بيان الكتب: باسكال تييرسي هو استاذ جامعي ورئيس المعهد الفرنسي للمسرح القديم. له العديد من المؤلفات والدراسات حول المسرح اليوناني. لايزال المسرح اليوناني القديم «حاضراً» حتى الآن في المشهد الثقافي الغربي، كما تدل عشرات العروض هنا وهناك لمسرحيات كان «سوفوكليس» او «اوريبيد» او غيرهما قد كتبوها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. ولكن لابد من الاشارة اولا بأول الى ان الانتاج المسرحي اليوناني القديم قد أعطى عشرات، بل مئات المسرحيات، ولكن لم يحتفظ الا بحوالي ثلاثين منها «ذات الاهمية الاساسية في حضارتنا»، كما يقول المؤلف. الميزة الاساسية للاعمال المسرحية اليونانية القديمة تتمثل في غنى تعبيراتها وتعدد المشارب التي استقت منها او تطرقت اليها. ولهذا يجد النقاد فيها «ما يبحثون عنه» من رؤية سياسية او اجتماعية حول «المدينة الاثينية» او بعد ملحمي غنائي او تأليف موسيقي او قيمة تاريخية.. الخ. واذا كانت الكتب التي جعلت من «التراجيديا» اليونانية موضوعاً لها هي عديدة ومتنوعة، فان هذا الكتاب يمكن اعتباره بمثابة دليل «يحاول صاحبه ان يضع مختلف التراجيديات اليونانية القديمة، التي يفصلنا عنها اكثر من خمسة وعشرين قرناً من الزمن في سياقها التاريخي مع الربط بصورة منهجية بينها وبين الاساطير اليونانية التي كانت بمثابة الاساس الذي قامت عليه والمعين الذي غرفت منه. وربما ان هذا الكتاب «يتفرد» عن الكتب الاخرى الكثيرة التي تطرقت للموضوع نفسه، من خلال دراسته لـ «التراجيديات اليونانية القديمة» تبعاً لـ «تعاقب الدورات الاسطورية» وتسلسلها الزمني وليس اعتماداً على تاريخ تأليف هذه المسرحية او تلك كما جرت العادة. ان المؤلف يبدأ «من البداية» ومن عام 480 حيث حقق الاثينيون آنذاك انتصاراً كبيراً في معركة «سالامين» التي سحقوا فيها اسطول خصومهم «رغم قلة عددهم»، اي عدد الاثينيين. لقد شكّل ذلك الحدث التاريخي المهم ـ الانتصار ـ نقطة انعطاف حاسمة في التاريخ اليوناني القديم وفي الثقافة السائدة انذاك، وقد جرت العادة ان يتم الربط بينه وبين الشعراء اليونانيين التراجيديين القدماء «ايخيل ـ ايخيلوس» الذي كان يبلغ من العمر اربعة واربعين عاما وشارك في تلك المعركة «سالامين» و«سوفوكليس» الشاعر الشاب الذي قاد جوقة الفتيات التي احيت ذلك الانتصار و«اوريبيد» الذي، يقال، إنه ولد في تلك السنة نفسها. ومهما تكن درجة «الخيال» في مثل هذا الربط بين اكبر ادباء المسرح التراجيدي اليوناني القديم، فانه يدل بوضوح على معطيين اساسيين. الاول هو ان «التراجيديا» اليونانية القديمة قد جعلت من الحرب موضوعاً مركزياً لـ «مسرحها»، اذ ان المؤلفين المسرحيين اليونانيين القدماء قد جعلوا من الحروب ضد الفرس ثم اثناء الحروب البيليبونيزية اطاراً عاما تجري ضمنه الاحداث التي يتعرضون لها. المعطى الثاني يتمثل في كون ان هذا الربط يحدد علاقة تأريخية ـ كروتولوجية ـ بين المسرحيين التراجيديين الثلاثة الكبار الذين جرى اعتبارهم منذ العهود القديمة الاكثر اهمية، وهم بالوقت نفسه الثلاثة الوحيدين الذين وصلت للاجيال الحالية اعمالهم المسرحية كاملة، وذلك من بين الكم الكبير من المسرحيات التي تمت كتابتها في القرن الخامس قبل الميلاد. ويميل مؤلف هذا الكتاب الى الاعتقاد ان هذا يعود الى عملية اختيار ـ انتقاء ـ قام بها عارفون على اساس قواعد جمالية او مدرسية. ومن