بيان الكتب: جيمس جانكوفسكي، مؤلف هذا الكتاب، هو استاذ التاريخ في جامعة كولورادو. وهو احد الاخصائيين المعروفين بتاريخ مصر الحديث. ألف، او شارك في تأليف عدة كتب عن مصر وتاريخها، من بينها، «المحمودون الشباب المصريون: 1933 ـ 1952». ونشر ايضاً العشرات من المقالات في ميدان اهتمامه في العديد من المجلات الامريكية والعالمية. كتاب اكاديمي في تاريخ مصر منذ عهد «توت عنخ آمون» وحتى مصر الحديثة «مصر الثورية» كما يطلق عليها المؤلف. لا شك ان الكتب التي تطرقت لتاريخ مصر في الغرب تعد بالمئات، لكن كل منها يحاول ان يأتي بجديد «لكنها تجد كلها تقريباً اقبالاً لدى القارئ الغربي بسبب الاعجاب الدفين الذي يكنه الغربيون للحضارة المصرية بعيداً عن جميع التبدلات السياسية التي عرفتها هذه البلاد عبر مسيرتها التاريخية الطويلة. لعل من الميزات الاساسية لهذا الكتاب ذي الطابع الاكاديمي، وليس السياحي كما هو شأن العديد من الكتب الخاصة بمصر، كون ان مؤلفه، الاستاذ الجامعي، يبحث في مختلف مظاهر ونقاط الارتكاز للتاريخ المصري على مختلف الاصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لخصوصيات التاريخ المصري الذي كانت له مساهماته الكبيرة في دفع مسيرة الانسانية كلها نحو الرقي والتقدم. واذا كان المؤلف ينطلق بأبحاثه التاريخية انطلاقاً مما اسماه بالفترة الفرعونية فإنه يركز في الواقع على تاريخ القرنين الاخيرين المنصرمين، اي القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مع التركيز على تحليل دور الدولة ومختلف القوى الاجتماعية الفاعلة في المجتمع المصري. السؤال الاولى الذي يمكن ان يتبادر للذهن، كما تبادر الى ذهن المؤلف نفسه، هو عن كيفية كتابة تاريخ حضارة عمرها ما يزيد على اربعة آلاف سنة في كتاب من حوالي مئتي صفحة فقط؟ وهذا الكتاب هو محاولة في تقديم اجابة. تخص الفصول الاربعة الاولى، المقتضبة (حوالي سبعين صفحة لمجملها) تاريخ «مصر الفرعونية، ثم مصر اليونانية، الرومانية» فـ «مصر الاسلامية» واخيراً مصر في ظل الامبراطورية العثمانية. ويرى المؤلف في الحقبة الفرعونية نوعاً من الانتقال بمصر من مرحلة ما قبل التاريخ، الى المرحلة الحضارية، وهو يدرس ضمن هذا الاطار آليات عمل الدولة الفرعونية، وديانات مصر القديمة، ثم المجتمع الاقتصاد للفرعونيين، لكن مصر وبكل حالاتها ومراحلها كانت حسب التعريفات المقدمة منذ عهد هيرودوت، بلاد وادي النيل حيث ان الوحدة التاريخية لمصر تعود بقسم كبير منها الى الوحدة الجغرافية التي يمثلها حوض وادي النيل. وقد عرفت مصر بشراً سكنوها منذ العصور الحجرية، كما كانت قد عرفت الزراعة منذ عهود مغرقة في القدم على قاعدة التأقلم مع البيئة المحيطة. كما دل عدد من الاكتشافات الاثرية حديثة العهد.. ثم تبع ذلك ظهور وسائل المواصلات والتجارة حيث يشير المؤلف الى علاقات تجارية قديمة ووثيقة بين بعض المناطق المصرية وفلسطين.. والى حملات تجارية شبيهة ايضاً مع حضارة ما بين النهرين آنذاك.. بل ويؤكد أن مصر قد شهدت منذ المراحل الاخيرة من العصر الحجري بعض الكيانات السياسية الصغيرة، والثقافات المحلية، ذات التقاليد المتمايزة، عن غيرها، وقد اكتسبت مصر نوعاً من جسد الدولة، عندما بدأت السياسات في حوض وادي النيل تكتسي سمة المركزية. ضمن هذا السياق نشأت وترعرعت الحضارة الفرعونية عقب تسلسل الفراعنة على الحكم في منطقة وادي النيل وحيث أمنوا قدراً كبيراً من الاستمرارية والاستقرار.. وبالتالي الازدهار. وتحددت بنية المجتمع المصري القديم على اساس التراتبية، بين مختلف الشرائح