على اعتبار ان الداخل يحس بأن النظرات تلاحقه، وان اصحابها يظنون انه سيشتري اي اثاث بأبخس الأثمان، على طريقة شراء الالبسة العتيقة التي تباع بالجملة من بلد الى آخر. فأصبح الخروج منها مدعاة «لشوفة الحال» والتباهي حسب اعتقاد سميرة كوسا، وامينة رحال وسالم الحوت على الأقل. وبين الدخول والخروج جاء التغير في النظرة نتيجة اسباب موضوعية، لا عشوائية، وبحكم التصحيح الذي اصاب بوصلة اعتبار «الأنتيكا» اسواقا تحتضن أثاثا منوعا وغنيا بالتاريخ الراقي وبعضها قد يكون شاهدا على عصور معينة مثل النمط الفرعوني في الاثاث، والاسلوب القروي اللبناني المبسط، والمفروشات اليدوية التي تجدد حياتها في عصر فشل في دفعها الى التنحّي وتركها الصدارة لأساليب جديدة اكثر عصرية (من حيث توقيت تصنيعها وانتاجها على الاقل). وبرأي احد اصحاب تلك المحلات ايمن نصر فقد تحولت الى ما يشبه متاحف للمفروشات التاريخية القديمة، اكثر من كونها اسواقا للبيع. ويؤشر وهو يورد هذه الملاحظة الى مجموعة من الزائرين كانوا يتفحصون سريرا واسعا، وعاليا مغطى «بالكروم المذهب ويحتاج الصعود اليه الى سلم صغير من هذه المادة المعدنية الثقيلة نفسها وكأن بلوغه بحاجة الى «مصعد» حسب احد الساخرين. واللافت ان كل الشروحات اللازمة يمكن تقديمها حول هذا السرير الذي يخص احد باشوات مصر. باستثناء الحديث عن سعده، فالامر يعود الى طريقة البيع في سوق «الأنتيكا» خاصة بالنسبة للقطع الاثرية ذات الطابع الخاص. ففي هذه الحالة يتم التسعير بالظرف المختوم، في اوقات محددة يتم الاعلان عنها مسبقا، وتبدو هذه الطريقة اقرب الى المزاد العلني، وان كنت تتم بصورة ضيقة ومحصورة. وبهذه الطريقة تعمل انطوانيت حنا وسلمى الغريب بعض التماثيل المعدنية المذهبة، واحلام عبدالعال طاولة طعام مذهبة ايضا، وملفوفة بالحفر اليدوي الذي استغرق وقتا طويلا. ومهما يكن فإن عملية الشراء والبيع في السوق لاتخلو من «شطارة» ويؤكد بعضهم ان الكثير من الأثاث القديم يتم تخزينه وتصنيع نماذج مقلدة عنه لتطرح في السوق. الا انه في المحصلة فإن المفروشات القديمة تنتظر دائما من ينفض غبار الزمن والاهمال عنها، ولأن اثمانها ليست تحت قدرة الكثيرين على الدفع، فإن انتقالها الى المنازل المتواضعة من الذين يندرج اصحابها في خانة الفقراء ومحدودي الحال والمال ليس قيد الاحتمال، بل المكان الوحيد الذي ينتظرها سيكون بالتأكيد في منازل احد الاغنياء من القادرين على اعادة تجديدها. ولأن الامر كذلك، فإن البيع في تلك المحلات ليس بالزخم نفسه الذي تشهده محلات المفروشات والأثاث الاخرى كما يرى احد العاملين في التصليحات فيها طانيوس زغيب. ويبدو ان هذا الواقع يشكل ميزة تصنيفية اساسية لتلك المحلات فإذا كانت اسواقا لعرض كل ماهو قديم وبيعه فان عدم البيع، او تأخيره، يجعل من القديم اكثر قدما، وبالتالي يمكن هذه الخاصية، بزيادة اعمار الاثاث حيث هي معروضة وأدى ذلك الى زيادة اعداد تلك الاسواق، وانتشارها في اماكن عدة من العاصمة وجوارها ـ وبعضها بدأ بالانتشار في المناطق خاصة في الأماكن التي يرتادها المصطافون والسياح الذين يندرجون عادة في خانة حملة الحفنات من المال، ولدى بعضهم هوايات خاصة جدا، لأنها مكلفة، وفي مقدمتها: شراء القديم، وشعارهم: «جديدك لايفيدك، قديمك يدوم لك». بيروت ـ شاكر وهبي