الذي يدير شبكة السكك الحديدية هو موظف كبير، لكنه موظف على أي حال. ولذلك عندما قالوا له انه قد حانت ذكرى انشاء أول سكة حديدية، سرح بعيدا الى بيته وزوجته وأصدقائه وقال: وماذا نفعل؟ قالوا له: لنحتفل! فقال: على بركة الله لنحتفل! ولذلك مرت الذكرى، وهي مرور مئة وخمسين عاما، دون أن يحس بها الناس، أقيم احتفال رسمي هنا وهناك، وكتب البعض. وكان هذا كل ما حدث. وشبكة السكة الحديدية انشئت في نفس الوقت في بريطانيا ومصر والهند. وبالتأكيد سبقت بريطانيا لأن الاختراع بريطاني، وان كان في هذا شك، فلا يكاد يوجد اختراع الا وحوله شكوك. ويقال أن المستر ستفنسون سرق جهد مهندسين آخرين في ألمانيا وفرنسا، وهي قصة طويلة ممتعة تصلح لفيلم سينمائي وللأسف الشديد تفاصيلها ليست في ذهني الآن وهي أيضا ليست موضوعنا. ويختلف المؤرخون في سبق مصر والهند، ايهما كانت الثانية في انشاء السكة الحديدية. وانشاء الطرق والمواصلات هي نظرية لم يبتكرها الرومان لكنهم كانوا أول من تحمس لها. وقالوا أن الحضارة لا يمكن أن تقام الا على شبكة مواصلات ممتازة. ولعلهم كانوا يقولون أن هذا وهو الاساس لاقامة الامبراطورية وهذا ماقالته ايضا الامبراطورية البريطانية التي بدأت تسود الدنيا منذ هزيمة نابليون بونابرت الى حرب 1956 حيث استطاع جمال عبدالناصر أن ينزلها من على عرشها. ولا أذكر انني قرأت كتابات عن تاريخ الطرق الا اشياء قليلة عن طريق الحرير مثلا، وعندما كنت أسافر من القاهرة الى الإسكندرية وبالعكس في الطريق الزراعي كما يسمونه الآن، وأحكي لأحد عن هذا الطريق كان يندهش، فهو بالنسبة له مجرد طريق. ولقد افتقدت هذا الطريق بعد أن أصبح سفري الآن عن الطريق الصحراوي الأسرع والأسهل، وكنت قد ابتكرت طريقة للسفر الى الاسكندرية تستغرق ست أو سبع ساعات في الطريق الذي يسافر فيه الآخرون نحو ثلاث ساعات. وذلك انني كنت استيقظ مبكرا فأصل الى برج المنوفية لأفطر هناك. ثم أشرب القهوة في طنطا واشتري بعض منتجات القطاع العام أيام كان هناك «قطاع عام». اذ كانت بضائعه تختفي فورا في القاهرة. وعرف أصدقائي انك تستطيع ان تحصل على هذه البضائع في طنطا فصاروا يسافرون اليها، اما معظمهم فكانوا يطلبون مني شراءها لهم. وذات مرة طلبت قريبة لي أن اشتري لها غسالة من منتجات القطاع العام! وحملقت فيها بدهشة، فأنا لم أكن قد اشتريت شيئا كهذا في حياتي. وكانت قريبتي في ظروف لا تسمح لي بالاعتذار فتوكلت على الله، واشتريت الغسالة، واكتشفت انها بربع سعر الغسالات الأخرى. وفرحت قريبتي فرحا شديدا، وفرحت أنا أيضا لأنني أدخلت الفرح الى قلبها - ولكن فرحي الحقيقي كان لأنني نجحت والحمدلله في شراء أول غسالة. ومازالت هي الأولى. فهناك من يقوم عني بالمهمة، ويعطل مواهبي. وفتح هذا الانجاز شهية العائلة، فطلب مني آخرون ثلاجة فقررت تغيير طريقي من الطريق الزراعي الى الطريق الصحراوي. وكنت أقود نصف ساعة من طنطا لأصل الى كفر الزيات وكان لي ذكريات فيها منذ الطفولة، فكنت انتقي أحد مقاهيها، واسأل عن أخبارها. وبعد دقائق من كفر الزيات أمر على القرية التي ولدت فيها، وأتأمل الوجوه التي أراها خرجت الى الطريق الزراعي لدواعي السفر أو غيرها، واتساءل الم يكن طبيعيا أن أكون واحدا من هؤلاء، لولا أن الظروف اتاحت لي أن أخرج من هنا، ومن كان في سني تعلم لكنه لم يخرج من القرية وعمل مدرسا، ثم ناظرا للمدرسة، ومات دون أن يبيت ليلة واحدة خارج القرية. أذكر انه كان في القاهرة لسبب قاهر، والسبب القاهر في بلدتنا هو واجب العزاء، وعرضت عليه أن يبيت في القاهرة، فاستنكر ذلك على اعتبار انني أغويته بمعصية. وقال