بيان الكتب: انجز «انطوني بيفور» دراساته في «ونشستر» و«سندورست». عمل ضابطاً نظامياً في الفرقة الأوروبية الحادية عشرة حيث خدم في ألمانيا وانجلترا لمدة خمس سنوات تخلّى بعدها عن العمل في صفوف الجيش. نشر العديد من المجموعات القصصية ثم انتقل إلى الأعمال غير الابداعية ليكتب عدداً من الأعمال مثل «الحرب الأهلية الاسبانية» و«كريت: المعركة والمقاومة» وحيث نال هذا الكتاب جائزة «رونسيمان». تزوج من الكاتبة «ارتميس كوبر» ونشرا معا كتاب «باريس بعد التحرير»، ونالا من أجله، كلاهما، وسام «فارس» في ميدان الفنون والآداب من الحكومة الفرنسية. «ستالينجراد» يحكي ملحمة المقاومة البطولية التي أبداها سكان هذه المدينة أثناء مقاومة الجيوش النازية خلال الحرب العالمية الثانية. «ستالينجراد» عام 1942 أصبحت اليوم «بطرسبورج» بعد أن استعادت اسمها القديم الذي كان قد تمّ اطلاقه عليها تيمناً بمؤسسها الرئيسي «بطرس الأكبر». وفي معركة «ستالينجراد» وفشل الجيش الألماني السادس ـ النازي ـ باخضاع المدينة رغم حصارها الطويل، يرى مؤلف هذا الكتاب ان هتلر قد خسر فعلياً الحرب العالمية الثانية، ففي هذا «الرجل الجهنمي» انتهى حلمه القديم الذي كان راوده طيلة حياته، لقد «تحطم» على صخرة مقاومة أبناء المدينة الذين استماتوا بالدفاع عن مدينتهم وعرفوا أقسى أشكال البؤس والجوع. لقد انتهى الحلم بإقامة جيش ـ رانج ـ يفرض تفوقه لألف عام «وتضاء له «ألف شعلة» في الغرب كما في الشرق. كان هتلر، كما يحلل مؤلف هذا الكتاب طموحاته، يريد بأي ثمن «الاستيلاء على المدينة التي كانت تحمل اسم جوزيف ستالين، وكأن ذلك العمل كان يمثل رمز الانتصار». بل ويؤكد المؤلف أيضا انه ربما كان من الصعب على ستالين أن يتحمل مثل ذلك الفشل المتمثل في احتلال مدينة كان لها قيمة رمزية خاصة بالنسبة له أيضا. بمعنى آخر كانت المدينة قد تحولت إلى «رمز» بالنسبة لأولئك الذين كانوا يتواجهون على جبهة الحرب. ان قساوة الأوضاع التي عاشها الجنود الألمانيون عند بوابات مدينة ستالينجراد عند اشتداد العواصف الثلجية عبّر عنها جندي كان في الأصل عازفاً للبيانو. وذلك في رسالة كتبها من الجبهة وقال فيها: «لم تعد أيادينا صالحة للاستعمال. وهذا منذ بداية شهر سبتمبر.. وفي اليد اليسرى استئصلت الأصبع الصغيرة.. لكن ما هو أكثر سوءاً هو أن الأصابع الثلاثة الوسطى في اليد اليمنى قد تجمّدت.. لقد أحسست أنني لم أعد أملك أية امكانية للدفاع! وعندما يفقد المرء أصابعه يعرف عندها مدى فائدتها حتى من أجل القيام بأبسط الاحتياجات. وفي أفضل الحالات، لم أزل استطيع الضغط على الزناد بواسطة الاصبع الصغيرة.. ولكنني لا أستطيع مع ذلك أن أتابع عملية الرمي طيلة حياتي تحت حجة انه لم يعد بمقدوري أن أفعل أي شيء آخر!». ويصف المؤلف في هذا الكتاب ذلك التحول الكبير الذي جرى في أعماق نفس جنود الجيش النازي السادس من موقع «الغطرسة» في افق الانتصار القريب إلى موقع «القلق» في توقع الهزيمة الوشيكة. ووجد هذا التحول «ترجمته» البليغة في عملية إلقاء العديد من الجنود الألمانيين للسلاح وإعلان استسلامهم بعد أسابيع طويلة من القتال في ظروف مناخية قاسية وبرد قارس لا يطاق، بالاضافة إلى انتشار الأمراض وسوء التغذية. ويقدّر عدد القتلى في معركة وحصار ستالينجراد بنحو نصف مليون قتيل من كل جانب من الجانبين. كان الجوع والموت يرفرفان فوق رؤوس الجميع. ويبدو بوضوح من وجهة النظر العسكرية التي يقدمها خريج أكاديمية «سندورست» العسكرية الشهيرة ـ المؤلف ـ بأن هتلر لم يقدّر بشكل جيد امكانيات المقاومة التي كان يتمتع بها «الجيش الأحمر»، أي السوفييتي، قبل أن يزج بجيشه في تلك المغامرة التي كانت «وبالاً» عليه. كان هتلر قد حدد أمامه هدفاً استراتيجياً دقيقاً عبر «الانتصار» في معركة ستالينجراد وحيث تمثّل ذلك الهدف في الاستيلاء ـ لاحقاً ـ على مناطق البترول في القوقاز. لكنه كان يجهل، كما يبدو، الكثير من التفاصيل ذات القيمة العسكرية الكبيرة عندما