بيان الكتب: ان محاولة قراءة الفن بشكل عام والشعر بشكل خاص قراءة فلسفية تثير عددا من التحفظات لدى كثير من الدارسين والمهتمين بالفلسفة. مرد ذلك يعود إلى تصور قديم يقوم على الفصل الميتافيزيقي المطلق بين الشعر والفلسفة، والذي ترجع جذوره إلى أفلاطون، باعتبار أن الشعرخاضع لأحكام جمالية فيما الفلسفة خاضعة لأحكام عقلية. لكن هذا لم يمنع محاولات أخرى خرجت عن مرجعيات هذا التصور وأحكامه، من بينها الدراسة الفلسفية الشهيرة للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر لشعر هولدرن. وفي هذا السياق يقدم عادل ضاهر قراءته الفلسفية الخاصة لشعر أدونيس من خلال كتابه «الشعر والفلسفة»، وتأتي هذه القراءة ـ الدراسة تتويجا لسنوات من البحث الجاد والدراسة، وتستحق الوقوف عندها طويلا، بوصفها تثير تساؤلات عديدة حول قراءة الشعر وتأويله الفلسفي وعلاقته بالأجناس الأخرى، وتمتد الأسئلة لتطال الفروق بين مختلف الأجناس المعرفية. التفلسف شعرياً لقد نظر هيدجر إلى الشعر بوصفه شكلا من أشكال المعرفة غير العقلية، ويجسد أفكارا معينة، لذلك يمكن أن يكون الشعر موضوعا للأحكام غير الجمالية، سواء اتخذ صورة أفكار فلسفية أم أفكارا من نوع اخر. وحين يفكر الشاعر فإنه يفكر شعريا، وإن كان، بصفته شاعرا، غير معني بالفكر المجدد. ويرى ضاهر ان الفلسفة تظهر في شعر أدونيس في اللحظة التي ابتدأت فيها أعماله تبحث عن معناها بوصفها جنسا من الشعر، إذ تحولت إلى أعمال مشحونة بوعي نظري حاد لشعريتها، بحيث أصبح الشعر فيها نوعا من الميتا ـ شعر، وأضحت الكتابة الشعرية تتماهى بدرجة ما مع السمات الشعرية الجوهرية المكونة لشعريتها، فغدا التفلسف شعريا سمة لشعر أدونيس. لكننا نلمس تماهي الشعر مع فلسفته في قصيدة بعينها من شعره، انما في مجمل أعماله الناضجة، وبخاصة: كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار، والمسرح والمرايا، ومفرد بصيغة الجمع، واحتفاء بالأشياء الغامضة الواضحة، والكتاب، أمس المكان الآن. لذلك يقرأ ضاهر في كتابه هذه الأعمال في مجملها، معتمدا على منهجية التأويل الفلسفي في تحديد هوية العمل الشعري، ومرتكزا على اعتبار أن الشعرية شأن جمالي مرتبط على نحو عارض بالطبع الميتافيزيقي للشعر. جدلية التذوت الأدونيسي تتجاوز الأسئلة الفلسفية التي تثيرها تجربة أدونيس الشعرية الأسئلة المتعلقة بطبيعة الشعر والمكونات الضرورية لمفهوم الشعرية إلى أسئلة تتصل بمعنى أن يصبح واحدنا ذاتا، وإلى ماهية المكونات الجوهرية للذاتية. وفي عودته إلى ذاته، فإن أدونيس لا يستهدف الانسحاب من العالم لمجرد الانسحاب منه، بل إنه يرى إلى عودته هذه خطوة مهمة لاختبار ذاته خارج حيزها، اختبار أبعادها الداخلية اختبارا مباشرا، مما يجعل انسحابه إلى عالم الداخل بمثابة انسحاب من عالم الاحتمال إلى عالم اليقين. إن العودة إلى