بيان الكتب: في روايتها الاخيرة «القاتل الضرير» تتساءل «مارجريت اتوود» عما اذا كنا مسئولين عن الانعطافات السيئة التي نتعرض لها في حياتنا ام ان مسئولية اشياء كهذه تقع ضمن دائرة الاشياء الخارجة عن نطاق سيطرتنا كبشر. وبخلاف ما يفعله الكثيرون ، ممن يطرحون مثل هذه الاسئلة ليجيبوا عنها وهم يحركون اصابعهم بطريقة الوعاظ فإن اجوبة هذه الروائية تبدو مناسبة للقاريء الذي يشاطرها نفس المزاج او نفس الرأي او التفكير رغم كونها غير متوقعة او حتى شديدة التعقيد احياناً. تبدأ اتوود روايتها بهذا التعليق الهاديء «لايريس»: بعد عشرة ايام فقط من نهاية الحرب هوت السيارة التي كانت تقودها اختي «لورا» من فوق احد الجسور. وعندما اشار ضابط الشرطة الى ان الحادث كان قد وقع بسبب عطل في الفرامل اضافت ايريس انه رغم انها اومأت برأسها علامة على الموافقة الا انها لم تكن تعتقد في قرارة نفسها بأن ذلك كان هو السبب وراء الحادث. لم تكن الفرامل كما كانت تتصور، وكانت لها تصوراتها المختلفة عن اي تصورات اخرى. وكانت تبدو بذلك غاية في القسوة، كانت ايريس تفكر في اللحظات الاخيرة التي عاشتها اختها، في فروتي القفاز الأبيض وفي ايمائها... كانت تبدو كمن تبرأت مني بل ومنا كلنا. بهذه المقدمة عن عائلة «تشيس» الثرية ذات الشهرة الواسعة في مجال الانتاج الصناعي التي يحدد صعودها وهبوطها اهم التحولات السياسية في «كندا» على امتداد القرن الماضي تبدأ رواية القاتل الضرير الفائزة بجائزة «بوكر» لعام 2000 كما يرسمها قلم الروائية والشاعرة والناقدة الكندية مارجريت اتوود والتي تدور احداثها حول المأساة التي تعيشها احدى الشقيقتين ايريس ولورا المدللتين المنعزلتين المولودتين لعائلة ثرية. وفيما لا تجد ايريس اجابة على سؤالها لماذا تغادر اختها الدنيا وهي في سن الخامسة والعشرين لتبقى هي مطاردة بالشعور بالذنب والمرارة لمدة تزيد على نصف القرن فإنها تلجأ الى كتابة رسالتها المؤلفة من 521 صفحة لترسلها الى حفيدتها مرفقة بقصاصات مما نشر في الصحف حول الحادث وبعض الايضاحات المتعلقة بها ليبدو ذلك وكأنه جزء من التقنيات الكتابية الابداعية التي تلجأ اليها المؤلفة للاشارة الى احداث مهمة معينة منها مثلاً ازمة الكساد الاقتصادي والمشكلات التي واجهتها الطبقة العمالية وزواج ايريس من احد منافسي والدها وشهر العسل الكئيب الذي ترتب عليه وولادة افراد في العائلة وموت آخرين. هذه الملحمة العائلية تضع عليها اتوود بصمتها المعروفة في عالم الكتابة الروائية تلك اللغة الرشيقة الساخرة التي تميل الى القتامة في احيان كثيرة فهذا الصعود المفاجيء لعائلة تشيس الذي تزامن مع اندلاع «الحرب العالمية الاولى يفسر لدى اتوود على النحو التالي الحرب مناسبة جداً لانتعاش تجارة صناعة وبيع الازرار. فهناك الكثير من الازرار التي تفقد في الحرب والتي تحتاج الى ما يحل محلها مما يملأ صنادق او حمولات سيارات شحن كبيرة في وقت واحد. فهي قد تتفجر وتتناثر الى قطع صغيرة او تغوص في