الاجتماعية حيث كان هناك تمايز كبير بين شريحة البيروقراطيين. المقربين من الفرعون وبين المصريين العاديين.. لاسيما وان الفرعون كان يتمتع بنوع من حق التقديس. وبالتالي كانت المعايير الخاصة بالسلوك تتحدد على اساس مقدار الوفاء لرأس السلطة ويرى المؤلف في قبور ملوك مصر القدامى اكثر التعبيرات دلالة على مركزية الدولة في الحضارة المصرية القديمة وعلى التعاليم التي ركزت عليها دياناتها التي يصفها المؤلف ايضاً بأنها كانت ذات بعد عملي براجماتي، بحيث انها كانت تستجيب لمنطق السلطة القائمة آنذاك. ويقدر المؤلف عدد سكان مصر اثناء الحقبة الفرعونية ما بين مليون ومليوني نسمة حسب الفترة المعنية. ولكنه يؤكد في تحليلاته على القول انه قبل تشكل الدولة وقبل بروز اية حضارة قامت في مصر بؤر زراعية مستمرة، أمنت الانتقال من حياة الترحال الى الحياة الحضرية، وحيث كان النيل ومواسم طوفانه عاملاً حاسماً في تحديد طبيعة ونوعية المنتوجات الزراعية. وشكل تدجين الحيوانات والصيد النهري عاملين مهمين في تكوين حياة اجتماعية تتسم بقدر من الاستمرارية. وبحث الهياكل الفرعونية بالتدريج دور المالكين الحقيقيين وذلك باعتبار انها كانت تمثل الخلية الاساسية، التي تركزت حولها حياة القرى والمدن في مصر الفرعونية، وكانت التراتبية الاجتماعية تعكس واقع المنظومة القائمة آنذاك، والتي كانت تشكل الامتيازات السياسية والدينية حجراً اساسياً فيها. ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى ان الخاصية الاساسية التي تميز بها النظام الاجتماعي المصري القديم تمثلت في الوضع المشجع نسبياً الذي تمتعت به المرأة، وذلك بالمقارنة مع الحضارات ذات الطابع الابوي الرجالي التي كانت سائدة في الشرق الاوسط آنذاك. وكان فتح الاسكندر الاكبر لمصر بمثابة الاعلان عن حقبة جديدة من تاريخها خضعت فيها للهيمنة المقدونية اليونانية او الرومانية، البيزنطية وحيث خضع سكانها ومؤسساتها وثقافتها للتأثير اليوناني الروماني الهائل، كما يقول المؤلف ثم يضيف: لقد شكلت مصر لمدة الف عام جزءاً لا يتجزأ من حضارة متوسطية اوجدها اليونانيون وحافظ الرومانيون عليها. وكانت فترة حكم البطالمة، ثم السيطرة الرومانية والبيزنطية حقبة تبدلات اقتصادية مهمة شهدت استخدام تقنيات جديدة في الري وبناء شبكات من الاقنية المائية في ترتيب عملية زيادات كبيرة في الانتاج. لكن حيث كان المستفيد الاكبر من هذا كله السلطة المركزية في اثينا وروما او الشرائح الممثلة لها في البلاد نفسها. ومن الملفت للانتباه ان المؤلف يركز ضمن هذا السياق على وفود اعداد كبيرة من المهاجرين الذين قدموا من الخارج باتجاه الدورادو النيل. ويضع على رأس هؤلاء اليهود الذين قدموا من فلسطين، والمهاجرين من مناطق شرق اسيا الاخرى. ويرى ان هؤلاء المهاجرين شكلوا مجموعات اجتماعية جديدة في مصر تمثل شريحة من النخب. وفي المحصلة ادى مثل هذا الوضع الى جعل التاريخ الاجتماعي لمصر خلال الحقبة اليونانية، الرومانية قائماً الى حد بعيد على التمايزات بين المجموعات الاثنية المختلفة. ان مثل هذا الرأي الخاص بالهجرة والمهاجرين الى مصر خلال تلك الحقبة الزمنية يمثل وجهة نظر يطرحها المؤلف، لكنها تحتاج الى نقاش طويل، لا سيما وانها تفصح بشكل شبه صريح عن اسقاط معطيات الحاضر على ماض تاريخي بعيد. ومع نهاية الحقبة الرومانية ـ البيزنطية وتحول مصر الى بلد يسود فيه الاسلام، بدأ مسار تاريخي جديد في ظل الخلفاء الراشدين ثم الخلافتين الاموية والعباسية والفاطميين والايوبيين ثم المماليك ووصولاً الى الامبراطورية