بيان الكتب: باعتبارها الوجه الابرز في الثقافة الكندية، اجرت مجلة «موذر جونز» حواراً مع الكاتبة الكندية مارجريت اتوود عبر محررها الثقافي سنيل مارلين حيث دارت الاسئلة حول اهتمام، مارجريت اتوود بالسياسة واسهامها في تكوينها على المستوى الابداعي بوصفها احد أهم الرموز الادبية والسياسية الكندية. والمعروف عن اتوود الى جانب اسهاماتها الابداعية في كتابة الرواية والشعر والنقد والتاريخ الاجتماعي وقصص الاطفال مساهمتها كناشطة سياسية في مجال النهوض بابداعات الكتاب الذين يتعرضون للاضطهاد السياسي. ـ كيف يسهم انشغالك بالسياسة في تقوية العملية الابداعية لديك؟ ـ لا توجد لدى أي فكرة عن ذلك، ان الناس عادة ما يبدأون باتجاه عكسي عندما يتكلمون عن السياسة ومثال على ذلك انهم يتصورون ان لك برنامجاً سياسياً ثم بعد ذلك يجعلونك تهتم بأن يكون عملك مطابقاً لتوقعاتهم. انني اعمل بطريقة مختلفة، فأنا استخدم الملاحظات البسيطة وأتأمل في داخل الاشياء وهذا ما يطلقون عليه في العادة اسم التبصر ومن خلاله تكون رؤيتك وليس كما يتصور الآخرون.. بأن تكون لديك رؤية في البداية وبعد ذلك تعصرها لتجعلها متطابقة مع ما يريده الاخرون. انني اتكلم عن العمل بعيداً عما يسمى «فراش بروكرستيز» الشيء الذي يكره عليه المرء اعتباطياً ولابد ان تكون قد سمعت بهذه الاسطورة الخيالية حيث يجبر الاخرون على النوم في هذا الفراش ولكن اذا لم يتوافق مع مقاييس اجسامهم قام بروكرستيز اما بشدهم وتمديدهم او بقطع اقدامهم حتى يتكيفوا مع الوضع اما انا فلا احب ان اقطع ارجل شخصياتي او شدها بالقوة لحملها على التعبير عن توجهاتي السياسية. ـ اذن، هل تلتقي ذاتك المهتمة بالسياسة مع ذاتك الابداعية؟ ـ انت كمبدع لابد وان يكون ولاؤك لابداعك اولا واذا لم تكن كذلك فلابد وانك ستكون مبدعاً من الدرجة الثانية. وأنا لا اعني هنا الا يكون هناك تداخل على الاطلاق فأنت تتعلم اشياء في مجال ما وتنقلها الى مجال آخر. ومع ذلك فإن القاء خطبة تتعلق بمناهضة العنصرية مثلا لا يمكن لها ان تكون شبيهة بكتابة عمل روائي فعندما تكتب الرواية انت لا تريد ان تحصل على الاطلاق على اصوات مؤيدة او معارضة لقضية ما، ان الحياة اكثر تعقيدا مما نتصور كما ان الحقيقة تتكون ببساطة من وجهات نظر كثيرة ومتعددة. وعندما كنت اصغر سناً كنت اعتقد ان الكتابة في مجالات اخرى غير الرواية تعني الحقيقة التي لا لبس فيها لكن انت تقرأ في التاريخ مثلا وتقرأ اشياء كتبت عن نفس الاحداث في عامين مختلفين لنقل سنة 1920 وسنة 1995 فتجد انهما مختلفين في قول الحقائق، قد لا تكون هناك حقيقة واحدة وربما كانت هناك حقائق عدة ولكن القول بأي منها لا يعني تجاهل الحقائق الاخرى على الاطلاق. عندما كتبت رواية «الياس جريس» مثلا وهي رواية تاريخية تدور احداثها حول قصة اشهر جريمة قتل عرفتها كندا في القرن التاسع عشر وأدين فيها رجل يدعى «جريس ماركس» كنت اعرف ان القصة التي يرويها الاخرون تحتوي على الكثير من الملابسات والمغالطات وحتى بعد قيامي بالبحث في الموضوع نفسه لم اتوصل الى معرفة القاتل الحقيقي الذي قتل «توماس كينير» وخادمته «نانسي» لكن القول اننا لا نعرف القاتل لا يعني على الاطلاق القول ان احداً لم يقتلهما. ـ ولكن هل توجد حقائق غير مترابطة ومتميزة تسعين الى اكتشافها في أعمالك؟ على نحو ما نراه لدى اولئك الذين ينتمون الى اليسار من الذين يتجنبون التحدث عن الامور التي تمس الحقائق والقيم والاخلاقيات المبهمة ذات العلاقة حتى بأقل جوانب التفاعل الانساني قيمة؟ ـ من المحتمل الا اكون يسارية على النحو الذي تفهمه. ـ كيف تعرفين بنفسك اذن؟ ـ انا «محافظة حمراء» ولمعرفة هذا عليك ان تعود مرة اخرى الى القرن التاسع عشر. وعموماً فإن المحافظين هم اولئك الذين يؤمنون بأن الاخرين الذين هم في السلطة يتحملون المسئولية تجاه المجتمع وأنه يجب علينا ألا نقيس كل شيء بالمال. ـ وهل هذه هي احدى حقائقك المميزة ان الاشياء لا تقاس كلها بالمال؟ ـ كلهم يعرفون هذه الحقيقة. ففي داخل كل اسرة يعيش اشخاص يعرفون ان المال ليس مقياساً لكل شيء اللهم الا اذا كان هؤلاء الاشخاص من البخلاء الذين لا يمكن وصفهم. وحدها الحيوانات المتوحشة الى حد التطرف هي التي تطلب ثمناً لكل شيء تعطيك اياه، لكن هناك الكثير من الاشياء التي لا يمكن لك ان تبيعها وتطلب الثمن ومنها النفوذ السياسي. ومع ذلك فنحن لا نكاد نناقش هذه الامور في لقاءاتنا المفتوحة ولا نكاد نشير كذلك الى الثمن الذي يدفعه الانسان وهو يضع بعض تلك الاعتبارات الاقتصادية موضع التنفيذ. ـ ان ما تقولينه يبدو رائعاً ولكننا نعيش في عالم مادي وفيه يقدرك الاخرون بما تملك من المال؟ ـ حسناً، في السابق كانت الانتماءات العرقية هي التي تحدد من تكون ولكن الولايات المتحدة تحولت الان الى ارض يعيش عليها اناس عصاميون ارض لا يمكنهم فقط ان يكونوا فيها ثروات بل ان بإمكانك انت كفرد تعيش في هذه البلاد ان تصنع من نفسك اي شيء اخر ايضا. ومثال على ذلك هو انك تستطيع ان تنتقل الى بلدة اخرى وانت تحمل معك رصيدك الشخصي الزائف ورغم ذلك تستمر حياتك على ما يرام، أنا أقوم حالياً بجمع بعض القصص والحكايات وأحبها الى نفسي تلك الحكاية التي تتحدث عن امرأة برتغالية لم تنتحل شخصية رجل فقط بل انها استطاعت ان تعمل في المؤسسة العسكرية برتبة جنرال وهناك قصة اخرى تروى عن احد عازفي موسيقى الجاز وهو رجل متزوج واب لثلاثة اطفال اكتشف في النهاية انه امرأة! ـ ولماذا يفعلن هذا الشيء؟ من اجل الحصول على تلك الامتيازات التي سيحصلن عليها لو تحولن الى رجال؟ ـ احياناً لا يكون ذلك حتى بسبب الرغبة في الحصول على هذه الامتيازات بقدر ما هو عدم الامتياز وهو أمر مختلف تماماً وعدم الامتياز هو الا تشعر بالضيق من الاخرين ولا تعاني من مشكلة عدم التمتع بأي امتياز. ـ انت تبحثين في غالبية اعمالك في اوضاع اولئك الذين لا اريد ان اسميهم «الضحايا» بل اولئك الاشخاص الذين «لايزالون» وهم في غالبيتهم من النساء؟ ـ البعض لا يبدي اهتماماً بالكتابة عن هؤلاء ما لم تحدث كارثة مثلا، وسأروي لك هذه الحكاية «عندما كانتا صغيرتين قررت ابنتي وصديقتها ان تمثلا عملاً مسرحياً تؤديه شخصيتان اثناء تناولهما طعام الافطار. ثم قامتا بإعداد الوجبة المكونة من العصير وحبوب الكورن فليكس والحليب الذي سكبتاه عليها واعدتا الشاي ثم تناولتا القهوة واتبعتاها ببعض العصير وحبات الكورن فليكس والخبز المحمص ثم وضعتا عليه المربى وبعد ذلك تساءلنا هل بقي ما يفترض ان يحدث في هذه المسرحية فأجابتا.. بلا.. فصحنا كلنا.. حسناً اذن حان وقت الخروج! وهذا هو الدرس الاول في الرواية حيث ان ثمة ما يجب ان يحدث وقد يكون حدثاً سيئاً يصيب اشخاصاً طيبين كأن يتعرض احد هؤلاء الطيبين لعضة قرش او لزلزال يودي بحياته او ان يترك الرجل زوجته. او العكس حيث يتسبب اناس اخرون منحرفون او سطحيون في مشكلات لغيرهم. لكن اذا اردت ان تقرأ رواية ابطالها اناس طيبون لا يفعلون الا الأعمال الطيبة العادية فأنا اقترح عليك ان تقرأ عملاً قصصياً من طراز «تاريخ سير تشارلز جراندسون» لمؤلفه «صامويل ريتشارد سون» فهو يدور ويدور حول هذه الاشياء واعتقد انني الشخص الوحيد الذي قرأ هذا العمل الى نهايته بالفعل. ـ انا لا أتحدث عن الأعمال الروائية المملة. وسؤالي يدور حول «الضحية»، هل يعني هذا ان كل اعمالك تحتاج الى انثى لتكون هي الضحية؟ ـ لنستبدل هذه العبارة بعبارة اخرى هي الاشخاص الذين يجدون انفسهم في ظروف تفرض عليهم ضغوطاً معينة. وهو شيء مختلف تماماً. فهناك من يقول لي مثلاً ان جريس ماركس ضحية ولكنني اقول له... تمهل، وماذا عن نانسي وتوماس؟ فهما الشخصان اللذان قتلا. لا أعتقد ان المسألة بهذه السهولة «هؤلاء الناس الذين يقفون هنا هم دائماً الظالمون وهؤلاء الذين يقفون هناك هم دائماً الضحايا». ـ انت تحولين الضحية التقليدية الى شيء يمكن التضحية به الى حد يثير القشعريرة كما يحدث في رواية «عين القط» حيث الفتيات الصغيرات اللاتي يصلحن لأن يكن اي شيء اخر الا ان يكن رقيقات وودودات؟ ـ هذا مما لاشك فيه ومع انه لا يفترض مني ان اقول هذا الا انني اقول ان علاقة الصداقة التي تربط النساء ببعضهن هي علاقة قوية جدا. والمرأة مخلوق يمتزج في داخله الاشياء على نحو كبير، لقد كنت اعارض دائماً الفكرة التي تقول ان النساء «ملائكة فيكتوريات» وانهن منزهات عن الخطأ. وفي مراحلها الاولى لم تضع الحركات المطالبة بحصول المرأة على حقوقها في اعتبارها شيئاً مثل كون النساء اسمى اخلاقياً من الرجال، كان الجدل يدور حول التمييز بين الرجل والمرأة في الامتيازات الاجتماعية التي يحصل عليها الرجال وفي الحقوق السياسية وفي غيرها من الحقوق التي يحصل عليها الرجل ولسوء الحظ فقد تطور الجدل ليصل الى القول ان «النساء افضل من الرجال» ولو صح هذا على ارض الواقع او حتى في الروايات فلن تكون هناك نماذج نسائية من طراز «اوفيليا» او «سالومي» او «كارمن». مريم جمعة فرج