بيان الكتب: جورج سوروس، مؤلف هذا الكتاب، هو احد اهم الاقتصاديين العالميين المعاصرين في عالم المال، وقد وصفه بعض النقاد بأنه «اسطورة» في هذا الميدان، وهو اليوم أحد منظري الليبرالية في فترة ما بعد الحرب الباردة، اهتم خلال السنوات الأخيرة بالبحث في الاشكاليات والآفاق التي يفتحها الاقتصاد الدولي الشامل على صعيد الاسواق المالية بشكل خاص، أصدر العديد من الكتب من بينها «أزمة الرأسمالية العالمية: اخطار المجتمع المفتوح» و «الديمقراطية الموثقة» و «انفتاح المنظومة السوفييتية» و «كيمياء التمويل: دراسة ذهنية الاسواق» ... الخ. هذا الكتاب الجديد لجورج سوروس تحت عنوان «المجتمع المفتوح» هو في جوهره بحث في المقومات المطلوبة من اجل «اصلاح الرأسمالية الدولية الشاملة في عصر العولمة. ويعود المؤلف في هذا العمل الى تحليل الاحداث الاقتصادية الغربية التي شهدها العالم على ضوء اطروحات الاقتصاد الجديد» ويبدو هذا العمل بمثابة محاولة تقديم نوع من «الفلسفة العملية» التي تؤسس لعدد من المفاهيم الجديدة المطلوب فهمها وادراكها جيداً كي تكون بمثابة «مرشد عمل» يرمي الى الجمع بين «مستلزمات السوق» و «النشاطات ذات الطابع الانساني» ضمن اطار منظور المجتمع «الدولي» المفتوح. ان المؤلف يعنى في هذا الكتاب بمسألة «التوفيق» بين ما هو فلسفي وما هو عملي، وما هو خاص وما هو عام. «المجتمع المفتوح» الذي يقصده «جورج سوروس» ويدعو اليه يتألف من «شبكة» من المؤسسات التي تسمح بتنشيط وتعزيز فكرة المجتمعات المفتوحة، وبحيث ان هذه الشبكة تغطي بلدان الامبراطورية السوفييتية السابقة وتكون منفتحة على الخارج مع مناطق اخرى من العالم مثل جنوب افريقيا وبلدان جنوب وغرب القارة وهاييتي وجواتيمالا بورما واندونيسيا. وتتمتع المؤسسات المعنية كما يقدمها «سوروس» بحرية اختيار اولوياتها وتتحمل مسئولياتها على ضوء المصالح الوطنية لبلدانها. وتقوم بنفس الوقت بدعم «المجتمع المدني» والتعاون مع الحكومات المحلية ذات التوجه الديمقراطي لان «الحكومات الديمقراطية تشكل جزءاً مهماً من المجتمع المفتوح». لكن هذا لايمنع واقع مساهمة المؤسسات المعنية في «تعبئة المجتمع المدني ضد الانظمة القمعية» حيث يدرس المؤلف ضمن هذا الاطار بعض الحالات في اوروبا الوسطى والشرقية. وبكل الحالات لا يقتصر نشاط مؤسسات «المجتمع المفتوح» على ميدان التمويل والمساهمة في مختلف نشاطات الاسواق المالية، وانما ينبغي ان يتعداها للاهتمام بمجالات التربية والتعليم والفن والثقافة من خلال العناية بالمكتبات والنشر وشبكات الانترنت. كما ينبغي ايضاً ان يكون لهذه المؤسسات نشاط اجتماعي من حيث المساهمة في تحسين الظروف المعيشية للشرائح الأكثر فقراً في مجتمعاتها. وفي المحصلة العامة يمثل هذا الكتاب نوعاً من دعوة البلدان الديمقراطية في العالم الى اقامة نوع من التحالف القادر على مواجهة تحديين اساسيين هما تعزيز التنمية في المجتمعات المفتوحة حسب متطلبات كل بلد وسن القوانين الدولية لانشاء المجتمع الدولي الشامل المفتوح واقامة مؤسساته الضرورية. ان المؤلف يقدم في القسم الاول من الكتاب الذي يحمل عنوان «البنية المفاهيمية» بحثاً نظرياً في نقد العديد من الافكار الاقتصادية السائدة وخاصة فيما يتعلق بالاسواق المالية. لكنه يبحث ايضاً في هذا «القسم النظري» بمواجهة القسم الآخر الذي يدرس «اللحظة التاريخية الراهنة»، الابعاد