العثمانية اعتباراً من عام 1517 وحتى عام 1914، ويرى المؤلف ان حالة الاقتصاد المصري في ظل السلطة العثمانية كانت تتوازى الى حد كبير مع التطور السياسي للبلاد، لقد كان القرن السادس عشر يمثل فترة استقرار اقتصادي نسبي وازدهار زراعي.. ونشاط تجاري.. وهو ايضاً القرن الذي شهد دخول منتوجات جديدة الى مصر مثل القهوة عن طريق اليمن لتلقى انتشاراً سريعاً على مستوى الاستهلاك وتخلق دينامية اجتماعية جديدة. وقد شهدت هذه الفترة ايضاً قيام علاقات اجتماعية متميزة على اساس التعاليم الاسلامية. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق على الحقوق التي اكتسبتها المرأة، وحتى في اطار مؤسسة الزواج. وعلى صعيد حقوق الملكية والارث.. الخ. ويبدأ المؤلف الحديث عن دخول مصر عصر الحداثة مع الاستعمار الفرنسي اثناء حملة نابليون والذي استمر خلال سنوات 1798، 1801. وكان نابليون بونابرت وجنوده قد نزلوا على الشاطئ المصري بالقرب من الاسكندرية في شهر يوليو من عام 1798 ثم احتلوا مصر كلها بعد عدة اشهر بعد هزيمة المماليك في معركة الهرم بالقرب من القاهرة، ولم يستمر الاستعمار الفرنسي لمصر سوى حوالي ثلاث سنوات حيث دمر البريطانيون اسطول نابليون وقواته عند محاولة الفرنسيين توسيع دائرة نفوذهم. ويرى المؤلف ان الحملة العسكرية الفرنسية، حملة نابليون، كانت بالدرجة الأولى الى «كسر شوكة» انجلترا في البحرالابيض المتوسط والسيطرة على طريق الهند. وكان العثمانيون قد اعلنوا الحرب ضد الفرنسيين في مصر وقد انتصر نابليون عليهم في معركة ابوقير حيث كانوا قد حاولوا القيام بعملية انزال بحري. لكن نابليون غادر مصر سراً في شهر اغسطس من عام 1799 وترك جنوده بقيادة الجنرال كليبر في ارض المعركة. ووقع كليبر في شهر يونيو من عام 1800 معاهدة مع العثمانيين تنص على جلاء الفرنسيين عن مصر. ولكن الانجليز لم يصدقوا على هذه الاتفاقية. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق ان مصر قد شهدت بعد جلاء الفرنسيين عنها عام 1801 فترة من عدم الاستقرار استمرت حتى وصول محمد علي باشا الى الحكم حيث وضع حداً لتلك الفترة القلقة. ومن اهم الاعمال التي قام بها الفرنسيون في مصر يذكر المؤلف ادخال المطبعة ونشر اول جريدة مصرية. كما ان فترة الوجود الفرنسي القصيرة في مصر كان لها اثارها الثقافية العميقة كما يدل العمل الكبير الذي مثله كتاب «وصف مصر» الذي قام بانجازه الباحثون والعلماء الذين رافقوا نابليون في حملته، وحيث كان هذا العمل بمثابة المصدر الرئيسي لدى المؤرخين الاوروبيين فيما يتعلق بالشئون المصرية طيلة القرن التاسع عشر بل وفيما هو ابعد منه. وتمثل فترة محمد علي باشا اهم المراحل المضيئة التي شهدتها مصر في تاريخها الحديث. وكان محمد علي نائب الملك قد حكم خلال سنوات 1805 ـ 1849، وهو مؤسس السلالة التي حكمت عملياً مصر حتى ثورة الضباط الاحرار عام 1952. حارب نابليون، لكنه استطاع رغم هزيمته العسكرية البقاء على رأس جيشه. واستطاع ان ينال عام 1804 لقب «باشا» من «الباب العالي» العثماني، قام محمد علي باشا بتحديث الجيش وحارب قراصنة البحر الاحمر واستولى على السودان وقام بتأميم جميع الاراضي الصالحة للزراعة وحسن منظومات الري وادخل مزروعات جديدة على رأسها القطن، وطور شبكة المواصلات وبنى عدة ورش صناعية وأولى اهمية خاصة للتعليم. ولكن هذا كله كان، كما يؤكد المؤلف في تحليلاته، من اجل تعزيز سلطته الشخصية في مصر. ومن هنا كان سعيه من اجل تصفية منافسيه المحتملين. وضمن هذا المنظور ايضاً شهدت فترة حكمه قدراً كبيراً من