الارض او تتصاعد كألسنة اللهب» وعلى الرغم من ان الحرب تزهق ارواح افراد من العائلة وتتسبب في اعاقة آخرين وتعاستهم الا انها ايضاً تصيب العائلة بالثراء وفي النهاية تفقد ايريس نفوذها المادي واحلامها كامرأة بحياة مستقلة. التقنية الثانية التي تعتمد عليها اتوود لضمان استمرار الحبكة الروائية في المرحلة اللاحقة الواقعة بين الحربين العالميتين هي ما يسمى بالرواية بداخل الرواية فهي تنسج خيوط روايتها باتجاهين يجعلانها اكثر تماسكاً وقوة ورشاقة اولهما يبدأ بنشر لورا بعد الحرب العالمية الاولى رواية «دايستوبيا» التي تروي قصة زوال مدينة على يد قاتل ضرير وعشيقته البكماء. هذه الرواية في داخل الرواية تنشط حبكتها في الفترة التي يحدث فيها التفاعل الحقيقي بين مشاعر الامل ومشاعر اليأس الذي تم التعبير عنه على نحو شبه مسرحي ينقل نبض الشارع الكندي اثناء حدوث هزات خطيرة كالأزمة السياسية التي عانت منها البلاد لدى تأثرها بمرحلة الكساد الاقتصادي الاعظم التي تعرضت لها القارة الامريكية. وكما يتعرف عليه القاريء منذ البداية فإن الجزء الاخر الاساسي من الرواية يدور حول ما يشبه كتابة السيرة الذاتية لبطلة القصة ايريس المواطنة الكندية ذات الطموح المادي الذي يقودها في النهاية الى الدخول في مجال المنافسة ليتحقق لها ما كانت تتصور انه نوع من الاستقلال الذاتي والاقتصادي في الوقت الذي ينفي فيه مجتمعها البسيط ان تكون لها كامرأة هذه الحقوق وعلى نحو ما تتصوره في خيالها، من الامثلة التي تضربها ايريس للقاريء لتعطيه صورة واقعية للمعاملة السيئة التي تتعرض لها النساء في الضاحية النائية التي تقطنها، مثال الرجل الذي تستأجره لاصلاح المروحة في بيتها والذي يقول بعد اتمام عمله لابد وان يكون هذا كافياً لتثبيت «هذه» المروحة، وهنا تبادر هي بقولها للقاريء كانت السفينة مؤنثة بالنسبة «لوولتر» تماماً كما كان محرك السيارة الخرب والمصباح المكسور والراديو وكل ما يمكن للرجال ان يصلحوه يدوياً بواسطة ادوات بسيطة ليصبح في حالة جيدة ويبدو كما لو انه كان جديداً... ولكني لا اتصور ان هذا مطمئن بالنسبة لي، وربما لانني اعتقد وعلى نحو طفولي ان وولتر ورغم كل شيء قد يستل كماشته وسقاطاته ويفعل بي الشيء ذاته الذي يفعله مع هذه الاشياء. كما ان كل ذلك يتزامن مع شعورها بالندم والضعف وعدم القدرة على التبلور على الصعيد الانساني والاجتماعي حتى ان اكتسابها الوعي لا يأتي إلا في مرحلة متأخرة من حياتها. في تقديمها لقصة ايريس تبدو اتوود وكأنها تمارس عملية اختيار دقيقة لكل العناصر القصصية اللازمة لروايتها هذه وذلك بالعودة الى موضوعاتها وحتى تقنياتها الكتابية السابقة، ففي رواية القاتل الضرير يعثر القاريء على بعض الملامح الابداعية التي كان قد تعرف عليها في رواية «قصة الخادمات» وهنا لا يمكن له ان يخطيء في تعرفه على تقنية الرواية داخل الرواية التي كانت قد لجأت الى استخدامها في وقت سابق او ذلك التأمل والعودة الى الوراء التي يمارسها