بيان الكتب: في كتابها «الظلال الطويلة» تبدو «ايرنا باريس» الكاتبة الكندية المتخصصة في الشئون السياسية والتاريخية وكأنها تسعى الى التأكيد على صحة ما يقوله الروائي البريطاني الشهير «جورج أورويل» ان اولئك الذين يسيطرون على الحاضر يسيطرون على الماضي وأولئك الذين يسيطرون على الماضي يسيطرون على المستقبل. لكن عددا من الاسئلة يبرز هنا وكأنه يأتي متسلسلا من قبل القاريء لتجيب عنه ايرنا باريس فيما بعد في موضوعها المتعلق بالذاكرة التاريخية منها على سبيل المثال كيف تتمكن الشعوب وصانعو اساطيرها التاريخية من السيطرة على ذاكرتها التاريخية؟ ومن الذي يقرر ويضع السجل الرسمي للأحداث التاريخية؟ وكيف يتم نقل الرواية التاريخية ونشرها، وكيف يتعامل الناس بقية حياتهم مع ما يترتب على هذه الاحداث؟ ولماذا لا تستطيع بعض الدول التخلي عن الماضي؟ هذه مجموعة من الاسئلة المهمة التي تواجه المنظرين السياسيين والتاريخيين التي تضطر المؤلفة من اجلها الى القيام برحلة حول العالم تستغرق ثلاث سنوات في مسعى لاختبار الاساليب التي تتخيرها الدول في اثناء تعاملها مع ما يسمى بمحاولة اعادة تفسير نفسها للآخرين بعد جملة من الاحداث المشتملة على بذور التطور التاريخي في المستقبل كما حدث في «هيروشيما» في اليابان و«حروب الابادة الجماعية العرقية» بالنسبة ليوغسلافيا وكما حدث في جنوب افريقيا والبوسنة. بالاضافة الى دول آسيا وافريقيا وأوروبا تسعى المؤلفة الى قياس نظريتها في التطور التاريخي المستقبلي على دولة كبرى هي امريكا تمتلك ذاكرة مقموعة تتعلق بتعاملها مع صراعها العنيف في الماضي مع «العبودية»، وفي كل واحدة من زياراتها الى الاماكن السابقة تبدو دائما وكأنها مستعدة لالقاء الاسئلة الصحيحة هل يمكن لهؤلاء الاحياء ان يتعاملوا مع ما حدث بتسامح شديد باسم الاموات؟ وأين تقع المسئولية؟ ما الذي يحدث عندما يتوانى الناس الطيبون عن فعل او قول اي شيء؟ وفيما يشبه الرد عن اسئلتها تقول المؤلفة.. لا شيء سوى المشكلة الكبرى وهي ان الزعماء الكبار يصبحون اكثر حكمة او اكثر اهتماما وانشغالا ببذل جزء من وقتهم من اجل حل المشكلات التاريخية كما حدث في نماذج الزعيم الجنوب افريقي نلسون مانديلا والقس الامريكي الاسود جيسي جاكسون وإيلى ويسل وريتشارد جولدستون وليس في نماذج سيئة مثل «كاراديتش» و«ميلوسيفيتش» او الممثلة «زازا كابور» التي عرفت بمحاباتهاالطويلة لنظام بلجراد. ان خلاصة ما تريده باريس من كتابها المؤلف من 495 صفحة هو اقامة الحجة على نظريتها التي تفترض انه على الدول ان تواجه ماضيها التاريخي المؤلم والعنيف بشجاعة لكي تتمكن من حل مشكلاته العالقة وبعد نشرها عددا من الاعمال المتميزة في هذا المجال التي تعبر عن اهتمامها الشديد بمتابعة الظاهرة العالمية باعتبارها من الكوارث المشتركة التي تحدث على مستوى الامم والذاكرة الجماعية والمساهمة في الجريمة وفقدان الذاكرة الوطنية سواء عانت من ذلك دول كاليابان او امريكا في مناقشاتها العنيفة التي لم تنته حول اعادة فتح موضوع التجاوزات التي خلفتها الممارسات السابقة في تاريخ مرحلة العبودية او مرحلة ما بعد مرحلة التمييز العنصري في جنوب افريقيا وعملية المصالحة الوطنية الوطنية او اعمال العنف والمجازر العرقية التي شهدتها منطقة البلقان. تبقى اسئلة باريس كثيرة من بينها السؤال الذي يتعلق بالماضي «لقد تم تصميم الماضي حسب الكيفية التي تتناسب ومنظور احتياجاتنا في الوقت الحاضر والسؤال هو منظور من وحاجة من؟ ولهذا فإنها تتصدى للاجابة عنه بالتركيز على من تسميهم الضحايا وورثتهم بالاضافة الى مرتكبي حوادث التخريب وغيرهم. ومن جهة اخرى تسعى الى استكشاف اشياء اخرى تتعلق بالظاهرة كسيكولوجية العار والقوة والشعور بالذنب والحرمان من الحقوق والامتيازات الشرعية. ورغم كثرة ما تردده المؤلفة من قولها ان التاريخ لا يقهر unmasterable الا انها وبعد حضور العديد من جلسات المحاكمة ومقابلة العديد من الناجين من الفظائع الوحشية حول العالم تخلص في النهاية الى مبدأ مهم هو ان قسوة العدالة ضرورية في آخر المطاف. باصدارها هذا الكتاب الحاصل على جائزة «بيرسون راتيرز ترست فور اوورك» التقديرية الكندية بالنظر لاسهامها في الكتابة في الموضوعات الجديدة المتعلقة بالبحث في تراجيديا الاحداث التاريخية في القرن العشرين وآثارها المدمرة فإن المؤلفة تكون قد تتبعت بالبحث والدراسة الموضوع المفصل بهيمنة التاريخ عبر نماذج تاريخية عالمية مختارة لتخرج بعد ذلك بتلخيص مفيد للفهم الحالي للطريقة التي يستخدمها الناس في مجتمعاتهم المختلفة للتعامل مع الذاكرة التاريخية من اجل ايجاد السبل الكفيلة بالتعايش مع صدمات الماضي وذكرياته المؤلمة. ما يعطي كتاب باريس جزءا من اهميته هو اعتمادها في اثناء بحثها على نماذج واقعية تتمثل في الاستعانة بتجارب الاشخاص العاديين الذين تقوم بمقابلتهم في اماكن مختلفة من الذين تميزهم تلك الطبيعة الاقل تحفظا في الكشف عن الحقائق بالمقارنة بما تفعله الجهات الرسمية في العادة. وبدورها فإن المؤلفة تسعى الى الاستفادة من هذه الروايات «القصص المحزنة» التي تملأ كتابها والتي تعبر من خلالها عما تقوله في مجمل حديثها ما معنى ان تكون كاتبا ان تشاهد بعينيك ان تسأل ان تثير ردود افعال، ان تتقمص الاشياء عاطفيا ان تزنها وان تصدر حكما في النهاية. تخلص باريس في النهاية الى ثلاثة استنتاجات مهمة اولها انه عندما تخضع مجموعة من الناس لنفوذ غيرها وتنفي انسانية اشخاصها يحدث اي شيء آخر يمكن توقعه وثانيها ان الناس يردون بعنف وقسوة لدرء الخطر الذي يتهدد وجودهم ولصياغة رواية تاريخية تعبر عن تجاربهم المأساوية وثالثها ان محاولات طمس الذاكرة التاريخية متعذرة ولا يمكن لها ان تحدث.