البيروقراطية، ومن تمركز السلطة، لكنه مقابل هذا كله بنى ادارة حديثة، وآلة عسكرية جديدة، وباختصار بنى نظاماً جديداً يلعب فيه العسكر دوراً راجحاً. ان المؤلف يكرس عدة صفحات من كتابه لشرح المشروع الذي تبناه محمد علي باشا من اجل تحديث الاقتصاد وحين كان تحديث آليات الزراعة بمثابة حجر الزاوية، في ذلك المشروع، وبالمقابل يرى المؤلف ان مشروع التصنيع الذي تبناه محمد علي كان بالاحرى اقرب الى الفشل منه الى النجاح حيث يؤكد انه اعتباراً من عام 1840 قامت الدولة باغلاق عدد كبير من المشاريع الصناعية او انها تخلت عنها نهائياً، ويعيد المؤرخون المصريون السبب الرئيسي في مثل هذا الفشل الى اسباب خارجية كالاتفاق الذي وقعته الامبراطورية العثمانية مع بريطانيا عام 1838 ـ معاهدة بالتاليمان ـ الذي قبلت بموجبه الحكومة العثمانية بفرض شروط قاسية على عمليات الاستيراد بحيث انه لم يكن باستطاعة الصناعة المصرية، الدخول في منافسة مع السلع البريطانية في ميدان الصادرات الموجهة الى منطقة الشرق الاوسط، لكن المؤرخين غير المصريين يؤكدون بالاحرى على تخلف الصناعة المصرية آنذاك بالقياس الى الصناعات الاوروبية التي كانت قد حققت تقدماً كبيراً بفضل منجزات الثورة الصناعية واختراعاتها المتتالية، وفي المحصلة العامة لفترة حكم محمد علي باشا يعود المؤلف الى القول انه بالتأكيد باني الدولة المصرية، وراسم طريقها باتجاه المستقبل، لكن الذين خلفوه لم يستطيعوا الذهاب بعيداً في الطريق الذي رسمه وهكذا وجدت مصر نفسها في عام 1875 مثقلة بالديون. وفي هذا السياق جل الاستعمار الانجليزي لمصر منذ عام 1882 وحتى الحرب العالمية الاولى (1914). ويعتبر المؤلف فترة 1914 ـ 1922 بمثابة مقدمة لـ «الليبرالية» في مصر. وهذه السنوات الثماني شهدت مشاركة مصر في الحرب العالمية الاولى ثم الثورة فالاستقلال عام 1922، لتبدأ بعد ذلك المرحلة الليبرالية فعلياً في ظل حكم «ملكي برلماني» استمر لمدة ثلاثة عقود من الزمن 1922 ـ 1952. وقد شهدت هذه الفترة تبدلات مهمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي بشكل خاص، وذلك في ظل تعاظم دور الاقتصاد المدني، وتطور عملية التصنيع وزيادة الانتاج المحلي، وترافق هذا كله مع بروز جغرافيا اجتماعية جديدة برز فيها دور النخبة المقربة من مراكز القرار السياسي، كما برز دور النخبة الثقافية حيث كانت فترة سيادة الملكية الليبرالية غنية ونشيطة على صعيد التعبير الفكري، في مصر ويذكر المؤلف ضمن هذا السياق دور مثقفين وكتاب وفنانين من امثال طه حسين وعلي عبدالرازق ومحمود مختار ومحمد مندور ورشدي صالح وغيرهم. وفي شهر يوليو من عام 1952 انتهت عملياً مصر الليبرالية ، لتقوم مصر الثورية، كما جاء في عنوان فصل اخير عن تاريخ مصر منذ قيام الضباط الاحرار بانقلابهم العسكري ـ ثورة يوليو عام 1952 ـ حيث اصبحت مصر جمهورية بعد عزل الملك فاروق، اخر ملوك مصر الحديثة. وانتهجت البلاد منذ عام 1952، وخاصة منذ عام 1954، بعد عزل اللواء محمد نجيب وتولي جمال عبدالناصر مقاليد الحكم، سبيلاً جديداً تم التأكيد فيه على الاشتراكية العربية، وعلى التغيير الاجتماعي، لصالح اللوائح الشعبية، مع تأكيد مصر على توجهها العربي وعلى تعزيز دورها في العالم العربي وفي العالم ككل. لكن الانفتاح الذي قال به الرئيس انور السادات غير كثيراً من توجهات الحقبة الناصرية. واليوم تواجه مصر بقيادة الرئيس حسني مبارك، وبملايينها الاربعة والستين تحديات الالفية الثالثة. تاريخ مصر.. منذ زمن الفراعنة وحتى الوقت الراهن في كتاب «مختصر .. ومفيد».