التاريخية للمجتمع المفتوح والمشاكل التي تطرحها القيم الاجتماعية على ارض الواقع لا سيما واننا نعيش في ظل العولمة التي تتميز قبل كل شيء بحرية التجارة وحرية انتقال رؤوس الاموال الى هذا القدر او ذاك، ومما حد بنفس الوقت من قدرات الدول على فرض ضرائب او قيود على رأس المال، وذلك كنتيجة مباشرة لعولمة الاسواق المالية. واذا كان بالمستطاع الحديث عن انتصار الرأسمالية في العالم في صراعها مع الاشتراكية لفترة عقود طويلة، فإنه لا يمكن قول نفس الشيء بالنسبة لـ «انتصار» الديمقراطية. ومن هنا يأتي نوع من التباين بين الظروف الاقتصادية والسياسية في العالم اليوم. فإلى جانب «عالمية الاقتصاد» لا تزال الدول هي التي تقوم بعملية تنظيم الحياة السياسية في بلدانها باسم «السيادة الوطنية». اذن كيف يمكن المصالحة بين فكرة المجتمع الشامل «الدولي» وبين مفهوم سيادة الدول؟. هذه هي المشكلة الحاسمة التي ينبغي على العالم ان يواجهها اليوم، كما يؤكد المؤلف ثم يفتح قوسين ليشير الى انه «ليس من الضروري ان تتقدم الرأسمالية والديمقراطية يداً بيد» ثم ان الانظمة القمعية، تجد في اغلب الاحيان الدعم الكامل من قبل شرائح رجال الاعمال الذين يبحثون عن تحقيق مكاسبهم الخاصة. هذا في الوقت الذي دلت فيه دروس التاريخ على ان عمليات كبح الحريات قد جاءت نتيجة مخالفات قامت بين الحكومات ورجال الاعمال. «لكن هذه الظاهرة ليست جديدة»، يقول لنا المؤلف ويدعم تأكيده بدراسة قيام مثل هذه التحالفات المعنية التي كان من أول ضحاياها الحرية والديمقراطية. وهذا ما تميزت به تجربة الفاشية في ايطاليا اثناء فترة حكم موسوليني، كما تميزت به بدرجات متفاوتة، التجربة النازية في المانيا وحكم فرانكو في اسبانيا وسالازار في البرتغال. اما في الفترة الراهنة فيدرس المؤلف تجارب انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ وعودة السيادة الروسية هو نتيجة لتحالف بين شرائح كبار رجال الاعمال والحكومات «الجديدة». ويركز المؤلف في شروحاته على التلازم بين نقاط الضعف في «الهيكل المالي الدولي» وفي «الهيكل السياسي الدولي» كما إن مأساة الحرب العالمية الثانية دفعت الى تشكيل منظمة الامم المتحدة وتحديد مهمتها في حفظ السلام والأمن في العالم. لكن النتيجة لم تكن متكافئة مع الهدف النبيل المرسوم، خاصة بسبب انقسام العالم الى كتلتين تقود الاولى الولايات المتحدة الامريكية بينما يرأس الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ الكتلة الاخرى. ودخلت الكتلتان في منافسة مريرة وساد سلام الرعب في ظل السلاح النووي و «قدرة التدمير الأكيدة المتبادلة». استمرت تلك الحالة طيلة فترة الحرب الباردة وانتهت بسقوط الكتلة السوفييتية. ان المؤلف يصف انهيار ما يسميه بـ «الامبراطورية السوفييتية» بأنها كانت «لحظة تاريخية»، اذ انها فتحت الطريق امام ترسيخ الديمقراطية أكثر والتوجه نحو العمل على احترام حقوق الانسان. لكن «الديمقراطية لا يمكن فرضها من الخارج»، كما يقول المؤلف نفسه. ثم ان التحالف الفعلي الوحيد بين الدول الديمقراطية هو اليوم تحالف عسكري يمثله حلف شمال الاطلسي وبالتالي «لابد من استكمال التحالف الاطلسي ـ العسكري ـ بتحالف سياسي وايجاد تحالفات ذات طابع اقليمي مثل توقيع ميثاق لاستقرار جنوب اوروبا» كي لا تتكرر حرب كوسوفو او غيرها من جديد. ومن نقاط الخلل الكبيرة التي يؤكد عليها المؤلف في