ابطالها كما في قصة «عين القط» ليعودوا مرة اخرى الى الوراء الى اماكنهم وازمنتهم التي احبوها في حياتهم الماضية بواسطة التذكر لينتقل معهم القاريء عبر زمنين هما الحاضر والماضي الذي يبدو وكأنه الحاضر بالنسبة لك كقاريء. تعتمد البنية السردية للرواية على تقنية الراوي وهنا تروي بطلتها سيرتها الذاتية بالرجوع الى ذكرياتها التي تسجلها بعد 50 عاماً من نهاية الحرب العالمية الاولى والتي تبدو بدورها كصور تؤرخ للواقع الاقتصادي والسياسي في كندا تسعى المؤلفة الى تأويلها بالمقارنة بحالة الهبوط والصعود التي تمر بها حياة عائلتها الثرية التي تكللت في النهاية بأحداث مأساوية كموت لورا وفقد ايريس للكثير من الامتيازات التي كانت قد حصلت عليها في السنوات الماضية. فعائلة تشيس تشتهر وتبلغ ذروة مجدها الاقتصادي في القرن التاسع عشر بالاعتماد على الثروة التي ترثها من الجد مالك مصنع الازرار الذي اسس امبراطوريته على صناعة هذه البضاعة الرائجة من الخشب والعظام لكن تلك الاخلاقيات الاقتصادية لا تتمكن الصمود في وجه الازمة الاقتصادية القادمة مع حلول القرن العشرين وكما يتهدد المصنع بالاغلاق خلال فترة الكساد يتهدد العائلة خطر التمزق والانحلال وتورط ايريس في صفقة زواج مدبرة مع زوجها «ريتشارد جرفين» احد اشهر اقطاب الصناعة الحديثة في كندا فتوافق على ذلك من اجل انقاذ سمعة عائلتها الاقتصادية على الرغم من النتائج السيئة الاخرى المترتبة عليها وهي اهمالها غير المتعمد لأختها الرقيقة الحساسة لورا. وبغض النظر عما تنطوي عليه الرواية من احداث تؤرخ للسيرة الذاتية لابطالها فإن هذه الاحداث ذاتها تبدو على جانب كبير من الاهمية نظراً لتمثيلها جوانب الصراع العنيفة الاخرى التي تشير اليها اتوود والتي تشتمل عليها اكثر حكاياتها المتعددة المشتملة على عناصر قصصية ممتعة، اكثرها تفاعلاً وتصويراً للواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي. وليست قصة ايريس لوحدها هي الاكثر اهمية فرواية لورا مثلاً تسلط الضوء على قضية اجتماعية هامة تتعلق بما تسميه اختها ايريس «علاقة الحب المحرمة» التي تتورط فيها لورا المنتمية الى الطبقة الارستقراطية والرجل المشبوه المتعاطف مع احد الاحزاب اليمينية والذي تطارده الشرطة باستمرار اما قصة الغرام الغرائيبية تلك التي تصادرها الاعراف الطبقية فتصبح اكثر قوة عندما تحتضن بداخلها قصة اخرى يرويها لحبيبته الرجل المهتم بكتابة القصص المثيرة ومن بينها قصة «القاتل الضرير» الذي يتماهى بشخصيته وعلى وجه الخصوص عزمه على القضاء على الفساد السياسي وانقاذ حبيبته من المصير السيء الذي كان ينتظرها في اليوم التالي عندما تذبح وتقدم كقربان حسبما تقضي اعراف الطبقة الارستقراطية. ومع قصة القاتل الضرير تقدم اتوود مجموعة من الروايات الصغيرة المنقولة عبر قصاصات الصحف الكندية التي تؤرخ لأهم الاحداث المحلية والعالمية في الفترة ما بين الحربين على نحو يوضح الامور احياناً ويزيدها غموضاً احياناً اخرى.