أراد الاستيلاء على المدينة. إن كتابات عديدة من جبهة القتال تشهد على مثل ذلك الواقع، حيث كتب أحد الجنود عندما رأيت خارطة العمليات أصابني الرعب. لقد ترك لنا هتلر حرية الاختيار، كنا معزولين تماما ودون توفر أية امكانية للحصول على النجدة من الخارج (...). البارحة، وأثناء استعادة جسر من قبل مدرعاتنا شاهدت أربعة جنود يقعون في الأسر لدى الروس. كلا!.. إنني لا أريد أن أقع في الأسر». وكان الجنود الألمانيون يواجهون تطويق جنود «الجيش الأحمر» لهم. وكانوا يعتقدون ان جميع احتياجات هذا الجيش متوفرة دون أي عناء.. لكنهم كانوا مخطئين تماما في مثل ذلك الاعتقاد إذ كانوا يجهلون ان المؤونة والمواد الغذائية لا تصل دائما إلى أولئك الذين يكونون على الخط الأول.. يقول أنطوني بيفور بما أن المسئولين السياسيين لم يكونوا قد ارتقبوا توفير ملاجيء كافية للجنود الذين ظل قسم منهم في العراء ما أدّى إلى تجمد أقدامهم. كان جنود «النخبة» هم وحدهم الذين يمتلكون تجهيزات كافية. وقد كتب المؤلف عن عمل جنود النخبة ما يلي: «كانوا يتوزعون خلال مهماتهم في السهوب المغطاة بالثلوج بين فرق عدة، ويرتدون جميعهم ثيابا بيضاء من أجل التمويه على العدو. وكان كل فريق يضم شخصين بحيث يتم تزويد أحدهما بمنظار مقرب بينما يحمل الآخر بندقية ترمي إلى مدى بعيد. وكانت هذه الفرق الثنائية تصل إلى تخوم حدود العدو حيث تتم عملية «التمترس» في حفر صغيرة بالثلج. وكان معدل الخسائر في صفوف جنود النخبة هؤلاء أكبر بكثير مما هو بالنسبة لأولئك الذين بقوا في المدينة، إذ لم تكن هناك ـ على الخطوط المتقدمة للجبهة ـ سبلا كثيرة للتقهقر. لكن مظاهر الافتخار التي كانت تحيط بعملية القيام بمثل المهمات المطروحة جعلت عدد المتطوعين أكبر باستمرار من العدد المطلوب للقيام بتلك المهمات». إن مؤلف هذا الكتاب الذي جمع الكثير من المعلومات الجديدة، من «الأراشيف» السوفييتية التي تمّ السماح بالاطلاع عليها بعد سقوط النظام الشيوعي، يؤكد من جهة على البطولات التي أبداها سكان مدينة ستالينجراد والجنود العاديون على جبهات القتال، لكنه يرفض من جهة أخرى المقولة السائدة القائلة بأن انتصار الستالينية على النازية في معركة «ستالينجراد» انما كان انتصارا للحرية ضد النازية التي تمثل القمع والاضطهاد. على العكس ما يؤكده «انطوني بيفور» على مدى صفحات هذا الكتاب هو أن معركة «ستالينجراد» قد شهدت المواجهة بين نظامين دكتاتوريين يزرعان الرعب والموت أينما «حلا». في أحد أشعاره يقول الشاعر «تيشيف» ما يدل على أنه «لا يمكن فهم روسيا بواسطة العقل». إن المؤلف يعتمد مثل هذا القول في محاولة تحليل كل ما يتعلق بمعركة «ستالينجراد» التي يقول انه «لا يمكن فهمها بواسطة قواعد التحليل العامة التي يستخدمها الجميع». ولذلك ركز على ضرورة الاعتماد على «معطيات جديدة» توفرها «الاراشيف» الروسية أولا ومصادر معلومات عديدة أخرى بالدرجة الثانية مثل مذكرات ـ يوميات ـ الحرب التي كتبها عدد من الذين شاركوا فيها، والتحقيقات الميدانية والشهادات الخاصة، والرسائل التي كتبها الجنود من جبهات القتال.. والمقابلات المباشرة مع جنود كانوا قد خاضوا معركة ستالينجراد أو عرفوا الأسر لدى هذا الطرف أو ذاك. ويبدو واضحاً من مختلف الشهادات التي قدّمها محاربون سابقون روس بأن تلك المعركة كانت بمثابة «الحرب الوطنية الكبرى» بالنسبة لجميع أبناء الشعب،. وهذا على عكس الألمانيين الذين تدل شهاداتهم على أنهم يرون في معركة «ستالينجراد» ورطة قاتلة تمّ زجهم بها بدافع ارادة كانت ترى «أحلامها» دون تبصر بحقيقة الواقع. بكل الأحوال تبقى معركة «ستالينجراد» باستمرار ذات «شحنة» ايديولوجية ورمزية عالية حيث انها كانت أحد المنعطفات الحاسمة في الحرب العالمية الثانية. ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب واقع أن مؤلفه قد جمع بين ذهنية المؤرخ الخبير بشئون الحرب ووقائعها ومفاهيمها وبين الأسلوب الروائي الذي مارسه في كتاباته الأولى.