المنظومة الرأسمالية الشاملة والسائدة اليوم هناك التباين الكبير والمتسارع بين الاغنياء والفقراء والذي يصفه بالقول انه «خطير». ثم ان وجود اسواق مالية دولية اليوم يقتضي انشاء بنك مركزي وعدة مؤسسات مالية دولية اخرى على اسس جديدة غير تلك التي تحكم آليات عمل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبحيث تستجيب المؤسسات الجديدة لمستلزمات المجتمع الدولي ـ الشامل ـ المفتوح. واذا كان المؤلف يشرح آليات «المجتمع المفتوح» اليوم، فإنه تجدر الاشارة الى استخدام هذا التعبير للمرة الاولى من قبل «هنري برجسون» في كتاب له صدر عام 1932 تحت عنوان:«مصدران للتدين والاخلاق» واعتبر ان احد هذين المصدرين هو «قبلي» اما الآخر فهو كوني «يونيفرسال»، وحيث أن المصدر الأول يؤدي الى قيام «مجتمع مغلق» اما الثاني فإلى «مجتمع مفتوح». واستخدام الفيلسوف الالماني «كارل بوبرنيما بعد تعبيرالمجتمع المفتوح واعداؤه» كعنوان لأحد كتبه. اما «جورج سوروس» فإنه يتبنى هذا التعبير على اساس الجمع بين «الفكر» و «الواقع» للوصول الى ارساء اسس «مجتمع مفتوح» على العالم وفي العالم مع تحقيقه لتفتح وازدهار ابنائه، وينظر بنفس الوقت الى «الاسواق المالية» وكأنها نتيجة تطور لمسار تاريخي وبالتالي يمكنها ان تكون بمثابة «مختبر» للبرهان على صحة او خطأ المسار التاريخي نفسه او «قابلية الخطأ». واذا كان المؤلف يقدم نفس هذا الكتاب كمحام عن «المجتمع المفتوح» فإنه ينطلق دائما من موقع رأسمالي، ذلك ان مفهومي المجتمع المفتوح واقتصاد السوق مرتبطان جداً. ان اقتصاد السوق يستجيب فقط لاحتياجات الافراد، ولا يعنى بالبعد الاجتماعي وبحقوق الانسان. ومن هنا يوجه المؤلف نقده الشديد لما يسميه بـ «اصولية السوق» ويؤكد على الترابط بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية عبر تحليل الاسواق على اساس انها تتدرج في مسيرة تطورية تاريخية شاملة. تجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف «جورج سوروس» يتعرض طويلا لشرح الفوارق بين «المركز» و «المحيط» في المنظومة الرأسمالية الدولية الشاملة. وقد كان الاقتصادي المصري سمير امين أحد الذين اسسوا لنظرية «المركز» و «المحيط» في الاقتصاد وجعلها مرتكزاً اساسياً لتحليلاته الاقتصادية، وتجدر الاشارة ايضاً الى ان «جورج سوروس» يلح ايضاً على ضرورة فهم الهيكلية السياسية القائمة في العالم اليوم على ضوء مستلزمات اقتصاد السوق وواقع عالمية الاسواق المالية وايضاً على ضوء الآثار الهائلة التي أحدثتها الثورة التكنولوجية خلال العقدين الأخيرين وخاصة على صعيد الاتصالات والاعلام. كتاب عن الاسواق المالية وآليات عملها و «ردود افعالها» و «اشكال عقلانيتها» و «نظرياتها المختلفة» و «مواطن خللها» و «آثار شبكة الانترنت فيها».. والى جانب هذا كله «تاريخيتها» و «دور صعود الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ وانهياره» في تحديد آليات عملها. وهذا كله في افق تحقيق «مثال» المجتمع المفتوح الذي يعطي موقعاً أكثر سمواً للأفكار الكونية ويتحلى بفلسفة اخلاقية تجعل من الانسان هدفها في ظل سيادة المنظومة الرأسمالية الدولية واقتصاد السوق. كتاب دعوة لاقامة تحالف بين الدول الديمقراطية يحقق هدفين هما تشجيع تطور المجتمعات المفتوحة و «المؤسسات المفتوحة» في العالم واقامة بعض القواعد الاساسية لنمط تعامل الحكومات مع مواطنيها.