الملفت للانتباه هو انه تم الاحتفاظ بسبعة اعمال مسرحية لكل من «ايخيل» سوفوكليس ورقم سبعة له دلالته الرمزية وعشرة اعمال لـ «اوريبيد» الذي يعتبر بمثابة معلّم كبير وليس في مجال المأساة ـ التراجيديا ـ وانما ايضا في مجال «الملهاة» اي «الكوميديا». وفي بحث المؤلف عن اصول «التراجيديا» يعود الى شاعر «اثيني» عاش في منتصف القرن السادس قبل الميلاد ويدعي «تيسبيس» حيث يعتبره انه «مخترع» التراجيديا وذلك عندما اضاف «النص المحكي» الى الغناء والاشعار التي كان يتم ترديدها احتفالاً ببطل او بانتصار، وكانت تتم مسابقات خاصة «بالتراجيديات والكوميديات» بمناسبة اعياد ذات طابع طقوسي تكريما لـ «ديونيزس» ويحدد المؤلف تاريخ اول مسابقة مسرحية في اليونان القديمة عام 534 قبل الميلاد. ولا يعرف التاريخ الادبي لتلك الفترة سوى بعض «النتف» الصغيرة للكتاب المسرحيين الذين سبقوا «اخيل» ويذكر من هؤلاء اسم «فرينيكوس» الذي ظلت الاغاني الايقاعية التي قدمها ذات شعبية كبيرة في اثينا لمدة طويلة. كما يعتبره المؤلف بمثابة اول كاتب مسرحي يوناني يقوم باشراك شخصيات نسائية في اعماله، كما كان اول من اهتم بمواضيع كان لها راهنيتها في زمنها. ومن بين المسرحيات المعروفة لفرينيكوس مسرحية «الفينيقيات» التي نال عليها الجائزة الاولى في مهرجان «ديونيزس»... وهو ايضا صاحب مسرحية «الاستيلاء على ميليت» والتي كان موضوعها تمرد مدينة «ميليت» ضد الفرس. المسرحيات اليونانية القديمة مكتوبة بأبيات شعرية لها ايقاعاتها واوزانها. ويتناوب على القائها ممثلون، او من قبل المشاركين في الجوقة الموسيقية المرافقة.. وهذه الجوقة تقوم احيانا بغناء بعض المقاطع بصورة جماعية.. والحوارات التي تتضمنها بعض المشاهد هي ايضا شعرية بمرافقة الموسيقى التي تتم تأديتها بواسطة عدة آلات موسيقية صوتية او وترية. اما الرقص في المسرح اليوناني التراجيدي فقد كان يقتصر على بعض الحركات الايحائية «البطيئة» في اكثر الاحيان.. وهو رقص ايقاعي رتيب لا يتسم بأية حيوية. وكان يتم تنفيذ اي عمل مسرحي تراجيدي يوناني على عدة مراحل تتوزع بين عرض «الحكاية» وغناء الجوقة والحوارات ووصلات الرقص وبحيث يمكن لكل مرحلة من هذه المراحل ان تطول او تقصر حسب «ارادة» المؤلف. ولكنه وبكل الحالات، كان من الصعب الفصل بين مختلف هذه المراحل، كما شهدت فيما بعد الاعمال المسرحية في العصر الكلاسيكي اي في القرن السابع عشر، وخاصة في اعمال «كورني» و«راسين» على صعيد المأساة «التراجيديا» و«موليير» بالنسبة للملهاة «الكوميديا». ويعتبر المؤلف انه ينبغي الحذر كثيرا في الاعتماد على المعلومات التي تقدمها «السير» التي كتبها الاقدمون عن مؤلفي اليونان القديمة وادبائها. ذلك لانه تم الصاق الكثير من الحكايات «الخرافية» عن حياتهم بدافع الميل الى جعل «الاعمال الكبرى» من «فعل المشاهير». ويؤكد المؤلف في هذا السياق ان الاثينيين في القرن الخامس قبل الميلاد كانوا ينظرون الى «ايخيل» على اعتبار انه كان يمثل «سلطة اخلاقية» عبر استخدامه للغة «نبيلة»، ويؤكد المؤلف في المحصلة ان المسرح اليوناني القديم توصل في فترة تقل عن قرن من الزمن الى ايجاد اعمال فيها الكثير من الواقعية، بالقياس الى ما قبلها، وعبر اعطاء الاولوية للشخصيات، والاهتمام بـ «العقدة» وبالفرد، واعطاء دور جديد لـ «الجوقة». بحث في اصول المسرح.. من خلال التراجيديات اليونانية القديمة.