الذات تعني العودة إلى العيني، وإلى المفرد الخاص في حقل التجربة المباشرة، ويعتقد ضاهر ان عودة أدونيس إلى ذاته تتجاوز على نحو جذري ما عنته هذه العودة عند ديكارت من تكريس لثنائية الذات الموضوع، من جهة، ومن تأكيد لجوهرية الذات، من جهة أخرى. الكوجيتو تأكيد لانفصالية الذات شبه المطلق عن العالم، والكوجيتو تأكيد أيضا لكون الذات جوهرا فكريا.. بينما عودة أدونيس إلى ذاته هي عودة إلى حالة من التماهي والاختلاف في ذات الوقت، أي انها حالة من التماهي المطلق: «أمحو الآثار والبقع في داخلي. أغسل داخلي وأبقيه نظيفاً هكذا تحت نفسي أحيا». ويتجلي التذاوت عند أدونيس بتحوله إلى ذات نازعة باستمرار نحو القبض على ذاتها، سيرورة لا تكتمل إلا بالموت: «لكي أتيقن أنّي نفسي لابد من أن أموت. بالموت يتلاشى في عالم الأشياء ولا يبقى فيه أي امكان أو سلب فيتوحد مع ذاته تماما كما يتوحد الحجر مع حجريته. الحرية وتجربة النفي إن للإنسان، من حيث هو فرد، الحق في السيادة على قواه وامكانياته، لذلك نجده يسعى إلى التحرر من كل سلطة، خصوصا سلطة الماضي. والحرية هي سبيله إلى الانفلات من شبكة العلائق والروابط القديمة التي تحددت ضمنها هويته المكتسبة، لكن أدونيس ـ كما يرى ضاهر ـ سعى دوما إلى قطيعة دائمة بينه وبين هويته التاريخية، وهي مسألة تطلبت منه البدء والتأسيس من جديد، وبالتالي عليه أن ينسى كيف أسس الأقدمون، وأن يتصرف وكأنه لا يمتلك الهوية التاريخية التي له، لذلك يقول: «ما حياً كل حكمة هذه ناري لم تبق آية، دمي الآية هذا بدئي». لكن ذلك لا يتعارض مع اعتبار الهوية الثقافية هي ما هي في الحاضر لأنها كانت ما كانت في الماضي، وعليه تتجلي القطيعة في رفض سلطة الماضي، وتحديدا رفض الثقافة السلطوية الماضوية التي يعيش في ظلها. ولا يدعو أدونيس إلى استبدال هوية بهوية، بل إلى شيء مختلف تماما. إنه يدعو إلى الاعتراف بعدم وجود جوهر تاريخي، إلى الاعتراف بأن الانسان، في مراحل وجوده المختلفة، أكثر من هوية، وبأن الشخصية الاجتماعية بوصفها جوهراً أزلياً تشارك فيه أجيالنا المختلفة مجرد وهم. مر ذلك إلى وجود أكثرمن شخصية اجتماعية في رحم الذات الجمعية. نازعة إلى الخروج إلى حيز الفعل. وعليه يتجلى التحرر من التاريخ، هو في المقام الأول، تحرر من النظرة السلطوية إلى ماضي عالمه الثقافي وليس تحررا من التاريخ كتاريخ. ويرى ضاهر ان في تحرر أدونيس من سلطة الماضي بالذات تكريس لمبدأ مهم، هو مبدأ حق سيادة الإنسان على قواه وامكانياته، انه يعيد إلى التاري وجهه الانساني، وينبه الإنسان إلى قواه الذاتية، ويدعوه إلى التحصن فيها ووعيها كذات لها وجودها المستقل في العالم. غير أن الذات الإنسانية لها طبيعة تستعصي على الفهم الموضوعي، فكيف يمكن للإنسان فهم معنى وجوده؟ وإلى أين يذهب؟ يستخلص ضاهر من خلال تجربة أدونيس جوابا هو أن على الإنسان أن يعود إلى ذاته واستبطان عالمها فينومينولوجيا، انطلاقا من أن معنى الإنسان يتحدد بنسبة وعيه لذاته، ويرتبط هذا بحالة النفي أوالاغتراب الانساني، ففي حال كهذا يجد الانسان نفسه في آخر المطاف متجها نحو ذاته في حركة انطوائية، تبدأ بالانسحاب من عالم النحن وتنتهي إلى وعي لوجود الذات بوصفه وجوداً في الحرية، أي أن الحرية مكون ماهوي انطولوجي للوعي، لذلك لا تترجم داخل العالم الذاتي للشخص سوى إلى حالة من النفي والاغتراب، وهذا يبين أن الربط بين الحرية والاغتراب هو أكثر من رباط واقعي إنه رباط انطولوجي، بل مفهومي. إذن يرى ضاهر أن أدونيس منفي ومغترب، ويستشهد بمقاطع شعرية عديدة لأدونيس، منها: «سترى منفاك في كل شي، خطواتك منفى، وحبك منفى وجنونك منفى، سترى النفي ينبع مما تيقنته موئلا وملاذا، سترى أن منفاك هذا التراب وهذا الهواء». ويعتبر أن تجلي الفني والاغتراب متجسد في فعل التخطي، حيث يتم قطع كل الوشائج مع عالم الـ«هم» والوصول إلى التماهي مع الذات. وهكذا تخلص ضاهر إلى أن الحرية ترتبط في ذهن أدونيس بلا معنى، فهو يعي حريته بصفتها مصدرا للسلب، كونها نابعة من وعي لا يمكن أن يتجوهر أو يتشيأ. إرادة الخلق ويبحث ضاهر في أشعار أدونيس عن إرادة الكشف، والتي يدعوها هيدجر «صوت الكينونة» ليجدها في إرادة الخلق، انه يريد ان يخرج من نفسه كي تخرج الأشياء من أسمائها وتنطق بحقيقتها كما هي في ذاتها: تخرج الأشياء من أسمائها، لا أسميها ولكن سأقول الشيء ما أكرمه هوذا يأخذ أعماقي إلى وحدته ويؤاويني أنا الطيف الذي يعبر في أفنانه وأنا الصامت وهو الكلمة». لكن إرادة الخلق لدى أدونيس تعكس العالم الهيراقيطي، حيث الصراع والحركة والتناقض بطانة العالم، لذلك يحمل أدونيس النار الهيراقليطية، يهدم ويبني باستمرار، وينزع دوماً إلى وجود أعلى باحثاً عن معان جديدة للأشياء، وتجيء إرادة الخلق ـ كما يقول ضاهر ـ كحلقة وصل بين تذويت أدونيس لذاته وتذويته للعالم. وهي حين تدفعه في اتجاه افراغ ذاته من كل ما علق بها من آثار التشييء فإنها تحوله إلى طاقة غير مفيدة للفعل الخلاق في الوقت الذي تجعله يدرك ان معنى العالم خارجه، كما وعاه قبل إفراغه ذاته، ما كان ليكون له لولا انه يرى العالم من خلال منظور الواحد أو الآخر المعمم، ويتساءل ضاهر: هل إرادة الخلق وحدها هي التي تحركه في ذهابه إلى ما وراء الخير والشر ام إرادة الكشف لها دورها أيضاً؟ إذن يعتقد ضاهر ان أدونيس يدرك من «نيتشة» ان في ذهابه إلى ما وراء الخير والشر تعليق لكل المعايير، وهو معنى بتحرير العقل من جزئية وأوهام التجريد حتى يستطيع هذا العقل أن ينفذ إلى ما وراء اللغة العادية، إلى ظلمة الأولي والبسيط في عمق الأشياء ذاتها، ويصبح ذهاب أدونيس إلى ما وراء الخير والشر تجسيداً لارادة الخلق، وإن كان هذا الخلق بدئياً ومدفوعاً بإرادة الكشف. عمر كوش