لي انه لا يستطيع أن ينام (بره). ولقد حيرتني كلمة (بره) هذه. وتساءلت هل يقصد أن القاهرة هي بلاد (بره) كما نقول عن أوروبا، فيقولون أن فلانا سافر الى بلاد (بره) ولكن صاحبي متعلم ويعرف ان القاهرة ليست بلاد بره. وكان هو نفسه مرشحا لبعثة في انجلترا في الستينيات، لكنه اعتذر عنها لمرض والدته كما قال لي، أو لأنه خاف أن يخرج من القرية. وربما كان صاحبي يعنى كلمة (بره) أن بيته هو البيت وان ماعداه هو خارج البيت. المهم انني في النهاية كنت أصل الى الاسكندرية مستمتعا بالرحلة، أما الآن فإذا تجاوز السفر في الطريق الصحراوي الساعتين والنصف، أحسست بالضيق والملل. ومن المدهش أن السكة الحديدية انشأها والى من أسوء ولات مصر هو محمد سعيد باشا، وإن كان البعض ـ ومنهم أحمد عرابي نفسه ـ يرون أنه كان رجلا عظيما. ولكن الذي ضاعف السكة الحديدية وجعلها شبكة مواصلات حقيقية هو الخديو اسماعيل الذي خلف عمه محمد سعيد. وبالطبع لم يكن القطار أيامها بالسرعة التي نعرفها الآن. فالقطار يقطع المسافة الآن من القاهرة الى الاسكندرية في ساعتين. وفي الزمن الذي كنا نسافر فيه بالقطار كان يتجاوز الثلاث ساعات. وكنت أسافر بقطار ـ وأرجو أن تصدقني ـ يقطع المسافة بين القاهرة والاسكندرية في وقت بين سبع ساعات وثماني ساعات. وكان ذلك في الستينيات عندما اضطررت للسفر بين القاهرة والإسكندرية مرات عديدة. وكان هذا القطار المجهول من جميع من أعرفهم آنئذ يغادر محطة القاهرة في الساعة الحادية عشرة مساء، وكان هذا مناسبا لي لأقضي يومي كله في القاهرة. وكان يصل الى الاسكندرية حسب جدوله الزمني في الساعة السادسة صباحا على ما أذكر، وكان هذا يوفر أن أنام في فندق، اذ كنت أنام في القطار. ولم أكن بالطبع الوحيد الذي يفعل هذا. فعندما كنت أصعد الى القطار كان أصحاب المسافات الطويلة، ينتقون مكانا يصلح للنوم. وكان أصحاب المسافات القصيرة هم الأغلبية. فالبعض كانوا يقضون أيامهم في القاهرة، ثم يعودون الى قراهم القريبة من القاهرة. فإذا اقتربت الاسكندرية صعد الى القطار من القرى العمال والطلبة الذين يعملون ويدرسون في الاسكندرية. وكان للقطار جدول محطات محدد، لكنني أبدا لم أراه يلتزم بها. فكلما رأى السائق محطة توقف بها. وذات مرة توقف القطار دون وجود محطة فتساءل احدهم محتجا لماذا يقف القطار، فرد عليه صوت بين اليقظة والنوم أن هذا هو أبوالفتوح يريد أن ينزل! ولم يسأل أحد من هو أبوالفتوح، لكنها كانت اجابة كافية. ولا أدري هل مازال هذا القطار موجودا. وأتمنى أن أقضي به ليلة، لعلها تكون تنشيطا للذاكرة، لأكتب عن الليالي التي قضيتها في هذا القطار. وبعد أن أدخل محمد سعيد باشا القطار الى مصر بدأت تنتشر حركة القطارات. وكان المشروع الذي يتحدث فيه الناس أن تركب القطار من الرباط لتخترق المغرب الغربي، وتصل الى مصر، ومنها الى فلسطين والشام، لكي تصل الى تركيا، ومن هناك تكمل بقطار الشرق السريع لتخترق أوروبا كلها حتى تصل الى اسبانيا. ولأن الفكرة رائعة، ولأن الصورة جميلة، ولأن هذه الشبكة مشروع الوحدة عربية اقاموا لنا دولة اسرائيل فأصيب الخط في مقتل. كما تلاحظ ياعزيزي القارئ أخذت اتحدث وتجنبت أن أتحدث عما يثيره القطار في نفوسنا من شجن. عد الى الأدب الروسي وانظر ما يفعله القطار في النفوس. ومازلت حتى الآن عندما اسمع صوت القطار أحس بالغربة، ويعصر قلبي ألم الفراق. وعندما تنام القاهرة اذا كانت تنام. اسمع صفير القطار رغم بعده عن منزلي، فاختنق بالدموع، وترن في أذني أغنية: ـ ياوابور قوللي رايح على فين؟ ـ والشجن هو الشجن حتى لو عرفنا الى أين يذهب القطار.